إعادة احتلال العراق

الخميس 2013/09/05

لن يحتاج الأمر هذه المرة إلى قدر كبير من العناء ولن يقع الكثير من الضجيج. لن تكون هناك أساطيل بحرية ولا حاملات طائرات ولا خطوط إمداد ولا صواريخ بعيدة المدى ولا خرائط ولا خطط ولا طلب العون من جيران العراق الأعزاء. لن تكون هناك تظاهرات مليونية غاضبة ولن يصوت الكونغرس.

سيكون هناك هامش إعلامي صغير قد لا ينتبه إليه أحد يستدعيه الاعتراف بأن الانسحاب الأميركي الذي جرى عام 2011 لم يكن إلا واقعة صورية، كذبة اتفقت الأطراف المعنية على تسويقها، وأن بلاد ما بين النهرين لا تزال محتلة وستبقى كذلك. ستتم إعادة الاحتلال كما يمكن أن تسمى مجازا بطلب من الحكومة العراقية.

هل يحتاج الأميركان إلى طلب من هذا النوع؟ الاتفاقيات على الورق تقترح شفافية في القرار المستقل.

سيزعم الساسة العراقيون إن إجراء من هذا النوع سيشكل رادعا لتنظيم القاعدة الذي وجد أفراده في العراق خير ملاذ آمن لهم. تبدو هذه الحجة مقنعة لشعب صار فريسة سهلة لعمليات القتل اليومي التي تنسب في استمرار إلى تنظيم القاعدة الإرهابي، من غير أن تقدم الحكومة العراقية دليلا واحدا على ذلك.

الحكومة التي لم تعترف مرة واحدة بعجزها عن حماية الشعب العراقي لا تشعر بالخطر من جراء استمرار عمليات القتل، ذلك لأن نشاط تنظيم القاعدة المزعوم لم يقترب قيد أنملة من حدود المنطقة الخضراء، وهي المنطقة التي يتحصن فيها السياسيون وتوجد فيها السفارة الأميركية التي تعتبر واحدة من أكبر سفارات الولايات المتحدة في العالم. لذلك فإن ربط عملية إعادة الاحتلال بالرغبة في التصدي لإرهاب تنظيم القاعدة ما هو إلا كذبة يُراد من خلالها التغطية على المسألة الحقيقية التي تتطلب إشهارا لوجود القوات الأميركية في العراق بطريقة، يبدو معها ذلك الوجود شرعيا وطبيعيا، بل ومطلوبا على المستوى الشعبي.

في الحقيقة إن الطلب العراقي سيكون نوعا من الغطاء لأي تدخل أميركي محتمل في سوريا. فمن اللافت فعلا أن يتم الحديث عن إمكانية استعمال القوات الأميركية لجميع قواعدها في المنطقة من أجل توجيه ضربة لسوريا، من غير أن يتم التطرق إلى القواعد الأميركية في العراق.

فهل ينطوي ذلك الإغفال على نوع من التقدير لحساسية الشعب العراقي إزاء مسألة الدمار الشامل الذي يمكن أن يجره عدوان أميركي على سوريا سيكون بالضرورة شبيها بالعدوان الذي تعرض له بلدهم قبل عشر سنوات؟

يمكن أن يكون هناك شيء من هذا القبيل. الأمر الذي يساعد على فهم أسباب التدهور الأمني الذي شهده العراق خلال الأشهر القليلة الماضية. ففي كل يوم كان هناك عشرات القتلى ومئات الجرحى في أنحاء متفرقة من العراق، من غير أن تعلن الحكومة عن القبض على أحد من مرتكبي تلك الجرائم. لقد تم وضع الشعب العراقي تحت مطرقة الإرهاب لتكون مسألة إعادة الاحتلال أمرا مقبولا واقعيا. فالعراقيون الذين جربوا الحكم (الوطني) المستقل في ظل نظام المحاصصة وتشرذمهم الطائفي خلال السنوات الماضية، باتوا على يقين من أن تغيير النظام أو إسقاطه على غرار ما جرى في البلدان العربية الأخرى هو شيء أقرب إلى المستحيل، ليس لأنه نظام قوي ولديه من الميليشيات ما لا يمكن إحصاؤها، بل لأن هناك قوة عظمى تحميه من خلال قواتها المحصنة في قواعدها، إضافة إلى أنه يتحكم بميزانية بلد نفطي. بالنسبة للكثيرين ستكون إعادة احتلال العراق فرصة للتخلص من نظام فاسد وجاهل ومتخلف ميؤوس منه. غير أن ما سيفجعهم أن تلك العملية بكل ما تحمله من عرض علني فاحش لن يستفيد منها العراق، بقدر ما ستكون جزءا من صفقة أميركية- إيرانية يكون فيها العراق مكانا محتملا جاهزا لضرب سوريا وإلحاق الأذى بشعبها الذي كان دائما من أكثر الشعوب كرما مع العراقيين.

ما يجب أن ندركه أن رصاصة واحدة تنطلق من الأراضي العراقية في اتجاه سوريا ستكون بمثابة إشارة البدء في عملية حفر خندق عميق بين بلدين، كل شيء فيهما يؤكد أنهما بلد عربي واحد. ذلك الخندق هو ضرورة تاريخية بالنسبة لأعداء الشعبين المنكوبين.


كاتب عراقي

9