إصلاح نظام الكفالة في الخليج تحسين للسمعة الدولية وبيئة الاستثمار

تتابع منظمة العمل الدولية أنظمة الرعاية الحالية التي تنظم هجرة العمالة المؤقتة في دول الخليج العربي والأردن ولبنان، منوّهة بالإصلاحات والتعديلات على نظام الكفيل بما من شأنه تقديم فوائد واسعة النطاق، بدءا بتحسين ظروف العمل وتحسين تلبية احتياجات أصحاب العمل وصولا إلى تعزيز الاقتصاد وإنتاجية سوق العمل.
الأربعاء 2017/05/10
نهضة اصلاحية تفيد الجميع

بيروت- تعمل الحكومات في دول الخليج العربي على إدخال تعديلات على قوانين العمالة المهاجرة وأنظمة الكفالة. ولاقت هذه الخطوات صدى إيجابيا لدى منظمة العمل الدولية التي أكّدت في تقرير حديث لها على أن إصلاح نظم منح التأشيرات للعمال المهاجرين على أساس الرعاية/الكفالة في بلدان الشرق الأوسط من شأنه أن يعود بالفائدة على اقتصاديات البلدان المستقبلة لهم وعلى العمال المهاجرين وعلى بلدانهم الأصلية.

وتعتبر دول الخليج العربي الوجهة الرئيسية للمهاجرين العرب وأيضا من مختلف أنحاء العالم. وتتوقع تقارير الهجرة الدولية أن تبقى هذه المنطقة في صدارة الدول المستقبلة للعمالة الوافدة حتى مع المراحل المتقدمة التي وصلت إليها سياسة التوطين وفي مرحلة ما بعد النفط سيتمر العمال الأجانب من ذوي المرتبات المنخفضة في تزويد معظم قطاعات الخدمات بالموظفين، بما في ذلك قطاعات البناء، وخدمات الطعام والعمل المنزلي، على غرار ما فعلوه لعقود من الزمن.

وتبلغ العمالة الوافدة في دول مجلس التعاون الخليجي نحو 17 مليون فرد، وهو رقم غير دقيق بسبب إقامة البعض بشكل غير قانوني، ومن المتوقع أن يرتفع العدد. كان وزراء العمل في الدول الخليجية قرروا ألا تتجاوز نسبة العمالة الوافدة 20 بالمئة من إجمالي عدد السكان، ولكن لم يتم العمل بهذه التوصيات مع توسع المشروعات الاقتصادية الخليجية وحاجة هذه الدول إلى الأيدي العاملة الأجنبية. ويعتبر قرار مراجعة نظام الكفالة خطوة هامة تعكس استجابة وتفهّما لدعوات منظمة العمل الدولية بتحسين قوانين المنظمة لسوق العمل الخليجي، وهو أمر سيكون له مردود إيجابي سواء على مستوى الأمني أو على مستوى الاقتصادي ومردود العمل.

نظام الكفيل

تعرضت أنظمة الرعاية الحالية في الشرق الأوسط إلى انتقادات بسبب العلاقة غير المتكافئة التي تنشئها بين أصحاب العمل والعمال المهاجرين والتي قد تتطور إلى شكل من أشكال العمل الجبري. ومن العوامل الأساسية التي تسهم في ضعف موقف العمال المهاجرين -وخاصة العمال المنزليين- في هذه العلاقة تحكّم الراعي/الكفيل في عدد من الجوانب المتعلقة بتنقلهم داخل سوق العمل بما في ذلك الدخول إلى البلد، وتجديد الإقامة، وإنهاء الخدمة، والانتقال إلى عمل آخر، وفي بعض الحالات الخروج من البلد.

ويظهر تقرير منظمة العمل الدولية الذي حمل عنوان “علاقات أصحاب العمل بالعمال المهاجرين في الشرق الأوسط: استكشاف نطاق التنقل داخل سوق العمل والهجرة العادلة”، أن إصلاح إجراءات الكفالة الحالية التي تنظّم الهجرة المؤقتة للعمال في الشرق الأوسط ستكون له فوائد واسعة النطاق.

وأشارت ربا جرادات، المدير الإقليمي للدول العربية في منظمة العمل الدولية، إلى “التقدم الذي أحرز في دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث يسمح مرسوم جديد لأي من الطرفين بإنهاء علاقة العمل من جانب واحد، وفي البحرين والأردن، حيث تم البدء بإصدار تأشيرات مرنة تفصل العمال المهاجرين عن سيطرة راعي/كفيل واحد”.

ونظام الكفيل عبارة عن مجموعة شاملة من القوانين واللوائح الإدارية والمعايير والممارسات العرفية التي تنظم هجرة اليد العاملة في بلدان عربية. وبموجب نظام الكفالة يرتبط العامل المهاجر بكفيله طوال فترة العقد في كل ما يتعلق بشؤون هجرته ووضعه القانوني، بحيث لا يتمكن العامل المهاجر من دخول البلد أو الاستقالة من العمل أو الانتقال إلى عمل آخر أو في بعض الحالات مغادرة البلد دون إذن صريح مسبق من صاحب العمل.

وتاريخيا، تستند النظم التي تتيح الاستخدام المؤقت للأجانب في بلدان مجلس التعاون الخليجي، إضافة إلى الأردن ولبنان، إلى مفهوم الكفالة الذي يحمل لغويا معاني “الضمانة” و”الإعالة” و”الرعاية”. ومن المعروف في بلدان الخليج العربي والأردن أن مصطلح الكفالة يعود إلى تقليد الضيافة لدى البدو الذي يلقي على عاتق أهل البلد منح الغرباء الحماية والانتماء المؤقت إلى القبيلة لأغراض محددة.

أما الاستخدام الحديث لنظام الكفالة فقد ظهر في بلدان مجلس التعاون الخليجي في الستينات والسبعينات من القرن الماضي عندما تمّ تطويره كوسيلة لتنظيم دخول اليد العاملة المهاجرة إلى بلدان الخليج العربي. وبموجب نظام الكفالة، يرتبط وضع الهجرة والإقامة القانونيين للعامل الأجنبي بكفيل فردي طوال مدة عقده.

ولا شك في أن كفلاء كثر يسعون جاهدين إلى توفير ظروف العمل اللائقة والمحترمة، ولكن رغم ذلك فإن النظام حافل بطبيعته بالفرص التي تتيح لأصحاب العمل انتهاك الحقوق الأساسية للعمال المهاجرين. وتعتبر منظمة العمل الدولية أن أكثر نقطة سلبية في نظام الكفيل تكمن في تفويض المسؤولية أو “تعهيدها” من قبل الدولة إلى صاحب عمل من القطاع الخاص.

لا تكمن أهمية إصلاح نظام الكفالة في الشرق الأوسط بالنسبة إلى العمال فحسب بصفته مسألة تتّصل بحقوق العمل، بل إن تعزيز تنقل العمال في السوق الداخلية من شأنه أيضا أن يعود بسلسلة من المنافع على الحكومات وأصحاب العمل والاقتصاديات في بلدان المقصد.

مراجعات وقوانين جديدة لضمان حقوق العمالة الوافدة في دول الخليج

ومن شأن إصلاح نظام الكفالة أن يحقّق على وجه الخصوص زيادة في الإنتاجية نتيجة زيادة جاذبية سوق العمل للشركات والعمال من ذوي المهارات المعترف بها على حد سواء، إضافة إلى تحسين السمعة الدولية.

ويؤدي أيضا على تحسين حوكمة العمل من خلال الحد من الممارسات التي تخول لصاحب العمل بأن يتولى كفالة عدد من العمال دون نية حقيقية في تشغيلهم، وهي ممارسة معروفة بتجارة التأشيرات والحد من الممارسات المجحفة التي تمنع العمال المهاجرين من ترك صاحب العمل أو “الهروب” بما فيها حجب الرواتب، ومصادرة جوازات السفر والقيود المفروضة على حرية التنقّل. ولمحاربة مثل هذه الممارسات تعمل دولة الإمارات العربية المتحدة، على سبيل المثال، على اعتماد قانون جديد للعمالة المنزلية. ويصنف القانون الجديد العمالة المنزلية باعتبارهم من الموظفين الذين يحملون مجموعة واضحة من المهارات ويؤدون مجموعة محددة من المهام.

ومن شأن إصلاح نظام الكفالة المتوافقة مع معايير العمل الدولية أن يسهم في تحسين السمعة الدولية وبيئة الاستثمار، خاصة وأن المنطقة باتت تُستهدف أكثر فأكثر في مساعي التدقيق في حقوق وظروف العمل الخاصة بالعمال المهاجرين، وهو منحى مرشح للاستمرار دوليا نظرا إلى عدد من المشاريع الضخمة والبارزة. وسيزيد إظهار الالتزام بتحسين ظروف العمل من الجاذبية بالنسبة إلى الشركات العالمية الساعية إلى الحفاظ على سمعتها للعمل في الشرق الأوسط، ما يسهم بدوره في الارتقاء باقتصاديات المنطقة وتنويعها. كما أن التراجع في عدد العمال المهاجرين الذين يحتاجون إلى دعم ممول من الحكومة، بما يشمل الإقامة في أوضاع الأزمات وغيرها من المساعدات، يمكن أن يسهم في خفض تكاليف مساعدات الرعاية الاجتماعية.

نماذج إصلاحية

يرصد تقرير منظمة العمل الدولية تطورا ملحوظا على مستوى التشريعات والقرارات التي اتخذتها دول خليجية في الفترة بين 2015 و2016 لتغيير تدابير الكفالة خاصة فيما يتعلق بقدرة العمال المهاجرين على إنهاء عقودهم أو الانتقال إلى كفيل جديد. ففي السعودية، مثلا، أدت التعديلات في قانون العمل 39 وإصدار لوائح تنفيذية جديدة دخلت حيّز التنفيذ في أبريل 2016 (المرسوم الوزاري رقم 1982) إلى تغييرات في قدرة العمال المهاجرين على تغيير صاحب العمل.

وفي 29 مارس 2017 أقرت الرياض قانونا يهدف إلى تسوية أوضاع العامل الأجانب المخالفين وذلك بمنحهم فترة سماح تدوم 90 يوما لتسوية وضعياتهم لتجنّب الغرامات والعقوبات المترتبة عن انتهاك قانون الإقامة وقوانين العمل وأمن الحدود.

ومازالت السعودية وقطر والأردن تفرض حظر الخروج، رغم أن قطر قد أدخلت في قانون العام 2015 عملية طعن للعامل في الحالات التي يرفض فيها صاحب العمل طلبه لمغادرة البلاد؛ فيما تعتبر الإمارات العربية المتحدة الأقل تشددا فيما يتعلق بنظام الكفيل المطبق في معظم الدول الخليجية.

وشهدت الكفالة في الإمارات تغييرات أوسع نطاقا، حيث أدخلت عدة تعديلات مهمة على العلاقات بين صاحب العمل والعامل من خلال السماح لأي من “الطرفين بإنهاء علاقة العمل من جانب واحد وفي أي وقت؛ ولا يلزم أي من الطرفين بالاستمرار في هذه العلاقة رغما عنه وينطبق ذلك على عقد السنتين الأوليين وعلى العقد المجدد شرط الامتثال لأحكام الإخطار”.

وباتت الإمارات تتيح انتقال العامل المهاجر إلى صاحب عمل جديد وإصدار تصريح عمل جديد له من دون إذن صاحب العمل الحالي، عند تقاعس الأخير عن الإيفاء بالتزاماته القانونية أو التعاقدية؛ أو عند إقفال الشركة؛ أو عندما يربح العامل شكوى عمل تقدم بها بحق صاحب عمله الحالي؛ أو عند تسديد العامل لتعويضات لصاحب العمل الأساسي بحسب بنود إنهاء العقد (مبلغ أقصاه راتب ثالثة أشهر).

وفي بادرة إيجابية أخرى، أعلن الأردن في أكتوبر 2016 عن مشاريع للتخلي عن شرط “شهادة عدم الممانعة” الانتقال إلى صاحب عمل آخر؛ وهو قرار اتُّخذ بدافع من التغييرات الأخيرة في البلدان المجاورة، ومن التصنيف السلبي في تقرير التنافسية العالمي 2016-2017 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي.

وصدر إعلان واعد آخر عن حكومة البحرين أشارت فيه إدخال تصريح عمل جديد “مرن” للعمال المهاجرين غير النظاميين في الربع الثاني من العام 2017، يمكن للعمال بموجبه التقدم بطلبات العمل من دون الحاجة إلى كفيل طوال سنتين.

الإمارات تتيح انتقال العامل المهاجر إلى صاحب عمل جديد وإصدار تصريح عمل جديد له من دون إذن صاحب العمل

وذكر أسامة العبسي، الرئيس التنفيذي لهيئة سوق العمل في البحرين، أن هيئة سوق العمل ستطبق تجربة العمل دون كفيل عن طريق منح ما يقرب من 2000 عامل تصاريح للعمل النظامي شهريا، بعد استكمال هؤلاء العمال للشروط.

وفسّر العبسي سبب اللجوء إلى هذه المرونة في نظام الكفالة البحريني بقوله “لم يكن بوسعنا الوقوف في وجه قوى السوق، ولهذا توصلنا إلى نظام التأشيرات الحرة” نظرا لوجود عدد كبير من المهاجرين الذين يعملون بشكل مخالف في السوق.

تخلص منظمة العمل الدولية في ختام تقريرها إلى التأكيد على أن لإجراءات تحرير العمال من الارتباط بصاحب العمل وتمكينهم من تحمّل مسؤولية تجديد تصاريحهم والسماح للعمال بالاستقالة وتغيير أصحاب العمل والخروج من البلد من دون طلب الإذن أو الوقوع في وضع الهجرة اللانظامي أثر عميق على التوصل إلى حقوق العمال المهاجرين في المنطقة.

ويمكن لمعالجة أكثر عناصر الكفالة استغلالا وزيادة التنقل في سوق العمل الداخلية أن تساعد على التأهب لرفع المزيد من التحديات التي تواجه المنطقة والمتّصلة بأسعار النفط المتدنّية بشكل مستمر، والجهود الرامية إلى دعم العمالة الوطنية، ومستويات البطالة المرتفعة في صفوف الشباب والنساء من المواطنين والتدقيق الدولي في حقوق العمال.

أما منافع زيادة فاعلية أسواق العمل فستبرز فورا في مجالات تنمية المهارات والتوفيق بينها، كما في توظيف العمال المهاجرين من الموجودين أصلا على الصعيد المحلّي في بلد المقصد، عوضا عن اللجوء إلى عمليات جلب موظفين وعمال تكون مكلفة عادة. ولهذه الإصلاحات أن تخفض عدد العمال المهاجرين غير النظاميين في المنطقة.

ويؤدي إلغاء سياسات العمل المقيدة إلى زيادة التنافسية ويحسن الرصيد في مؤشر التنافسية العالمي. وبالتالي فإن إصلاح العلاقات بين أصحاب العمل والعمال في المنطقة يمكن أن يشكّل فوزا ثلاثيا لكل من الحكومات وأصحاب العمل والعمال المهاجرين.

6