إطار لوزان والحقبة الإيرانية الجديدة

الأربعاء 2015/04/08

الضجة التي يثيرها متشددون إيرانيون بشأن اتفاق لوزان، لا تعدو عن كونها مجرد غبار سينجلي بعد حين، ليس الغرب وحده من يسعى إلى وضع حل للنووي الإيراني، فطهران تبحث عن نافذة للخروج من الأزمات التي تعيشها، وتزداد وطأتها منذ الانخفاض الحاد لأسعار النفط. وتخطط لأن تدخل مع توقيع الاتفاق النووي في يونيو القادم حقبة جديدة من العلاقات الدولية مع الغرب والشرق على حد سواء، تنهي عقدين من التناحر حول المكانة والدور واستعراض القوة بين مختلف الأطراف، وبوسائل عديدة يشكل امتلاك القدرة النووية، واحدة من هذه المعارك الأكثر تعقيدا في التفاوض الذي وصل إلى تفاهم تحرص الأطراف المعنية على توقيعه رغم الاعتراضات المختلفة.

إيران هي الطرف الرابح بكل المقاييس، بما في ذلك قبولها إيقاف تخصيب اليورانيوم مرغمة، رغم ادعائها بسلمية أغراض برنامجها النووي، وبموجب هذا الاتفاق تحصل على اعتراف دولي بشرعية حقها في برنامج نووي وفقا للاتفاقيات الدولية. والواقع فإن تصريحات اليمين المتشدد داخل السلطة الإيرانية، التي تتهم الفريق المفاوض بتسليم المقدرات النووية للغرب، لا يمكن الأخذ بها عقبة في طريق إقرار الاتفاق في مجلس الشورى، وقد لعب جناحي السلطة الإيرانية “الدينية والتنفيذية” أدوارا متكاملة بين الاعتدال كدولة متحضرة تسعى للتفاهم الدولي، والتشدد كقوة ذات مشروع إقليمي طموح ينبغي ألا تتراجع عن أساسيات القوة في مواجهة الآخر.

فالقول أن اتفاق لوزان بين إيران ومجموعة 5+1 وُلد ميتا هو بصورة ما خطاب “قم” الموّجه إلى الداخل، ولكنه أيضا رسالة للغرب بأن سلطات طهران المعتدلة سوف تمضي في خيارات التعاون معه رغم النظر إلى اتفاق لوزان بأنه “غير مطابق للسياسة العامة في إيران”. وعلى المجموعة الدولية دعمها برفع سريع للعقوبات، وأن الاتفاق سيبقى مهددا ما لم يتلمس الإيرانيون نتائج مباشرة. ثلاثة منجزات سوف تتحقق لإيران جرّاء اتفاقها النووي مع الغرب:

- تجميد الوضع الدولي والإقليمي بالنسبة للدور الإيراني وهذا يعني تجنب الغرب ممارسة أي ضغوطات فيما يتصل بالوضع في كل من سوريا والعراق رغم الدور الدموي الذي تقوم به في البلدين، لجهة تغذية قوى الإرهاب والصراعات الطائفية والسياسية. فيما تواصل “عاصفة الحزم” القيام بدور التقليم والمواجهة في اليمن، بدعم أميركي وأوروبي لإستراتيجية السعودية ودول الخليج، خاصة في منع الحوثيين من الاستيلاء على عدن وباب المندب. وهذا يعني رغبة الغرب في إنجاز اتفاق لوزان كأولوية على لجم التدخل الإيراني في المنطقة.

- رفع العقوبات يقود إلى تحقيق حالة محدودة من الاستقرار الداخلي، وانفراج في الحياة العامة التي تشهد احتقانا متواصلا في مناطق عدّة وفي مقدمتها الأحواز. وهذا ما يمكنها من امتصاص بعض أسباب التوتر في الشارع الإيراني (اقتصادية واجتماعية)، في الوقت الذي تمارس فيه استبدادا ورقابة شديدين ضد الحراك السياسي والمدني، وسوف يترك إلغاء القيود المالية والمصرفية، أثرا سريعا على النشاط الاقتصادي.

- إعادة الاندماج في المجتمع الدولي ما يسمح لطهران بنسج علاقات إقليمية ودولية تعيد تأهيل حضورها عبر التبادل التجاري.

يتوقع خلال الفترة القادمة تقاطر قادة دول كالصين وروسيا، بعد أردوغان إلى طهران، والهدف منه العلاقات التجارية الهائلة التي تربط هذه الأسواق فيما بينها، أما تركيا فإنها تلعب دورا مزدوجا متعارضا بين السياسة والاقتصاد، تبعا للمصالح الإقليمية التركية، والتي تعتبر من الدول المعارضة للسياسة الإيرانية، خاصة في ما يتعلق بسوريا والعراق، وفي الوقت عينه، تتعزز علاقاتهما الاقتصادية والأمنية.

ليس بالضرورة أن يلبّي اتفاق لوزان تطلعات أطرافه كاملة، لكنه سوف يكون مدخلا لتطبيع العلاقات الأميركية الإيرانية بعد القطيعة الطويلة، بما أثبتته مسارات التفاوض التي اتبعت على المسارين السياسي والتقني، التي تميزت بقدرة الطرفين على الاحتمال والمناورة. لكنه نجاحٌ للدبلوماسية الأميركية التي استطاعت خلال فترة أوباما الثانية أن تحلّ عقدتين صعبتين أشغلت دوائر القرار واستنفذت قدرات هائلة: كوبا وإيران.

واشنطن معنية بتسويق ما تعتبره نجاحا لدبلوماسية التفاوض، ومن هنا جاءت دعوة أوباما لقمة أميركية خليجية في كامب ديفيد، من شأنها تبديد المخاوف الخليجية من الاتفاق، سوف تستغله إيران للتغول في مواجهة مطالب دول الخليج، المتصلة بوقف التدخل في الشؤون الداخلية لبعض دوله: البحرين، الإمارات وقضية الجزر، إضافة للمسألة السورية والعراقية، أي الاستمرار في تقويض ما تبقى من استقرار المنطقة.

المسألة التي ينبغي الإشارة إليها، هي ما تحدث عنه أوباما بشأن الاطمئنان إلى تدابير مراقبة صارمة في تطبيق الاتفاق، من أنه لن يوقف سباق التسلح أو يحدّ من أطماع إيران بالهيمنة وقيادة المنطقة بالتحالف مع واشنطن، والجهود العلمية التي تبذل في البرنامج النووي لن يتم تقليصها أو إيقافها. وبالتالي فإن احتمال توقف طهران عن الاستمرار في الالتزام بالاتفاق ونقضه بعد سنوات، هو احتمال قائم، وتجربة الاتفاق الأميركي- الكوري الشمالي، بشأن برنامج بيونغ يانغ النووي ماثلة أمامنا.

طهران بدهاء الأفعى المخاتلة، تعمل على الاستفادة من التطورات الجارية في المنطقة، وعلى مسارات التفاوض وبناء شبكات تواصل سريعة، وهذا مكمن خطر كبير، ما لم يستطع القادة الخليجيون إقناع أوباما، بضرورة أن يكون لاتفاق لوزان أثرٌ في وقف خطر التمدد والتدخل الإيراني في المنطقة.

كاتب سوري

9