إعادة الإعمار ومعركة إدلب.. هل تكون فرصة الغرب الأخيرة في سوريا

تأكيد أميركي أوروبي على الحلول السياسية لتقديم الدعم المالي، وروسيا تخير الغرب المشاركة في إعادة الإعمار أو تدفقات جديدة من اللاجئين.
الخميس 2018/09/13
المساعدات مستمرة باستمرار المصالح
 

مازال مصير إدلب مجهولا، رغم الاستعدادات العسكرية المكثفة للنظام السوري، المدعوم من روسيا، والمفاوضات بين روسيا وإيران وتركيا، وتهديدات واشنطن وباريس ولندن، وألمانيا، بالتدخل العسكري لمنع مجزرة كيميائية. وسيكون للحسم في إدلب تأثير كبير على مجريات الأحداث اللاحقة، خصوصا وأن الحسم العسكري سيكون قد تراجعت أهميته وفتح المجال أمام عودة الحديث عن الحل السياسي، ضمن وضع لن يكون مريحا لروسيا التي فتحت مؤخرا، وفي خضم الحديث عن معركة إدلب، ملف إعادة الإعمار والدعم الخارجي في موقف وصفه مراقبون على أنه استعدادات المعركة الأخيرة، والذي تسعى من خلاله موسكو إلى تأمين مصالحها مادامت مسيطرة عسكريا.

فريدمان كولر ويان كولمان

دمشق – تدق منذ أسابيع طبول الحرب في محافظة إدلب السورية، وسط تعقيدات وتحديات كثيرة تحيط بها، بما يجعلها واحدة من أعقد التفاصيل في الحرب الدائرة في سوريا منذ 2011، والتي وصلت ذروتها إثر التدخل العسكري الروسي في سنة 2015.

ويشي الضجيج الذي يحيط بهذه المعركة من كل جانب؛ قوات النظام السوري ترسل منذ أسابيع تعزيزات إلى محيط إدلب (شمال غرب)، قبل أن تصعد وتيرة قصفها بمشاركة طائرات روسية الأسبوع الماضي. الولايات المتحدة والحلفاء الأوروبيون ما فتئوا يهددون بالتدخل العسكري في حال ثبت استعمال السلاح الكيميائي، قوات النظام السوري.

وهذا التدخل في حد ذاته محل جدل خصوصا في ألمانيا، التي أضيف اسمها إلى واشنطن ولندن وباريس، حيث قال رئيس مؤتمر ميونيخ الدولي للأمن، فولفجانج إشينجر، إنه لا ينبغي استبعاد مشاركة الجيش الألماني في ضربة عسكرية في سوريا، حال استخدم النظام أسلحة كيميائية، في حين يرفض ذلك الحزب الاشتراكي الديمقراطي الشريك في الائتلاف الحاكم.

وفي خضم الجدل الألماني والتحذيرات الفرنسية والبريطانية والأميركية، والتي سبق أن تحولت إلى حقيقة إثر الهجوم الكيميائي في الغوطة في أبريل الماضي، صدر تقرير أممي يؤكد أن القوات الحكومية السورية أطلقت غاز الكلور، وهو سلاح كيميائي محظور، في الغوطة الشرقية التي كانت تخضع لسيطرة المعارضة وفي محافظة إدلب هذا العام، في هجمات تمثل جرائم حرب.

الاقتصاد  السوري غير قادر على الوقوف على قدميه. كما أن الحليفتين روسيا وإيران تفتقران إلى الوسائل أو الرغبة في ضخ المليارات

في الأثناء، تواصل تركيا سياساتها المزدوجة مراوحة بين التحالف مع روسيا، ودعوة المجتمع الدولي إلى عدم ترك “الشعب السوري تحت رحمة الأسد”، المدعوم من حليفتها موسكو، ومن طهران التي تبدو الطرف الأقل إثارة للضجيج بشكل لافت.

أما روسيا، التي تعلم جيدا أن دورها “القيادي” في سوريا سينتهي بانتهاء المعركة العسكرية وأنها ستكون طرفا قويا لكن “غير مسيطر” في مفاوضات الحل السياسي التي سينتهي إليها الأمر عاجلا أم آجلا، فاختارت أن تصدح في وسط صخب معركة إدلب، بالحديث عن إعادة إعمار سوريا والتصرف وكأن الحرب قد انتهت.

ووفقا لما تراه موسكو، فإن السلام أصبح في متناول اليد، بعد أن استعاد النظام السيطرة على ثلثي مساحة الأراضي، ومن ثم يتعين أن تنطلق مرحلة إعادة الإعمار وعودة اللاجئين. إلا أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة متفقان على أمر واحد، وهو أنه لن يتم دفع أموال. ويريان أن الأسد هو من دمر بلاده بنفسه. كما يحمّلان روسيا المسؤولية عن القتل والدمار بما شنته من ضربات جوية. ومن ثم، فوفقا للغرب، فإن إعادة الإعمار هي مهمة روسيا.

ويعتزم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الاعتماد على أموال الدولة الأوروبية التي استضافت العدد الأكبر من اللاجئين: ألمانيا.

ويدرك بوتين مدى التأثير القوي لقضية اللاجئين على السياسة الألمانية. وعندما التقى المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في ألمانيا منتصف أغسطس طلب المساعدة في إعادة بناء سوريا.

وتتلخص رؤية بوتين في التلميح إلى أن إعادة الإعمار ستقود إلى عودة السوريين إلى وطنهم. وعلى الجانب الآخر، قدم تهديدا تكاد لا تخطئه عين من أنه ستكون هناك تدفقات جديدة من اللاجئين إذا لم تكن هناك مساعدة. وقال الرئيس الروسي ”من المحتمل أن يكون هذا عبئا هائلا بالنسبة لأوروبا”، ولكن هل أصبح الوضع في سوريا آمنا بما يكفي لانطلاق إعادة الإعمار؟

تمكنت الحكومة السورية بمساعدة روسيا وإيران من استعادة مناطق مهمة مثل الغوطة الشرقية القريبة من دمشق، وكذلك محافظة درعا، إلا أن السلام الحقيقي، بعد سبعة أعوام من الحرب، ليس ملموسا بعد.

وفي الواقع، فإن العملية العسكرية الأكثر دموية ربما لم تحدث بعد. فالهجوم على إدلب، آخر معقل للمسلحين، يهدد باندلاع الأزمة الإنسانية القادمة، فالمحافظة يقطنها نحو ثلاثة ملايين مدني، كثيرون منهم ربما يحاولون عبور الحدود إلى تركيا، ومنها سيشقون طريقهم إلى أوروبا.

ووفقا للأمم المتحدة، فإنه حتى الآن لم يعد سوى بضعة آلاف من اللاجئين السوريين في الخارج إلى الوطن.

مواجهة وشيكة
مواجهة وشيكة

وكان تقدير للبنك الدولي في العام الماضي ذكر أن نحو ثلث إجمالي المنازل في سوريا إما تعرض لأضرار وإما دُمر بصورة كاملة. وهناك مناطق تحولت إلى أطلال مثل شرق حلب والغوطة الشرقية. ولحقت أضرار فادحة بالكثير من المناطق الصناعية. 

وفي المدن الكبيرة، لحقت أضرار بنحو نصف المستشفيات. كما تراجع الاقتصاد الوطني بنحو الثلثين. وحتى الآن، فإن إعادة الإعمار لا تزال بطيئة لأن دمشق ليست لديها الموارد كما أنها متضررة من العقوبات الدولية.

ودون دعم ضخم من الخارج، فإن الاقتصاد يكاد يكون غير قادر حتى على الوقوف على قدميه. كما أن الحليفتين روسيا وإيران تفتقران إلى الوسائل أو الرغبة في ضخ المليارات في إعادة إعمار سوريا. ثم إن هناك تراجعا في عدد السكان. فقبل الحرب الأهلية، كان عدد سكان سوريا نحو 21 مليون نسمة؛ فر أكثر من خمسة ملايين منهم إلى الخارج واضطر أكثر من ستة ملايين آخرين لترك منازلهم والنزوح من منطقة إلى أخرى داخل البلاد.

وأشارت تقديرات لصندوق النقد الدولي تعود لعام 2016 إلى أن إعادة إعمار سوريا قد تستغرق ما لا يقل عن 20 عاما إذا ما بدأت في 2018، وهو افتراض تخيلي. كما أن القليل للغاية من المال يأتي من الخارج، وتم استنزاف الاحتياطات السورية من العملة الصعبة.

وخسرت دمشق موارد مهمة، فقد كانت الزراعة من أعمدة الاقتصاد، والآن أصبحت مساحات مهمة من الأراضي الزراعية في الشمال تحت سيطرة الأكراد. وفقد النظام السوري السيطرة على الموارد النفطية الأكبر، مثل تلك الموجودة في وادي الفرات قرب الحدود مع العراق.

ويقول معارضون لتقديم الدعم لإعادة إعمار سوريا إن الظروف ليست مواتية. كما أن أي أموال خارجية أو تخفيف للعقوبات سيصب في مصلحة نظام الأسد في المقام الأول، وسيكون ما يصل منها إلى السكان أمرا غير مؤكد. وإلى جانب ذلك، فإن أي مساعدة من جانب ألمانيا أو غيرها من الدول ستكون بمثابة اعتراف بحكم الأسد، وهو ما تسعى إليه موسكو. إلا أن اللعب على مسألة إعادة الإعمار ربما يكون الفرصة الأخيرة للولايات المتحدة والدول الغربية ليكون لديها بعض التأثير على النظام بعد الحرب.

7