إضعاف الدولة في تونس.. الطريق إلى هيمنة الفساد

الدولة تم استضعافها وتجريدها من أسلحة القوة التي تمتلكها، ثم دفعها إلى الارتهان إلى الصناديق المالية الدولية، وتنويع دائرة الدائنين لتشمل دولا لا تخفي مطامعها في التحكم بالقرار التونسي.
السبت 2020/08/08
تونس بحاجة إلى مؤتمر إنقاذ

بات المسؤولون في تونس يقرّون بالعجز الكامل عن مواجهة الظواهر السلبية مثل الهجرة السرية أو الحرائق التي تمتد على آلاف الهكتارات في مختلف جبال البلاد وحقول القمح. لكن الذي يثير الاستغراب ليس التسليم بالأمر الواقع، ولكن البحث عن مبرر لهذا التسليم من خلال خلق أعداء وهميين باتهام “أطراف سياسية” في المطلق بالوقوف وراء ما يجري، مثل حديث الرئيس قيس سعيّد الأخير عن الهجرة السرية والحرائق واعتبارهما عملا منظما يستهدف صورة الدولة، وخاصة صورته كرئيس فاز بنسبة عالية في انتخابات أكتوبر الماضي.

منذ ثورة 2011، استفادت لوبيات الفساد من تراجع قبضة الدولة أمنيا، وخاصة من نظام برلماني معقد يحصر دور الأحزاب في المعارك السياسية، لتتصرف تلك اللوبيات بحرية تامة في لعب الأدوار التي كانت تتولاها الدولة، ولذلك نشطت التجارة الموازية والتهريب والحرائق. وفي الوقت الذي تغرق فيه الدولة في الديون بسبب عجزها عن تحصيل الضرائب وفرض القانون، باتت طبقة جديدة من رجال المال والأعمال الطارئين تصعد بسرعة لتتحدى الدولة وتجذب إليها عناصر فاعلة كانت تلعب دور الشرطي في محيط الدولة، مثل رجال أمن وإعلاميين ومحامين وقضاة، وباتوا الآن يتولون بشكل أو بآخر التغطية على تمدد الطبقة الجديدة ورعاية نفوذها الذي خرج من دائرة الشك إلى قوة منافسة تمتلك مشروعية في مزاحمة الدولة وافتكاك أدوارها.

ليست المشكلة، فقط، في النظام السياسي الطارئ الذي يقوم على خلق برلمان بلا أنياب ويعطيه صلاحيات قوية في مراقبة الحكومة وتهميش رئيس الجمهورية، بشكل يجعل من الصعب على أي جهة أن تمسك بالحكم وتفرض قرارها وتتحمل لاحقا مسؤولية نجاحها أو فشلها، ولكن في طبقة سياسية وافدة كانت خارج السلطة وعلاقتها بالدولة ضعيفة، وبالتالي قادت إلى تخريب مقومات الدولة خاصة قبضتها في ما يمكن وصفه مؤسسات القوة، أي الأمن والقضاء والإعلام.

أغلب الأحزاب الوافدة للسلطة لا تؤمن بالدولة، حتى وإن حرصت على إظهار العكس، فالتيارات الثلاثة الكبرى (الإسلاميون، واليسار، والقوميون) والمجموعات المتفرعة عنها تحمل فكرا مثاليا يؤسس لما بعد الدولة القُطْرية، ويدافع عن دولة أممية إسلامية أو يسارية أو قومية. ولذلك تعاطت هذه الأحزاب منذ 2011 مع المؤسسات بعقلية الغنيمة فسعت للسيطرة عليها واختراقها وتحويلها إلى منصة تجسس ومراقبة، بدل ترميم ما خسرته الدولة واستعادة نقاط قوتها.

وكان أول أهداف هذه الأحزاب، حاكمة أو معارضة، هو إغراق الدولة بالانتدابات، في تنفيذ لأفكارها الطوباوية التي تعتقد أن مهمة الدولة هي توظيف الناس وتمتيعهم بخدمات اجتماعية وصحية ودراسية راقية، لكن كيف تحقق الدولة ذلك، فذلك ليس مهما.

وتستطيع أن تكتشف تفاصيل هذه النظرة الانتهازية تجاه الدولة خلال الحملات الانتخابية، إذ يلتقي الجميع عند نقطة وحيدة، وهي إطلاق الوعود بتولي الدولة مهمة القضاء على البطالة وزيادة الرواتب والعلاوات، وخاصة إظهار التحالف مع اتحاد الشغل، الذي عمل منذ 2011 على فرض نفسه كأكبر قوة في البلاد بالتحكم في مصير الحكومات وتبني الإضرابات والاحتجاجات والاعتصامات التي نجحت في إغلاق المئات من المؤسسات والشركات والمعامل.

وفضلا عن اختراق الدولة وتحويلها إلى ورقة تفاوض وتثبيت النفوذ والتحالفات، فقد عملت الأحزاب ولوبيات التهريب والثراء الطارئ على مهاجمة المؤسسة القضائية بشكل مركز وإجبارها على تقديم تنازلات بشكل علني ودفعها إلى الالتفاف على أحكام أصدرتها تحت وقع الضغط الإعلامي، وخاصة من بوابة التشويه والابتزاز على مواقع التواصل الاجتماعي. لكن الأخطر محاولة رهنها سياسيا وتحويلها إلى رأس حربة في تصفية الحسابات لفائدة هذا اللوبي أو ذاك.

لقد تم استضعاف الدولة وتجريدها من أسلحة القوة التي تمتلكها، ثم دفعها إلى الارتهان إلى الصناديق المالية الدولية، وتنويع دائرة الدائنين لتشمل دولا لا تخفي مطامعها في التحكم بالقرار التونسي.

وبات من الصعب الخروج من الأزمة الاقتصادية والاجتماعية الحادة دون تحرير الدولة من نفوذ اللوبيات وأدواتها الظاهرة من أحزاب ونقابات، لكن الذي يجري هو المزيد من تعفين الوضع وشد الأنظار إلى الأزمة السياسية الخانقة والصراع بين مؤسسة الرئاسة ورئاسة البرلمان خاصة مع تدخل الأجندات الإقليمية في هذا الصراع.

وينتظر أن تستمر هذه الأزمة بأشكال جديدة وبدخول عناصر أخرى بينها شكل الحكومة التي قد يعلن عنها الرئيس المكلف هشام المشيشي خلال أيام، والتي ينتظر أن تتحول إلى أداة في الصراع بدل أن تكون عنصرا لإذابة الجليد. وهو وضع يتم تغذيته بشكل دائم من دوائر النفوذ المالي الطارئ التي تسيطر على التجارة الموازية وحركة التهريب الواسعة في البلاد، والتي باتت تبحث عن تشابكات خارجية لها لضمان استمرار هيمنتها لفترات أطول.

وأعتقد أن البلاد تحتاج إلى مبادرة وساطة من شخصيات وطنية قد تكون في شكل مؤتمر وطني للإنقاذ كالذي يقترحه محسن مرزوق رئيس حزب مشروع تونس، أو مبادرة أحمد نجيب الشابي، القيادي التاريخي للحزب الجمهوري. ويتم خلال هذه المبادرة تبريد الخلافات السياسية الحادة بين رئيس الجمهورية قيس سعيّد، ورئيس البرلمان راشد الغنوشي، لكن الأهم صياغة برنامج حكومي يعطي الأولوية للملفّين الاقتصادي والاجتماعي.

لكن الأهم إلزام الفرقاء السياسيين بمدونة سلوك ودفع البرلمان إلى انتخاب أعضاء المحكمة الدستورية ثم تعديل القانون الانتخابي بشكل يقطع مع حالة التشظي والتفتت وإنهاء ظاهرة النواب تحت الطلب الذين يفرزهم نظام أكبر البقايا.

لا حل أمام البلاد سوى تفكيك اللعبة التي حولت السياسيين إلى رأس حربة في مشاريع النفوذ المالي التخريبي الجديد، وهو ما أشار إليه محافظ البنك المركزي مروان العباسي، الخميس، حين قال إن البلاد تحتاج إلى الاستقرار السياسي من أجل استعادة النمو الاقتصادي.

وشدد العباسي في تصريحاته على ضرورة عودة المحركات الأساسية للاقتصاد من خلال التمويل والاستثمار والاستهلاك، وطمأنة المواطن على راتبه والمؤسسة على ديمومتها.

كما أن المرحلة القادمة تتطلب حكومة كفاءات مستقلة مهمتها الرئيسية وقف التدهور الاقتصادي، وإعادة التوازن لدور الدولة ووقف الانتدابات الشعبوية، فهل يقدر المشيشي على تشكيل حكومة تلعب دور الإطفائي وتدير ظهرها للأحزاب، ولو مؤقتا، أم ستصب الحكومة الجديدة الزيت على النار في ظل ما تراكمه الإشاعات من مناخ هادف إلى توسيع الهوة بين قيس سعيد وراشد الغنوشي وإدخال البلاد في أزمة سياسية قد تطول أو المرور إلى انتخابات مبكرة، وخسارة المزيد من الوقت حتى وإن أرضى غرور السياسيين؟

9