إضراب الأسرى الفلسطينيين.. صرخة أخيرة لإعادة توجيه البوصلة الوطنية

يواصل الأسرى الفلسطينيون في السجون الإسرائيلية إضرابهم المفتوح عن الطعام لليوم السادس على التوالي. ويحمل الإضراب شعار "الحرية والكرامة" لاستعادة حقوقهم المسلوبة، لكن تداعيات انقسام البيت الفلسطيني ألقت بضلالها سلبا على مسار الإضراب. ووظفت إسرائيل إعلاميا انقسام الفصائل الفلسطينية في حملة تحريضية تسعى لإحباطه. ورغم أن الاحتلال الإسرائيلي نجح في العقد الأخير في تفتيت الحركة الأسيرة وشرذمتها، إلا أن إضراب 17 من أبريل ينبئ باستعادة الحركة الأسيرة مكانتها وإعادة إحياء دورها التاريخي في توجيه المسار الوطني الفلسطيني.
الاثنين 2017/04/24
صامدون ضد الاحتلال

لم يحظ إضراب مفتوح عن الطعام للأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية بالتركيز السياسي والعاطفي بمثل ما يحظى به إضراب السابع عشر من أبريل هذا العام. فالجهة الداعية لم تكن سلطة أو تنظيما، بل كان القائد مروان البرغوثي عضو اللجنة المركزية لحركة فتح التي لم تتمكن حركته، التي تقود السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، من تكريمه بمهمة رمزية في تراتبية القيادة بعد المؤتمر السابع للحركة.

وتأتي هذه الدعوة على وقع استمرار الانقسام الداخلي بين حماس وفتح، وبين سلطتي رام الله وغزة، وتصاعد خطاب التشهير والاتهامات المتبادلة وحرق صور الرئيس محمود عباس في القطاع، وزيادة الشرخ الاجتماعي والسياسي بين جناحي الوطن، عقب ما عرف بمقصلة الرواتب التي طالت نحو 60 ألف موظف من ملاك السلطة الفلسطينية العسكري والمدني، الذين طلب منهم الامتناع عن ممارسة أعمالهم بعد استيلاء حركة حماس على مقاليد السلطة في قطاع غزة في العام 2007.

تداعيات الانقسام الفلسطيني

وصلت تداعيات الانقسام والتآكل في معنى الوطنية الفلسطينية بتهديد الرئيس عباس في المنامة باتخاذ إجراءات غير مسبوقة بحق حركة حماس، لم تحدد تفاصيلها بعد، لكن أكثر التكهنات تشاؤما تقول باحتمال “إعلان قطاع غزة إقليما متمردا والحركة التي تديره إرهابية، وملاحقتها قانونيا”، بالإضافة إلى قطع الموازنات عن الإدارات الخدمية المختلفة.

وبحسب وزير الشؤون المدنية في السلطة الفلسطينية حسين الشيخ الذي رد على القيادي الحمساوي خليل الحية حول تحويل الضرائب التي تجنيها حركته للخزينة العامة أن “الحية يريد انقلاب ديلوكس” تموله السلطة الفلسطينية.

ولم تقتصر حالة التردي والانهيار الوطني على الانقسام بين الضفة وغزة، بل وصل إلى حركة فتح التي قادت الثورة الفلسطينية المعاصرة منذ انطلاقتها في العام 1965، وتوصف بأنها الحركة الوحيدة التي تشبه شعبها بتناقضاته وإختلافاته وتعدديته الفكرية والسياسية. فالصراع يحتدم بين خصمين لدودين هما محمود عباس الذي عزز سلطته بعد مؤتمر فتح الأخير وتيار القيادي الفتحاوي محمد دحلان الذي أقصي من اللجنة المركزية، وهو الخلاف الذي انعكس استقطابا حادا لم يقتصر على قطاع غزة وإنما امتد إلى كل التجمعات الفلسطينية في الداخل والخارج.

وانسحبت حالة الترهل والانقسام وتآكل ثقافة الوطنية الفلسطينية الجامعة على السجون والمعتقلات الإسرائيلية، التي ظلت على مدار العقود الخمسة الماضية مدرسة لإعداد القادة وتربيتهم، وهم الذين شكلوا على الدوام المعين الذي تنهل منه عموم الحركة الوطنية قياداتها الأولى ورافعة واستنهاضا لشعلة الكفاح جيلا بعد جيل.

فقد نجح الاحتلال في العقد الأخير في تفتيت الحركة الأسيرة وشرذمتها، وتقسيم الأسرى بحسب انتماءاتهم التنظيمية، وغابت تقاليد عريقة عنوانها “الجلسات التنظيمية والتثقيفية ولجان الإصلاح والتوجيه”.

الاحتلال نجح في العقد الأخير في تفتيت الحركة الأسيرة وشرذمتها وتقسيم الأسرى بحسب انتماءاتهم التنظيمية

واختفت في السنوات الأخيرة القيادة الموحدة للأسرى التي تفاوض عنهم وتدافع عن حقوقهم، وطفت على السطح ظواهرغريبة مثل الإضراب الفردي عن الطعام لتحقيق مطالب خاصة، شجعها المحتل وسلط عليها الأضواء الإعلامية واستجاب لبعض هذه المطالب، كسرا لفكرة الإضراب الموحد والحقوق الجماعية والوطنية.

وطورت دولة الاحتلال آليات جديدة لتعزيز الفردية والتمايز والانقسام بإنشاء ما يعرف بـ”الكانتينا” يتجاوز فكرة المتجر الذي يؤمن الاحتياجات الأساسية للأسير بأنه بات بمثابة البنك الذي تودع فيه السلطة الفلسطينية وأهالي الأسرى الأموال لحساب أبنائهم وبناتهم.

وتصل دورة تجارة “الكانتينا” السنوية في 23 معتقلا ومركز توقيف بحسب المصادر الإسرائيلية الى نحو 30 مليون دولار، تدفع المالية الفلسطينية تلثها تقريبا. وتؤمن هذه المتاجر الخاصة التي تديرها شركة حكومية “نحشون” كل الضروريات من ملابس وأطعمة متنوعة ومنظفات بأسعار خيالية، في ذات الوقت الذي منعت فيه إدارة السجون الأهالي من حمل احتياجات أبنائهم أثناء الزيارات الدورية.

وانعكست هذه الآلية على نشوء تمايز بين الأسرى ممن لايمكنهم توفير ما يصل إلى نحو 500 دولار شهريا، في ضوء تردي مستوى الخدمات الضرورية للإنسان في السجون، ويردد الفلسطينيون من باب السخرية السوداء “إننا ندفع ثمن أسرنا واعتقالنا من جيوبنا”.

وتجد الحالة الوطنية العامة والتمايز والانقسام في السجون تعبيرها الأبرز في المشاركة في الإضراب المفتوح، فلم تكن حركة حماس هي الوحيدة التي امتنعت عن الالتحاق بالإضراب بل وتبنت ذات الموقف الجبهة الشعبية وبعض أسرى حركة فتح، فيما أعلنت الجبهة الديمقراطية والجهاد الإسلامي التزامهما بدعوة مروان البرغوثي.

حملة تحريض إسرائيلية

لم تشهد إسرائيل استنفارا سياسيا وإعلاميا كالذي يجري مع هذا الإضراب، فمن وزير يدعو إلى قتل الأسرى إلى آخر يدعو إلى الإقتداء برئيسة الحكومة البريطانية السابقة مارغريت تاتشر في تعاملها مع الإضراب الشهير لمناضلي الجيش الجمهوري الإيرلندي حين رفضت التفاوض معهم، ما أدى إلى وفاة عشرة منهم كان أبرزهم المناضل الشهير بوبي ساندز.

وشن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو حملة قوية على صحيفة نيويورك تايمز الأميركية لنشرها مقالا لمروان البرغوثي ووصفه بالقاتل وليس زعيما سياسيا، كما أمرت الحكومة بعزل قادة الإضراب الكبار (البرغوثي وكريم يونس وأنس جرادات ومحمود أبوسرور) وتفريقهم على سجون مختلفة، وأعدت مستشفيات ميدانية بالقرب من السجون حتى لا تضطر لنقل المضربين عن الطعام إلى المستشفيات العامة.

لكن الأخطر في حملة التحريض الإسرائيلية بكل مستوياتها الإعلامية والحكومية أنها تستهدف شخص مروان البرغوثي، وصولا إلى التحريض عليه داخل فتح، بالتركيز على أن البرغوثي يعلن الإضراب منفردا من أجل مصالح خاصة تتعلق بالصراع الداخلي على خلافة عباس، وأن ذلك يتم بالتنسيق مع القيادي الفلسطيني محمد دحلان، كما تنطوي الرسالة الإعلامية الإسرائيلية المكثفة بالعزف على وتر انقسام موقف الأسرى من الإضراب بمشاركة لا تزيد عن 20 بالمئة وتخلف حماس والشعبية عن الانخراط الفعلي.

وتقدر هيئة الأسرى الحكومية بلسان رئيسها عيسى قراقع أن الاتصالات جارية مع قيادة حركة حماس من أجل الإنضمام إلى الإضراب، ويتوقع انضمام ألفي أسير من الحركة في غضون أيام، ويصل مجموع الأسرى الفلسطينيين إلى 6750 معتقلا، بدأ 1300 منهم الإضراب في يوم الأسير الفلسطيني .

مؤشرات التفاعل مع الإضراب المفتوح للأسرى في المناطق الفلسطينية المحتلة تقتصر على النشطاء وأهالي الأسرى ورفاقهم، لكن نادي الأسير الفلسطيني ورئيسه قدورة فارس يقدر أن “التفاعل يتطور تدريجيا، ومع استمرار الإضراب فإن قضية الأسرى التي تحتل مكانا عميقا في الوجدان الفلسطييني ستفضي إلى المزيد من المشاركة الشعبية”، مذكرا أن “الحالة الوطنية العامة تتميز باللامبالاة والسلبية تجاه القضايا الكبرى، بعد سلسلة من الخيبات السياسية واستمرار حالة الانقسام” وهو يراهن على فكرة أن “ما من عائلة إلا وتخرج منها أسير عايش تجربة الإعتقال وهذا رصيد وطني كبير”، حسب تعبيره . وتشير بيانات نادي الأسير إلى “أن مليون فلسطيني دخلوا السجون والمعتقلات الإسرائيلية منذ العام 1967 وحتى اليوم”.

ويستهدف إضراب الأسرى المفتوح، كما يعلن النشطاء، استعادة دور ومكانة الحركة الأسيرة أولا وتصويب أوضاعها بعد الخلل الكبير الذي خلفته اتفاقات أوسلو، واستعادة التنسيق ولجان القيادة الموحدة في السجون، وكذلك استعادة جملة من الإنجازات التي راكمتها الحركة الأسيرة بما يحفظ كرامتهم الآدمية كأسرى حرب.

لكن الأهداف التي لم يخفها مروان البرغوثي في نداءاته أو في مقالته في الصحيفة الأميركية قبل أيام أن هذا الإضراب يأتي كصرخة أخيرة من أجل إعادة توجيه البوصلة الوطنية نحو الإحتلال، بدل الاحتراب والانقسام في البيت الفلسطيني، وكذلك إعادة التأكيد على الدور التاريخي للحركة الأسيرة في توجيه المسار الوطني بعد سنوات من الترهل والفساد الأخلاقي والسياسي الذي أصاب الكل الوطني، فيما يستكمل الاحتلال مشروع التهويد ومصادرة الأرض وتقويض كل مقومات الدولة والاستقلال. وكما يقول وليد البايض القيادي في نادي الأسير من خيمة الاعتصام التضامنية في رام الله “الإضراب هو رسالة سياسية وثقافية وتربوية تعيد الاعتبار لفكرة المقاومة ولو بالأمعاء الخاوية”.

كاتب فلسطيني

7