إعادة الاعتبار إلى الرسم

أليس مهينا أن تُرسم ملكة في لوحة يبلغ مقاسها “15 × 22 سم”؟ ذلك سؤال ينتمي إلى عصور اندثرت فلم تعد قيمة الأشياء تُقاس بحجمها أو سعتها.
الاثنين 2021/04/12
الرسام والملكة.. السلطة والفن وجها لوجه

ذات مرة طلبت ملكة بريطانيا أن يرسمها لوسيان فرويد. ذلك طلب لا يُرد. ولكن فرويد وهو حفيد عالم النفس النمساوي الشهير وجد في ذلك الطلب مناسبة لفرض شروطه على ملكة استثنائية.

المفاجأة أن إليزابيث قبلت بشروط الرسام الذي اشتهر برسومه الفاضحة. ولو تذكّرنا أحوال فلاسكسيز وغويا ومن قبلهما رامبرانت وهم يرسمون الملوك والأمراء لأدركنا النعمة التي كرستها الديمقراطية.

لقد خاطب الرسام الملكة كما لو أنه يخاطب مواطنا عاديا. قبلت الملكة بأن يملي عليها الرسام شروطه، لأنها تعرف قيمة أن يرسمها رسام بأهمية لوسيان فرويد (1922 ــ 2011). لم يتماد فرويد في شروطه كأن يطلب من الملكة الحضور إلى مرسمه لتجلس أمامه. بدلا من ذلك وقعت الجلسات في قصر سانت جيمس بين مايو 2000 وديسمير 2001.

زمن طويل استغرقه الرسام في تنفيذ عمله. ولكن المفاجأة حدثت حين تم الكشف عن حجم اللوحة. كانت صغيرة إلى درجة تبعث على الدهشة.

أليس مهينا أن تُرسم ملكة في لوحة يبلغ مقاسها “15 × 22 سم”؟ ذلك سؤال ينتمي إلى عصور اندثرت فلم تعد قيمة الأشياء تُقاس بحجمها أو سعتها.

كانت تلك اللوحة بمثابة لقية نفيسة لا لشيء، إلاّ لأنها تحمل توقيع رسام بحجم لوسيان فرويد الذي قال بعد أن أتم عمله “لقد خُيل إلي أنني أنا الملك”.

لقد وضعت الملكة على رأسها التاج الذي يظهر في صورتها على الطوابع بناء على طلبه. بعد ذلك كشف فرويد عن أنه كان يحلم بصورته وهو يضع التاج عينه على رأسه. كانت تجربة شيقة وفريدة من نوعها بالنسبة إلى الاثنين.

ما عدا اللقاء الاستثنائي فإن الملكة التي رُسمت مئات المرات من قبل رسامين غلب على أساليبهم الطابع التقليدي المتقن، تخطت عقدة الرصانة لتجلس أمام رسام عُرف بتخطيه لتلك الأساليب والتعامل مع الوجوه التي يرسمها كما لو أنها كتلة متشنجة من الأعصاب.

أما الرسام فقد كانت تلك المناسبة فرصة له لكي يُطلق روح الملك التي تلبسته باعتباره فنانا حرا ومتمردا يردّ الاعتبار إلى الرسم في مواجهة الملوك. في عمل صغير تجلت قوة الرسم عبر العصور.

16