إطلالة على النيل من نوافذ الشعر الرومانسي الإنكليزي

الأحد 2014/06/08
النيل أنشودة الشعراء من الفراعنة إلى العصور الحديثة

الشاعر المصري حسن حجازي ترجم مجموعة من القصائد الغربية التي تغنّت بالنيل ونشرها في كتاب بعنوان “أغنيات على ضفاف النيل”. وهي قصائد لثلاثة شعراء من العصر الرومانسي هم “بيسري بيش شيلي”، و”جون كيتس” و”جيمز لي هانت”. والمعلوم أن هؤلاء الشعراء قد كتبوا تلك القصائد في إطار مسابقة مفتوحة بينهم خلال جلسة مسامرة.

سجل شيلي أنه في يوم 4 فبراير 1818، تجمع الشعراء الثلاثة في منزل “لي هانت” وتسابقوا فيما بينهم في كتابة سونيتة، وهي القصيدة التي تتكون من 14 بيتا، خلال وقت محدد هو 15 دقيقة، وكان الموضوع هو نهر النيل.

لم يستطع الشاعر “لي هانت” أن ينهي القصيدة في الوقت المحدد، فيما استطاع زميلاه ذلك. وهو دليل على كونهما يتوفّران على رؤية واضحة عن النيل ورمزيته الميثولوجية، وينبئ أيضا بتمثّل هؤلاء الشعراء الثلاثة لمفهوم الرومانسية في الشعر الذي ينصبّ على القول إن كتابة الشعر هي بمثابة “فيض تلقائي لمشاعر قوية” على حدّ عبارة ووردز ورث.

والقصائد في لغتها الأصلية جاءت على طريقة السونيتة الإيطالية البطرياركية، التي تتكون من قطعة من ثمانية أبيات تليها قطعة من ستة أبيات ذات قافية مختلفة، وهذا التقسيم يدعو القارئ إلى أن يقرأ الجزء الأخير باستقلالية عن الجزء الأول وكملخص للقصيدة ككل. وسيرى المتأمل إن القطعة الأخيرة لكل الشعراء قد اشتركت في ربط النيل بالعلم.

وقد اجتهد المترجم حسن حجازي في إلقاء الضوء على فهمه الخاص لقصيدة شيلي، حيث أنهى ترجمته ببيت إضافي جاء فيه قوله: “ملبدة بالشرِ أو حافلة بالخيرِ”. والواضح من هذه الترجمة هو أن المعرفة الإنسانية، مثلها مثل فيضان النيل، تمثل دوما مصدرا للخير أو للشر وفق طبيعة استخداماتها.

وفي هذه العصور التي زاد فيها تلوث النيل فإن هذا التعبير الأخير يحمل في طياته حدة لاذعة. ورغم ما حدث في مصر من تطور وتقدم صناعي إلا أن حال النيل في تدهور مستمر. ولعلّه توجد إشارة ضمنية من كون شيلي كان شاعرا في العصر الرومانسي في أوائل القرن التاسع العشر وهو زمن تأجج الثورة الصناعية الإنكليزية، حيث كان تلوث البيئة مرتفعا. ورغم أن النقاش الدائر حاليا هو حول مياه النيل بين دول حوضه، إلا أنه لا يجب أن نغفل وجوب التنبّه إلى المخاطر التي تحيق بالنيل في مصر، حيث تقول الدراسات إن أغلبية الصرف الصحي تُصبّ في النيل وخاصة في جزئه الواقع بمنطقة شمال مصر.


نسمات روحية


والنهر في قصيدة شيلي يحذر من التجاوزات الشاملة الناجمة عن تنامي طموحات الإنسان في استغلاله، فالنيل ينتج حضارة مزدهرة ويفسدها في نفس الوقت. كما أن النيل اليوم يفرّق بين من يتمنّى ازدهار مصر ومن هو غير مبال. ونلاحظ أن حجازي يترجم مستخدما أدوات العطف كثيرا، وهذا يعطي شعوراً بالماء المتدفق وكيف أن النسمات والعواصف والفاكهة والسموم متواجدة في وقت واحد: “إن النسماتِ الروحية الجليلة/ وعواصفَ الشرِ الكريهة/ والفاكهة البديعة، والسموم المُميتة/ كلها تجري حيثُ تمضي“.

النيل ينتج حضارة مزدهرة ويفسدها في نفس الوقت

هنا نلاحظ تشابك المسؤولية والعلم، ذلك أنه عندما يبحث الإنسان عن علم زائد قد ينسى مسؤولياته في صيانة مصادر معرفته وعيشه. ونلاحظ أن الشاعر شيلي قرن بين الفاكهة والسموم، وهي بمثابة تذكرة أن العلم قد يكون شيئا إيجابيا ولكن الطموح الزائد قد يؤدي به إلى الانهيار. فالفاكهة تذكير بقصة آدم وحواء في التراث الديني، حيث أن طموحاتهما الزائدة أدت إلى أن يأكلا من “شجرة المعرفة المحرمة” وأن يتنكرا لعلمهما الأصلي. وكما أن مياه النيل المحببة قد تتحول إلى فيضان مكروه، فالفاكهة قد تتحول إلى سموم. وماء النيل الصافي هو حرفيا يؤدى إلى إثمار الفواكه، ولكنّ الطموحات الزائدة التي صنعت التلوث البيئي أدت إلى أن يصير الماء عبئا صحيا.


جرة النيل


فيما يتعلق بالشاعر كيتس فإن تعريفه للجهل في مجرى حديثه عن النيل هو عدم استخدام مائه لإخصاب الأرض القاحلة. وهذه إشارة أخرى لمسؤولية الإنسان المصري في الحفاظ على النيل، حيث يقول: “فهو الجهلُ الذي جعلَ/ تلكَ المساحات القاحلة الصفراء/ تمتدُ طويلا ً طويلا”.

والجدير بالإشارة إليه هو أن كيتس في “قصيدة الجرة الإغريقية” سنة 1819، كتب على لسان من يصف جمال الجرة وما عليها من رسومات عن الطبيعة والعشاق والأنغام، وهذا الواصف وقع في التناقض بين فرحه بالجرة وحزنه لعدم حياة الصور. وأكثر ما يلفت النظر أنه ينهي القصيدة بأبيات مبهمة هي على غرار قوله: “الجمال هو الحقيقة، الحقيقة جمال. هذا كل ما تعرفون في الأرض، وكل ما تحتاجون إلى معرفته”.

ولئن كانت صفة الجماد الظاهرة في جرّة “كيتس" تقلل من جمالها، فإنه من الممكن أن يكون جمالها سببا من أسباب صدقها وشعريّتها. وقد يبدو أن تحقيق الجمال والحب اللذين ترمز لهما الجرة ليس بالضرورة أن يكون شيئا إيجابيا لما يحتاجه من عمل ومعاناة ومسؤولية. وبالنظر إلى أن هذا الشعر الذي قيل في النيل كتب منذ مئتي سنة، فيمكن تشبيه الحقائق الثابتة فيه بجمال الجرة، ما يعني أن هذا النهر حقيقة واقعة ملموسة، وهذا ما يجعله جميلا، غير أن تنبّهنا لجماله يجعلنا نرثي لحاله ونحزن من تقاعسنا عن حمايته من أخطار التلوّث وسرقة مياهه.

إن قراءة ديوان “أغنيات على ضفاف النيل” للمترجم حسن حجازي تجعلنا نستشعر عظمة النيل بطريقة لا نبلغها في رؤيتنا له خلال معيشنا اليومي، بل نزعم أن اختيار تلك النصوص الشعرية تغيّا منه حجازي تقديم بعض ممّا يحفل به المتخيّل الغربي عن النيل.

13