إعادة الأمل تمنع تحول المساجين الشبان إلى قنابل موقوتة

دول عربية شرّعت العفو عن المساجين ولم تتبن خططا لإعادة إدماجهم في مجتمعاتهم.
الأحد 2019/09/08
تكوين للحصول على عمل بعد العقوبة

اتخذت العديد من الدول العربية سياسات تقوم على زيادة الإفراج عن المسجونين الذين قضوا فترات سجنية طويلة وأثبتوا حسن السلوك والانضباط داخل المؤسسة العقابية، خصوصا من الشباب الذين أمضوا أكثر من ثلثي فترة الحكم، لكن غاب عن هذه السياسات اتخاذ قرارات موازية تضمن تأهيلهم لاستئناف حياة طبيعية في مجتمعاتهم، وطغت الخطط الأمنية عبر تشديد الملاحقة والرقابة على الخطوات الفكرية والاجتماعية والنفسية التي تتحكم في قرارات هؤلاء الشباب باعتبارهم أكثر قابلية للانغماس في العنف أو الجريمة أو التطرف.

القاهرة - أنهى محمد إمام، الطالب بكلية الهندسة جامعة سوهاج في جنوب مصر، فترة العقوبة التي قضاها داخل أحد السجون متهما في قضية إتلاف مقرات حكومية، ليجد نفسه ملفوظا من الجميع بمن فيهم أسرته التي صدمت بأن يتواجد ابنها المتفوق دراسيا بين المجرمين والإرهابيين داخل السجن.

ومنذ أن خرج إمام من السجن، مطلع العام الجاري، وهو يمكث في غرفته المظلمة التي تشبه كثيرا زنزانته التي قضى فيها أكثر من خمس سنوات، بعد أن خسر كل شيء، بدءا من علاقته بأسرته ومرورا بكليته التي أصدرت قرارا بفصله، ونهاية بالمجتمع المحيط به، حيث لاحظ نظرات الاحتقار والنبذ، بالرغم من أنه لم يكن يرغب سوى في أن يعيش حياته من جديد.

ويرفض الشاب البالغ من العمر (26 عاما)، الحديث مع غالبية من حوله، وتواصلت معه “العرب” بصعوبة بعد إقناع أحد أصدقائه المقربين، وكشف جزءا من حياته التي يغلب عليها اليأس والإحباط. قال الشاب علّه يخفف من ضغوطه النفسية التي أضحت عبئا لا يستطيع تحمله، إنه عانى طوال فترة السجن من الاضطراب النفسي والفكري، لأنه كان محاطا بمجموعة من االسجناء الذين لم يكن يتفق معهم في الآراء ووجهات النظر حول الكثير من المسائل ومن بينها الأسباب التي دفعت بهم إلى السجن.

وفي المقابل كانت حسرة أبويه وإخوته ونظراتهم له أثناء الزيارة والمحاكمات تتشعره بالذنب، بعد أن انقطعت علاقاتهم بعدد كبير من معارفهم منذ احتجازه، بل كان سببا في عدم التحاق ابن عمه بكلية الشرطة، ما ضاعف المشاكل العائلية بالنسبة إليه وإلى أسرته.

دون تأهيل لا يتحقق الاندماج

تؤكد تجربة إمام حجم ما يواجه غالبية الشباب من مصاعب مشتركة عقب الإفراج عنهم، منها رفض الكثير من الجامعات عودتهم إليها إذا كانوا طلبة قبل دخول السجن لأسباب قانونية، وعدم القدرة على إيجاد فرص عمل باستثناء القيام بأعمال بسيطة مؤقتة غالبا، ما يعرضهم لانتكاسة تجعلهم أسرى غرفهم، وتعجّل بسقوطهم في ارتكاب أخطاء أخرى تعيدهم إلى السجون.

وتكشف حالة إمام وغيره من الشباب خطورة غياب التأهيل للسجناء ممن أنهوا فترات عقوبتهم ما يحرمهم من إعادة دمجهم في المجتمع على أسس سليمة، ويجعلهم قنابل موقوتة قابلة للانفجار في أي وقت، حال شعروا أنه لا أمل في مواصلة حياة طبيعية اجتماعيا وعائليا ومهنيا.

وتضم بعض الدول العربية القليل من مؤسسات ومراكز التأهيل للسجناء، أشهرها “مركز الأمير محمد بن نايف للمناصحة والرعاية” بالمملكة العربية السعودية، ومركز “هداية” بدولة الإمارات العربية المتحدة، ومؤسسة “محمد السادس” في المغرب، بالإضافة إلى مراكز التأهيل والإصلاح التابعة للإدارة الحكومية ذاتها في الأردن.

التأهيل لا بد أن يبدأ من السجن، نابعا أساسا من المؤسسات الحكومية، وليسمن أفراد ليكون استراتيجية عامة يسير عليها لسنوات، ويضمن تحقيق نتائج إيجابية

وأفرجت مصر مثلا عن الآلاف من الشباب المسجونين، بقرارات عفو رئاسية دورية في الأعياد والمناسبات القومية، وفي إطار لجنة العفو الرئاسي التي تم تشكيلها في العام 2016 بهدف الإفراج عن عناصر لم تتورط في العنف، وأفرجت حتى منتصف العام الماضي عن 3460 متهما، لكنهم خرجوا إلى المجهول دون مرافقة أو تأهيل.

وأكد عماد علي وهو سجين سابق في تصريح لـ”العرب” أن “عملية التأهيل التامة تكاد تكون غائبة داخل السجون أو خارجها، وكان ذلك سببا في عدم قدرته على التأقلم مع الحياة الاجتماعية الطبيعية بعد عامين من إنهاء فترة العقوبة، مع زيادة قناعة المحيطين بأن إقدامه بمراجعات لنمط حياته هو نوع من الخوف أو العمالة لأجهزة الأمن، فيما نظر له آخرون على أنه تخلى عن مبادئه، وفي الحالتين هناك صعوبات في التواصل داخل الدوائر الاجتماعية الضيقة”.

ويرى عماد أن عملية التأهيل لا بد أن تبدأ من داخل السجن وتكون نابعة أساسا من المؤسسات الأهلية والحكومية، وليست من أفراد لتكون استراتيجية عامة تسير عليها لسنوات طويلة، وتضمن تحقيق نتائج إيجابية لمواجهة التقلبات العديدة التي يمر بها الشباب المفرج عنهم، ارتكانا إلى طبيعتهم التي تجعلهم أكثر عرضة لتغير مواقفهم.

ويرى خبراء في علم النفس أن مكمن الخطورة يتمثل في أن الشباب المفرج عنهم يصرون على سلوكياتهم القديمة ويواجهون مشكلات نفسية وصراعا داخليا عميقا، في ظل شعورهم بالانطواء ورفضهم لكل ما يجري من حولهم. في الوقت ذاته هم غير قادرين على التعبير عن هذا الرفض، ما يجعلهم في غربة حقيقية تدفعهم إما إلى مغادرة البلاد وإما إلى الرجوع لنفس الممارسات ونمط الحياة والسلوك الذي دخلوا بسببه إلى السجن.

ويقول أستاذ الطب النفسي بجامعة عين شمس في القاهرة، إبراهيم مجدي حسين، إن هناك العديد من الشباب الذين أضحوا من دون عمل ويترددون على المحاكم يوميا، بسبب دعاوى أخرى وجديدة مثل الطلاق ويدخلون في شجارات لفظية وجسدية مع أقربائهم داخل الأسرة وخارجها، بالتالي فإن الإفراج عنهم من دون تأهيل يشبه الأسد الذي يطلق سراحه من دون ترويض، ويكون الحل أمامهم العودة مرة أخرى إلى ما كانوا عليه أو الانتقام لأنفسهم.

قوة دفع معنوية ومادية

تبرهن أهمية تأهيل المساجين لحياة اجتماعية سليمة على حاجة الشباب بعد الخروج من السجن إلى قوة دفع اقتصادية وثقافية واجتماعية تدمجهم من جديد في المجتمع، فالحاجة المادية تجبر البعض على التردد في القطع مع ماضيهم الإجرامي وعلى عدم تبني قناعات جديدة وتغييرات يصلحون بها شؤونهم ومسار حياتهم.

وأكد أستاذ علم النفس حسين، والذي أطلق من قبل مبادرة لتأهيل الشباب المفرج عنهم نفسيا لم ترى سبيلا للتنفيذ، أن برامج التأهيل بحاجة إلى تمويل حكومي ضخم، ولا تستطيع منظمات المجتمع المدني بمفردها تحمله، لأن تأهيل الشاب يحتاج حوالي 2500 دولار ويخضع لبرنامج طويل الأمد ومكثف لضمان تجاوزه التأهيل بنجاح.

ويذهب البعض إلى التأكيد أن الشباب المفرج عنهم يواجهون مشكلات معقدة قد يصعب حلها حتى مع وجود مراكز التأهيل، على رأسها العامل الأسري أو محيطهم الاجتماعي، ما يحول دون التعامل معهم بشكل طبيعي أو كما كانوا في السابق.

19