إعادة اكتشاف فيلم "نشوة" الذي أطلق موهبة هيدي لامار

مهرجان فينيسيا يقدم عرضا خاصا لفيلم "النشوة" بعد استعادة وتجميع أجزائه المتفرقة المفقودة بحيث جاءت النسخة الجديدة أقرب وأكثر قربا من النسخة الأصلية للفيلم.
الأحد 2019/09/01
اعتبر الفيلم في زمانه عملا شديد الجرأة

 جرت العادة منذ سنوات، أن يخصص مهرجان فينيسيا السينمائي عرضا سينمائيا خاصا قبل يوم من الافتتاح الرسمي للمهرجان. في هذا اليوم يحرص المهرجان على تقديم أحد الكلاسيكيات السينمائية أو الأفلام التي يعاد اكتشافها في نسخة جديدة تم إنقاذها من الأصل القديم وتحويلها بواسطة التقنيات المعملية الحديثة إلى نسخة رقمية عالية النقاء.

في العام الماضي عرض المهرجان الفيلم الألماني الكلاسيكي الصامت “الغوليم” (1915) وكان العرض مصحوبا بعزف موسيقي حي مباشر بديع يصاحب عرض الفيلم الصامت. أما قبل افتتاح الدورة الـ76 من المهرجان العريق (28 أغسطس-7 سبتمبر) فقد نظم المهرجان عرضا خاصا لفيلم “النشوة” Ecstasy بعد استعادة وتجميع أجزائه المتفرقة المفقودة بحيث جاءت النسخة الجديدة أقرب وأكثر قربا من النسخة الأصلية للفيلم الذي عرض في الدورة الثانية من مهرجان فينيسيا عام 1934 (أقيمت الدورة الأولى عام 1932)، وكان آخر ما أخرجه المخرج التشيكي غوستاف مشاتي Gustav Machaty والأول الذي قامت ببطولته النمساوية هيدي كيسلر وكانت في التاسعة عشرة من عمرها (وإن بدت في الفيلم أكبر وأكثر نضجا).

اشترك الفيلم في فينيسيا 1934 مع فيلم آخر في الحصول على جائزة أحسن إخراج، كما منحه الجمهور جائزة أحسن فيلم أجنبي. وتقول المعلومات التي وفرها المهرجان إن مايكل أنجلو أنتونيوني (الذي حضر المهرجان كناقد شاب قبل أن يصبح من كبار المخرجين الإيطاليين) كتب يصف العرض بقوله “في حديقة فندق اكسيلسيور، في تلك الليلة، كان يمكنك سماع أنفاس المشاهدين المفتونين، والشعور بارتعاش أجسادهم”.

هيدي كيسلر ستعود إلى السينما بعد خمس سنوات، ولكن في فيلم أميركي من أفلام هوليوود، تحت اسم جديد هو “هيدي لامار”، لتنطلق بعد ذلك بسرعة الصاروخ بفضل جمالها المثير وجرأتها التي بدت من أول أفلامها “النشوة” الذي منحها سمعة خاصة في العالم بعد أن أصبحت رمزا للإثارة والجمال.

فضيحة المهرجان

عندما عرض فيلم {النشوة} في {الموسترا} عام 1934 اعتُبر {فضيحة المهرجان} أو {الفيلم الفضائحي} فقد كان أول فيلم في تاريخ السينما تظهر بطلته وهي تجري عارية في الغابة قبل أن تلقي بنفسها في البحيرة وتسبح عارية تماما
عندما عرض فيلم "النشوة" في "الموسترا" عام 1934 اعتُبر "فضيحة المهرجان" أو "الفيلم الفضائحي"، فقد كان أول فيلم في تاريخ السينما تظهر بطلته وهي تجري عارية في الغابة قبل أن تلقي بنفسها في البحيرة وتسبح عارية تماما

عندما عرض فيلم “النشوة” في “الموسترا” عام 1934 اعتُبر “فضيحة المهرجان” أو “الفيلم الفضائحي” فقد كان أول فيلم في تاريخ السينما تظهر بطلته وهي تجري عارية في الغابة قبل أن تلقي بنفسها في البحيرة وتسبح عارية تماما. وفي مشهد تال، تظهر وهي تمارس الجنس مع رجل وقعت في غرامه، وتبدو على وجهها من خلال لقطات الكلوز أب القريبة جدا، الانفعالات التي تشي بتحقق النشوة الجنسية أو ما يسميه فرويد “ذروة اللذة” أي “الأورغازم”.

ولم يكن مألوفا ظهور مثل هذا العري أو المشاعر التي تعبر عن النشوة الجنسية في السينما حتى ذلك الوقت.

ولعل من يشاهد الفيلم اليوم يمكنه أن يتوقف طويلا أمام مشهد الجنس ويتعجب ويتساءل كيف أثار في زمنه كل ما أثاره من ضجيج، فالمقارنة مع الأفلام التي ظهرت بعد ذلك، في الستينات والسبعينات واستمرت حتى وقتنا هذا، تجاوزت كثيرا تصوير وجه البطلة في لقطات قريبة، ولكن ينبغي الاستدراك بالقول إن “هيدي لامار” بتعبيراتها الخاصة جدا في هذا المشهد ربما لا يكون لها مثيل في الأفلام الأحدث.

صحيح أن المشهد كان يخفي أكثر مما يُظهر، ولم يظهر العُري، إلا أنه نموذج بارز للإيروتيكية، وكان يكفي التعبير بالوجه والعينين مع الموسيقى الدرامية المتصاعدة، لكي يتفاعل المشاهدون مع المشهد.

قيل إن “هيدي” اتفقت مع الشركة التي تعاقدت معها في هوليوود على تغيير اسمها في محاولة لطي صفحة الماضي بأسره والتخلص تماما من دورها في فيلم “النشوة” الذي ارتبط اسمها به، كما أطلقت الصحافة عليها “فتاة النشوة”، خاصة بعد أن أدان بابا الفاتيكان الفيلم، كما مُنع عرضه في الولايات المتحدة بدعوى أنه مناقض للأخلاق.

كانت الفضيحة التي تسبب فيها الفيلم، لا نتيجة لمشهد الظهور العاري للبطلة التي ستستمر في القيام بدور المرأة المثيرة في أفلامها التالية في هوليوود، بل بسبب جرأتها في التعبير عن الشعور باللذة الجنسية وهي مع رجل يفترض أنه غير زوجها الذي هجرته وتخلت عنه حسب أحداث الفيلم. ولهذا السبب وحده وبعد أن تغيرت المعايير والنظرة الأخلاقية في مجتمعات الغرب، يمكن اعتبار الفيلم اليوم معبرا كأقوى ما يكون عن النظرة “الفيمنست” أو الحركة النسوية الجديدة التي تتبنى الدفاع عن حرية المرأة في اختيار ما تفعله وخاصة في علاقتها بالرجل.

قصة حب وصراع

العشق الممنوع
العشق الممنوع

موضوع الفيلم بسيط للغاية: امرأة شابة حسناء تزوجت حديثا من رجل ثري يكبرها في العمر، بارد شديد الصرامة، يعاملها بجفاف ويهملها تماما بل ويتركها تجلس بجواره خلال حضورهما حفل كبير راقص يحضره عدد كبير من الأزواج، لينكب على تقليب صفحات جريدة دون أن يتطلع إليها ودون أن يشعر بوجودها. وفي المنزل يختلف الاثنان حتى في طريقة وضع فرشاة الأسنان، وينتهي الأمر بأن تهجره المرأة وتعود إلى بيت والدها الثري في ضيعته بالريف وتشرع في إجراءات الطلاق. وهناك تتجول في المنطقة.. تركب حصانها الأثير إلى نفسها.. تسير به في الغابة.. ثم تتجرد من ثيابها تماما وتجري نحو البحيرة وتلقي بنفسها وتسبح عارية، ثم تلتقي بشاب وسيم جذاب يعمل مهندسا في إنشاء السكك الحديدية في المنطقة القريبة.. سرعان ما تقع في غرامه وتمارس معه الحب وتتذوق طعم “النشوة” الجنسية للمرة الأولى.

لكن زوجها الذي هجرته يحضر إلى حيث تقيم مع والدها الجاف بدوره الذي يشير الفيلم إلى أنه كان أيضا يعامل أمها معاملة جافة، والواضح أن الزوج يرفض الطلاق، يريد استرجاع زوجته الحسناء فهو يحبها ولكن على طريقته الخاصة، ولكنها ترفض وتضرب موعدا لحبيبها في البلدة القريبة. وينتهي الأمر بانتحار الزوج، وشعور الزوجة بالذنب والفرار من حبيبها بعد أن كانت قد اعتزمت الذهاب معه إلى برلين، لينتهي الفيلم نهاية مأساوية حزينة لجميع أبطاله.

الموضوع كما نرى بسيط. والفيلم يكاد يكون صامتا، فالحوار فيه قليل للغاية، عبارة عن كلمات محدودة وأحيانا كلمة واحدة تقولها الشخصية، وكان الحوار في ذلك الوقت يتم تركيبه على الشخصيات في مرحلة المكساج، ولم يكن يجري تسجيله مباشرة فوق الصورة، وكان من الممكن الاستغناء عنه تماما فالفيلم يشرح نفسه بنفسه، وتتعاقب مشاهده في سلاسة وجمال ورونق لا يحتاج لأي حوار بل تكفي نظرات العينين، لكنه ظهر في بدايات عصر السينما الناطقة (بعد 6 سنوات من ظهور الفيلم الناطق) وكان لا بد من استخدام الحوار لإضفاء الواقعية على الحدث وإثارة اهتمام المتفرجين الذين كانوا منبهرين بالاختراع الجديد.

جماليات الصورة

أحد الكلاسيكيات السينمائية
أحد الكلاسيكيات السينمائية 

التصوير (بالأبيض والأسود) بواسطة مدير التصوير النمساوي هانز أندروشن وزميله التشيكي يان ستاليتش، بديع يتميز بالتشكيل والاهتمام الكبير بالتكوين، يراعي تحقيق الطابع الواقعي للصورة، ولكن مع لمسات رومانسية تتمثل في استخدام مناظر الطبيعة (السحب، الغابة الضبابية التي تبدو كالحلم، البحيرة، الحشرات التي تستخدم للتعبير المجازي.. الخ)، لكن هناك أيضا تأثر واضح في بعض المشاهد (خاصة داخل قصر الأب) بالتعبيرية الألمانية حيث تنعكس ظلال الأشخاص على الجدران من خلال الإضاءة الخافتة التي تصنع جوا يوحي بالقلق الشديد والترقب وتمهد للمصير القادم.

إلا أن أهم ما يلفت النظر في الفيلم طريقة هيدي لامار في التعبير بنظرات العينين، بالالتفاتة والإيماءة، وذلك الحضور المدهش على الشاشة في اللقطات القريبة، والقدرة على التعامل بشكل طبيعي مع الشخصيات الأخرى، ويبقى منها في هذا الفيلم ذلك السحر الخاص الذي يشع من عينيها ممزوجا بالغموض المثير. ولا شك أن هذا الغموض نفسه كان وراء ما حققته من نجاح في هوليوود.

كان لهيدي لامار وجه آخر هو وجه امرأة موهوبة بارعة في الابتكارات العلمية، وقد قدمت منها الكثير، كما تمكنت من ابتكار نظام للشفرة يسبب التشويش على السفن الحربية الألمانية ويعطل قدرتها على إطلاق الطوربيدات المدمرة على سفن الحلفاء وهو الاختراع الذي أهدته إلى البحرية الأميركية في الأربعينات، وأصبح مسجلا باسمها. لقد اجتمع لديها الجمال مع العبقرية. ولا أدري ماذا كان يمكن أن يقول لنا فرويد عن هذه العلاقة الخاصة بين الجانبين!

15