إضراب تونس والدائرة المفرغة

نذر الأزمة تتسع في بلد لم يعد قادرا على تحمل المزيد من الضغوط، بينما لا يبدو أن هناك من يستطيع اجتراح حل سواء من النقابات أو الحكومة أو الرئاسة أو المعارضة.
الخميس 2019/01/17
اتحاد الشغل يعد بتصعيد الأزمة

تعيش تونس اليوم على وقع إضراب عام في الوظيفة العمومية والقطاع العام بعد الفشل في التوصل إلى توافق بين الاتحاد العام التونسي للشغل، المنظمة النقابية الأكبر والأعرق محليا وأفريقيا وعربيا، وبين حكومة يوسف الشاهد حول رفع الأجور في خضم الأزمة الاقتصادية والمالية التي تعرفها البلاد، وفي ظل إملاءات صندوق النقد الدولي والبنك العالمي.

والواقع أن تونس اليوم دخلت في دائرة مفرغة، فانهيار العملة المحلية أمام العملات الرئيسية الدولية، أدى إلى ارتفاع مشط في الأسعار، وإلى اتساع دائرة التضخم، وبالتالي إلى انهيار المقدرة الشرائية لعموم التونسيين. وإذا كانت الطبقات الفقيرة وغير المرتبطة بالخدمة المدنية محرومة من القدرة على التعبير عن وضعها الكارثي، فإن الموظفين الحكوميين يجدون في الاتحاد العام التونسي للشغل القوة التي تدافع عنهم. مثلهم مثل موظفي القطاع الخاص، وصولا إلى المتقاعدين الذين أضافت المنظمة النقابية ظروفهم المؤلمة إلى سلة مطالبها من الحكومة.

وإذا كانت الحكومة تعتمد على المنظمات المالية الدولية لتمويل إصلاحاتها والحصول على قروض بفوائد معقولة، فإن عليها أن تخضع لاشتراطاتها ومنها عدم الزيادة في الأجور والتخفيض من عدد الموظفين الحكوميين الذين يحصلون على أكبر كتلة أجور في العالم مقارنة بالناتج الوطني الخام، وبالمقابل تسجل المقدرة الشرائية تراجعا كبيرا مع تراجع قيمة الدولار، وارتفاع أسعار المواد الأساسية نتيجة ارتفاع تكاليفها بسبب الاعتماد في جانب كبير من المنتجات المحلية بما في ذلك الحليب ومشتقاته والبيض والأعلاف والملابس والأسمدة وغيرها على الخامات المستوردة من الخارج، هذا دون النظر إلى الارتفاع الآلي للمواد المستوردة كليا مثل الأدوية وحليب الأطفال وقطع الغيار والأجهزة الإلكترونية.

المشكلة الأكبر أن الحكومة غير قادرة على الحد من انهيار العملة المحلية، وبالتالي تقف عاجزة أمام الارتفاع المشط للأسعار، بينما يتعرض عموم التونسيين إلى حالة تفقير غير مسبوق، وإلى ظروف معيشية صعبة، الأمر الذي دفع بالنقابات إلى الدفاع عن منظوريها، وبالمعارضة إلى التشكيك في قدرة الحكومة الحالية على الخروج من الأزمة، في ظل صراع معلن بين قصري قرطاج حيث رئاسة الدولة، والقصبة حيث رئاسة الحكومة، وحيث مكتب يوسف الشاهد الذي يستعد للإعلان عن تأسيس حزبه الجديد، بعد “تمرّده” بدعم من حركة النهضة على حزبه الذي جاء منه للحكم، نداء تونس،  وعلى الرئيس الباجي قائد السبسي الذي كان وراء اختياره للمنصب إثر الإطاحة بحكومة الحبيب الصيد في صيف 2016.

وفي الوقت الذي انطلقت فيه حملة انتخابات 2019 الرئاسية والبرلمانية قبل الأوان، رغم أنها ستنتظم بعد 9 أشهر، يبدو أن الأزمة الاقتصادية والمالية، ومن ورائها الأزمة الاجتماعية، ستزيد من حدة الأزمة السياسية، خصوصا في ظل إصرار الرئيس قائد السبسي على إسقاط حكومة الشاهد، واشتراطه ذلك وسيلة وحيدة لإعادة حبل الود المقطوع مع حركة النهضة التي أضحت بدورها تواجه ضغوطا داخلية وخارجية بعد الكشف عن ملف جهازها السري الذي تتهمه قوى المعارضة اليسارية بالتورط في اغتيال شكري بلعيد ومحمد البراهمي عام 2013، وبالتآمر على أمن البلاد الداخلي والخارجي، والتعامل في ذلك مع أطراف خارجية مثل المخابرات الإيطالية وجماعة الإخوان في مصر وشبكات تسفير المقاتلين التونسيين إلى بؤر التوتر في سوريا وليبيا.

ومع الإضراب العام، وما سيليه من تصعيد وعد به اتحاد الشغل، تتسع نذر الأزمة على جميع الأصعدة في بلد لم يعد قادرا على تحمل المزيد من الضغوط، بينما لا يبدو أن هناك من يستطيع اجتراح حل سواء من النقابات أو الحكومة أو الرئاسة أو المعارضة أو حتى البرلمان. فميزانية الدولة تواجه عجزا كبيرا، وقطار التنمية متوقف منذ 2011، والإنتاج المحلي في حالة اضمحلال، والتداين الخارجي لم يعد يسيرا كما كان من قبل، والنشاط الموازي يسيطر على أكثر من نصف اقتصاد البلاد، والعلاقات مع الأشقاء والأصدقاء تشكو تأرجحا غامضا، والخدمات تشهد انهيارا، والأسعار من نار، وحتى التعليم يواجه أزمة استثنائية في ظل استمرار احتجاجات أساتذة التعليم الثانوي وحجب الامتحانات وأزمة المعلمين الوقتيين في المدارس الابتدائية، ما جعل نسبة مهمة من التلاميذ لم تدخل فصول الدراسة منذ بداية الموسم الحالي.

كما أن النخبة السياسية أكدت فشلها وخيبتها وعجزها عن إدارة الشأن العام سواء من داخل الحكم أو من خارجه، ولم تظهر إلا صراعا على السلطة، ما يثير حالة من الاستغراب من استسهال العمل السياسي والرغبة في الحكم من قبل من تبيّن فشلهم، وكأن البلاد أضحت سداحا مداحا كما يقال، ويتأكد ذلك بالخصوص من خلال موقع حزب حركة النهضة الذي حكم البلاد في ظل الترويكا وشارك في كل الحكومات التي جاءت بعدها، ويحظى حاليا بصدارة المشهد البرلماني، ولا يكف قادته عن إطلاق الوعود ولكن دون نتيجة على أرض الواقع، بل بالعكس كل النتائج تثبت أن البلاد دخلت في نفق مظلم للإسلاميين دور كبير في التدحرج إليه، حتى أصبح أمل الشعب والحكومة والمعارضة العودة إلى ما كانت عليه تونس في العام 2010، وهو ما يبدو بعيد المنال.

الإضراب العام الذي أقره الاتحاد العام التونسي للشغل، ليس سوى تعبير يعيد إلى الأذهان ما عرفته البلاد خلال النصف الثاني من سبعينات القرن الماضي وما تلاه وصولا إلى نوفمبر 1987 تاريخ الإطاحة بنظام الحبيب بورقيبة، وهو ما جعل الرئيس قائد السبسي يحذّر من العودة إلى سيناريو أحداث يناير 1978 التي شهدت سقوط المئات من القتلى والجرحى وأعلنت النهاية الفعلية لنظام بورقيبة، بسبب المواجهة بين السلطات القائمة آنذاك واتحاد الشغل، الذي يبدو أن مصيره مرتبط بمصير تونس، فالأنظمة تنهار والحكومات تسقط ووحده من يبقى قويا صلبا في مواجهة التحديات.

8