إضحك.. مع الموت!

الأربعاء 2014/10/08

أقسمتُ ألا أكتبَ المزيد عنه.. فهو فألٌ سيّء.. وأنا لا اُريد أن أخسرَ المزيدَ من أحبّتي.. ولكن ما حيلتي إذ صار هو الذي يكتبُ تاريخي وتاريخَ بلدي وأهلي ومن اُحِب؟..

الموت.. ذلك الذي عشتُ معه مرغمة منذ طفولتي حتى ما زاد على ربع قرن.. كان من الممكن أن تكون لي أجمل أيام عمري..

فكم لعبنا معاً!.. كم لاعبته وكم لاعبني!.. لعبة الغش والإختفاء.. ولعبة المراوغة.. ولعبة المطاردة.. كم خاتلته!.. وكم مشيت بعكس سيره وأنا أفتح لوامسَ حذري على مصاريعها فلا يداهمني ويمسك بي وأنا غافلة!.. وكم غافلني ليسرق مني أقرب أحبتي!..

لطالما نمتُ وأصوات الرصاص والإطلاقات النارية والقذائف تهدهدُ حلمي.. وكم صحوت جافلة ً صارخة على صوت إنفجارٍ مدوٍّ وأنا أحضن اُمي خوفاً.. أو أحتضن بعد سنين طفلي ملءَ رعبي لعل جسدي يكون قربانََ عمره دون ذلك الضيف الثقيل الذي عرّش فوق صدر أيامنا وأبى عنا الرحيل!.. لسنواتٍ طوال.. صار الموت صديقي رغم أنفي!.. إلتقيته مراراً.. صرت أشمّ رائحته عن بعد واُحسّ دبيبَ قدميه قبيل وصوله.. فاُغيّرُ وجهتي فجأة دون أن يحدس مَن معي كنه ما أفعل.. حتى يحين وصوله فيدركون..!

صرتُ أفهمهُ ويفهمني.. صرنا نتحاورُ ونتجادلُ ونتمازح.. ونعقد الإتفاقيات.. هدنة ً أحياناً.. ومزاحاً جاداً ثقيلاً في أحيانٍ اخرى.. ونشطَتْ بفضل صداقتهِ حاسّـتي السادسة بشكل لم أعد انا نفسي لاُصدّقه..

وإذ حلّ في روحي وقاسمني – عمراً – كل تفاصيل حياتي اليومية، لم أعد لاُصدّق أنه غادرني فعلاً ما أن غادرتُ حدود دائرته المُحكمة.. وإذ حللتُ في البلد الغريب، ورغم إحساسي الضمنيّ بالأمان، الا أنني مازلت برغم بُعد مسافة الوقت والمكان، مسكونة به.. ومازلتُ أحيا في بلدي روحاً وتفكيراً.. بلدي الذي مازال يقبع صاغراً تحت سطوة ذلك المارد الجبار..

ومازال يشعلُ قلقي ورعبي وهو يطلّ برأسه عليّ من كل شباكٍ حقيقيّ أو مفترض.. من الجريدة الى فضاءات التواصل الى فضائيات الحقائق والتزوير الى نشرات الأخبار الى مكالمات الأصدقاء.. أقرأ إسمه جلياً أو مخبوءاً بين سطور الرسائل الألكترونية والرسائل القصيرة وتهاني العيد.. وخلف تحية الصباح والمساء التي تدعو للسلام بدل الحرب.. فأشمّ رائحته حتى في الدعاء والاُمنيات.. وهي تضمرُ ضمناً دعاءً بالشـرّ عليه!

وبقيِتْ ثنائيات الحرب والسلام.. والحياة والموت.. والنصر والهزيمة.. تلازمني مثل ظلّي.. لا تحسبوا أنني تعلمت الجَلـَدَ على يديه.. أبداً.. صرت ربما أقوى من الخارج.. وأقدَر على مواجهة المحن.. لكن هشاشتي من الداخل ورهافة روحي ازدادتا وغدتا أكثر حدة مثل نصل سيف صقلته الكوارث.. صرت أسرع بكاءً ربما.. وصرت اُحصي كل خساراتي وأجمعها عند أصغر عثرة جديدة..

لكن أهم درس تعلّمتـُه على يديه هو الا أستسلم!.. والأهم هو إنني صرت أكثر إقبالاً على الحياة.. صرت اُقـدّرُ معناها وقيمتها.. فهمتها مثلما فهمت الموت.. وصرت اُحاول أن أهزمه بضحكتي وابتهاجي.. بقدرتي على الإبتسام من القلب لأصغر وأتفه الأشياء.. بقدرتي على الإنجاز والعطاء والحب وزرع البسمة في نفوس أحبتي.. وأيقنتُ أن حياتنا أقصر من أن تضيع في الإستسلام للألم أو انتظار الموت او التفرج عليه..

هو أقوى مني.. أكيد.. لكنه لا يملكُ أن يأخذ مني قدرتي على حب الحياة..

21