إطلاق النار يقتل الفرح في مناسبات العراقيين

تختلط لعلعة الرصاص بالزغاريد في أفراح العراقيين فينقلب الضحك إلى عويل، لما يخلفه إطلاق النار في هذه المناسبات من حوادث، ففي كل سنة يعدّ العراقيون ضحاياهم من قتلى وجرحى في كل فرح يجتمعون فيه، دون أن يتعلم المولعون بحمل السلاح الدرس، بل على العكس تشهد هذه الظاهرة التي يستهجنها المجتمع ارتفاعا ملحوظا، خاصة وأن الأطفال يقلدون الكبار في اللعب بالسلاح.
الخميس 2016/09/22
ذنب العرسان أنهم استدعوا الأهل والأقارب

بغداد - لا تخلو مناسبة في حياة العراقيين دون إطلاق النار، سواء كان احتفالا بحدث سعيد، أو حزنا على فقدان حبيب، ويصل الأمر إلى استخدام أسلحة متوسطة أيضا.

ظاهرة إطلاق النار من الأسلحة الخفيفة والمتوسطة في العراق، باتت تقليدا عشائريا وشعبيا لا يمكن الاستغناء عنه في جميع المناسبات (الأفراح والأحزان)، رغم تسببه في مقتل العشرات سنويا، ليتغلب رصاص العشيرة على قانون الدولة.

أحد أبرز التقاليد العشائرية التي أخذت بالانتشار، في وسط وجنوبي العراق، هي ظاهرة “العراضة” المقترنة بإطلاق العيارات النارية، وتعدّ العراضة أحد ألوان الشعر الشعبي، حيث تمارس من قبل العشائر تعبيرا عن تضامنها في ما بينها، بزيارة وفد عشائري لقبيلة أخرى تعيش مناسبة حزينة أو سعيدة.

اللافت للنظر أن المسؤولين في الدولة العراقية هم أيضا لم يتجردوا من “التقاليد القبلية”، التي تتقاطع مع قانون الدولة الذي شرعوه.

لقد شهدت محافظة النجف (جنوب)، الأسبوع الماضي، إطلاق نار كثيف استمر لساعات حزنا على وفاة والد أحد أعضاء مجلس المحافظة، لتأتي الواقعة كدليل على تجذر التقاليد والأعراف القبلية لدى الطبقة السياسية، فضلا عن العشيرة.

ورغم أن حادثة النجف، الأسبوع الماضي، خلفت نحو 20 جريحا بينهم أطفال، بحسب شرطة المحافظة، ولاقت استياء شعبيا، وعرضت حركة الطيران المدني للخطر، لقرب موقع إطلاق النار من مطار النجف الدولي، لكن لم يتم توقيف أيّ شخص، ولم تصادر أيّ قطعة سلاح، واكتفت قيادة شرطة المحافظة بمطالبة رجال الدين بالتدخل لمنع الظاهرة.

أفراح العراقيين هي الأخرى اقترنت بإطلاق الأعيرة النارية، كمناسبات الزواج، العودة من الحج، الحصول على شهادة جامعية عليا، فوز المنتخب الوطني لكرة القدم، والحصول على رتبة عسكرية، وفي بعض الأحيان يقترن إطلاق النار باستقبال مولود جديد.

"العراضة" تقليد عشائري آخذ بالإنتشار

يقول الباحثون الاجتماعيون إن هذه الظاهرة عشائرية بامتياز لأن سلطة الدولة تكون ضعيفة في المجالات العشائرية بعكس المدن، لهذا يكون السلاح أداة للحماية الشخصية ولمآرب أخرى منها استخدامه في الأفراح وعند التأبين كوسيلة للإعلان بين القرى بحدوث شيء ما في القرية. وانتقلت هذه العادة مع المهاجرين من الريف إلى المدينة فشاعت وسيلة إطلاق النار فيها، لأن الوافدين من الريف لم يتخلوا عن عاداتهم فجعلوا من المدن قرى كبيرة.

يقول المدرس العراقي إياد (36 سنة) “بتنا لا نعرف أسباب الطلق الناري المتواصل هل هو نتاج معركة أم مناسبة فرح؟ لكنني متأكد من أنه نتيجة إخلال واضح في الحالة الأمنية التي أتعبت كاهل المواطن العادي، فهذا التقليد العشائري يجب أن يلغى من العراق، فهناك طرق للتعبير عن الفرح أفضل من الرصاص الذي قد يقلب الفرح إلى مأتم”.

ويؤكد إياد أن الذي يزيد من خطر انتشار هذه الظاهرة هو ظهور المفرقعات القوية التي تستورد من الصين كلعب للأطفال، وصوت هذه المفرقعات يشبه صوت الرصاص، وقد اعتاد الأطفال على إطلاقها حتى دون مناسبة، إن إطلاق النار في الجو يجعل الأطفال هواة حقيقيين للأسلحة وهذا ما يحدث فعلا.

ويظهر ولع الاطفال بحمل السلاح كالكبار في حضورهم باعجاب لعمليات إطلاق النار في المناسبات يقلدون بلعبهم ما يفعله آباؤهم واقاربهم باسلحتهم النارية، ولكنهم عادة ما يكون هؤلاء الأطفال ضحايا اللعب بالرصاص.

حكايات أليمة

الحوادث الأليمة لا تنتهي في مناسبات العراقيين إذ تقلب أفراحهم إلى مآتم وتزيد من عزاءاتهم حزنا، فإذا كان هناك عرس أو حفل ختان أو حتى مباراة كرة قدم تختنق ساحة الفرح بدخان الرصاص وكأنها جبهة عسكرية، غالبا ما تنتهي بإصابات وسقوط ضحايا.

تناقلت السنة الماضية صفحات التواصل الاجتماعي صورة فاجعة لشاب يحمل طفله الذي مات بفعل إطلاق ناري لمحتفلين بفوز المنتخب العراقي في كرة القدم على نظيره الإيراني في نصف نهائيات كأس آسيا 2015 التي أقيمت في أستراليا، واستنكرت هذه الصفحات التصرفات غير المسؤولة للعراقيين الذين يتسببون في القضاء على أبرياء حتى في مواكب أفراحهم.

وجاء في التعليق على الصورة “رياض الباشا شاب عراقي من منطقة البلديات في بغداد، عانى مع زوجته من مشكلة الإنجاب، حتى رزقهما الله بطفل بعد صبر طويل، وببساطة رصاصة طائشة بسبب احتفالات الفرح… مات الطفل! فهل يصحو ضمير المتخلفين ويتوقفون عن إطلاق العيارات النارية للتعبير عن الفرح؟ ها هم حوّلوا فرحنا إلى جريمة بشعة… إلى حزن… لماذا؟ ما ذنب الأم والأب؟ من أجل فرحة نقتل طفلا… شكرا للتخلف!”.

المسؤولون في الدولة العراقية لم يتجردوا من "التقاليد القبلية" بإطلاق الرصاص، وهي تقاليد تتقاطع مع قانون الدولة الذي شرعوه

وتتكرر ظاهرة إطلاق النار العشوائي بعد فوز المنتخب العراقي في كل مباراة ما تتسبب في إصابات بشرية البعض منها مميتة على الرغم من تكرار المناشدات بالكف عن هذه الظاهرة.

وتسبب فوز المنتخب العراقي على نظيره الإيراني السنة الماضية في جرح العشرات من المواطنين الآمنين ومقتل آخرين لا ذنب لهم، سوى أن البعض من المشجعين المبالغين في فرحهم أطلقوا الرصاص عشوائيا فزرعوا الحزن في صفوف العديد من العائلات. وقالت مصادر طبية إنه أجريت في يوم المباراة عملية قيصرية لامرأة حامل أصيبت بطلق ناري في البطن، واخترقت الرصاصة رحم الأم لتصيب الجنين في أسفل عموده الفقري.

ويقول الناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي إنه لا فرق بين الذين يطلقون العيارات النارية الطائشة ويصيبون الأبرياء وبين الدواعش الذين يقتلون الأبرياء ويثيرون الرعب بين السكان.

وفي عيد الفطر لقيت طفلة عمرها أربع سنوات مصرعها من جراء إصابتها برصاصة طائشة في رأسها خلال إطلاق نار عشوائي في الهواء ابتهاجا بحلول عيد الفطر في محافظة البصرة. وكانت الطفلة مع أفراد أسرتها حين أصابتها الرصاصة حيث كانوا في طريقهم لزيارة أقاربهم.

ويعتقد مطلقو الرصاص في الهواء أن قيامهم بهذه الأعمال يُدخل البهجة والسرور إلى نفوسهم في الأفراح، حيث اعتادوا على القيام بها ويعتبرونها تراثا من تراثهم الشعبي، وقال أحد مطلقي النار، إنه يجد سعادة في إطلاق الرصاص خلال الأفراح، مؤكدا أنه واثق من قدراته على إطلاق النار دون أن يتسبب في إصابة أي أحد، وأنه يصوب سلاحه باتجاه السماء والمناطق المكشوفة، بمعنى أنه يأخذ احتياطاته الجيدة قبل إطلاق النار لكن لا يعلم أن الخطأ صفة إنسانية يشترك فيها كل الناس.

الناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي يعتبرون أن انتشار استخدام الأسلحة في المناسبات بات ظاهرة مقلقة وسلبية جدا، مؤكدين أن اللجوء إلى هذه الفعلة يتم في العديد من الحالات بدافع التباهي والتفاخر، وحب الظهور بحمل السلاح.

العشيرة سيدة الحكومة

انتشار السلاح بشكل عشوائي، وضعف الأجهزة الأمنية في بعض المحافظات، من أبرز الأسباب وراء اتساع الظاهرة، بحسب موفق الربيعي عضو لجنة الأمن والدفاع في البرلمان العراقي.

وقال الربيعي، إن “هناك انتشارا للسلاح، الخفيف والمتوسط، لدى العشائر، والعشيرة أصبحت قوية، مقابل ضعف الحكومة الاتحادية، إزاء ظاهرة السلاح وإطلاق الأعيرة النارية”، مشيرا إلى أن “توجه الحكومة الحالي ينصب على تحرير الموصل (شمال)، ولا يمكن فتح جبهة أخرى مع العشائر”.

أما اللجان الحكومية والبرلمانية التي أوكل لها، على مدى السنوات الماضية، مهمة التصدي لظاهرة إطلاق الأعيرة النارية، فقد استطاعت أن توقع على مواثيق مع زعماء القبائل بمنع أفراد قبائلهم من إطلاق النار، لكن تلك التوقيعات لم تحدّ من الظاهرة بحسب محمد الصيهود عضو لجنة العشائر في البرلمان العراقي.

فرحة قد تتحول إلى أسى

قال الصيهود إن “ظاهرة إطلاق النار سيئة جدا، وتسببت في قتل وجرح العشرات، لقد اتفقنا مع العشائر على أن مطلق النار تتبرأ العشيرة منه، لكن هذا الإجراء لا يحدّ من الظاهرة، إن سحب الأسلحة الثقيلة والمتوسطة هو الخيار الأسلم للحد من الظاهرة”.

لا توجد أرقام رسمية حول حصيلة ضحايا إطلاق النار في المناسبات العراقية، غير أنه بات سقوط القتلى والمصابين في مثل تلك المناسبات أمرا عاديا ومتوقعا.

وأوضح الصيهود “لا بد من تشكيل قوة أمنية اتحادية، تتولى مهمة سحب الأسلحة من العشائر، هناك أسلحة تمتلكها العشائر تفوق أسلحة البعض من وحدات الجيش والشرطة”.

وعلى مدى الأشهر الماضية، أصدرت بعض المحافظات الجنوبية، قرارات وتوصيات، تتضمن عقوبات مالية وقانونية ضد مطلقي النار، لكن تنفيذها يصطدم بـ”التأثيرات السياسية العشائرية”.

يقول محمد شويع، عضو مجلس محافظة ميسان (جنوب)، إن “قرارا سابقا صدر من مجلس المحافظة تضمن فرض غرامة مالية قدرها 5 ملايين دينار عراقي (نحو 4.2 ألف دولار) على كل من يطلق النار، إلى جانب عقوبات بالحبس لعدة أشهر”.

وأضاف شويع أن “تطبيق القرارات من قبل الأجهزة الأمنية يصطدم بتدخل المسؤولين في المحافظة والعشائر لتسوية أيّ حادثة في هذا الإطار”.

وتابع المسؤول المحلي “المحافظة قدمت طلبا للحكومة الاتحادية لإرسال قوة أمنية خاصة من بغداد تتولى مهمة نزع سلاح العشائر الثقيل، ومن المقرر أن تصل القوة قريبا لتباشر مهامها”، من دون تحديد موعد بعينه.

ويجيز القانون العراقي احتفاظ كل أسرة بقطعة سلاح خفيفة، بعد تسجيلها لدى السلطات المعنية، غير أن العراقيين يحتفظون، بموجب الأعراف العشائرية، بالكثير من الأسلحة في منازلهم، وبعضها أسلحة ثقيلة مثل مدافع الهاون، وقذائف مضادة للدروع.

الباحثة الاجتماعية والأستاذة في جامعة بغداد حنان العبيدي تقول “تعوّد العراقيون على ممارسة هذا التقليد منذ نحو 50 عاما، وهذا بسبب الحروب المتكررة، وقد تعوّد العراقيون على إطلاق الرصاص واعتباره حالة للتعبير عن الفوز والانتصار والمكسب، وهذه الحالة من الصعب أن نقتلعها بقرارات حكومية، فحتى الطفل تعلم أداءها وصار يحاكي الكبار، وهي ليست تعبيرا انفعاليا محمودا ولكن منعها لا يأتي بسهولة، فهذا الأمر صار محل تفاخر وتباه بعدد الرصاصات التي تطلق، والتي تقدم كفضل على الناس الذين قام هذا الشخص من أجلهم بالرمي للتعبير عن ابتهاجه بالمناسبة التي يحضرها، وقد صار هذا تقليدا اجتماعيا، حيث من لا يطلق العيارات النارية في المناسبات يعده الآخرون بخلا وعدم اكتراث وعدم تقدير لأصحاب المناسبة”.

20