إعادة التأهيل من حق بائعات الهوى أيضا

الخميس 2014/10/23

3 مليون يورو سنويا، هو المبلغ الذي طالب به وزير العدل والأمن الهولندي، البرلمان لصرفه على إعادة تأهيل بائعات الهوى، وإدماجهن في الحياة الاجتماعية.

الموازنة والبرنامج الحكومي الموسع، يهدفان إلى مساعدة بائعات الهوى اللاتي يرغبن في التوقف عن ممارسة الدعارة، على اتخاذ هذه الخطوة، من خلال تمكينهن من الالتحاق بالتدريب أو العودة إلى مقاعد الدراسة، أو البحث عن وظيفة في مجال آخر. وبالفعل أكثر من 1750 بائعة هوى، استفدن من هذه المساعدات وقمن بالتخلي عن هذه المهنة، بعضهن مارسنها لسنوات طويلة، متحولات إلى حياة مغايرة.

لماذا تُقدم الحكومة الهولندية على هذه الخطوة؟ لأن إعادة التأهيل من حق بائعات الهوى أيضا، ولأن المجتمعات التي تكفل حرية الفرد لا تفرق بين من ضل ومن اهتدى، من حق الكل أن يعيش حياة كريمة متى رغب في ذلك. وإذا كانت المجتمعات الغربية تعاملت مع الجسد والجنس بحرية مطلقة ووضعت القوانين والتشريعات التي تكفل حرية الفرد في التعامل مع جسده بالشكل الذي يراه مناسبا، بعد موجة الاحتجاجات التي جابت أوروبا في الستينات مطالبة بتحرير الجسد وبحق الفرد في تقرير مصيره، إلا أن حركة كالتي أقدم عليها وزير العدل الهولندي دليل على أن، حتى هذه المجتمعات، لا تزال تتعامل مع الجنس والدعارة، على أنها “خطيئة”، وتساعد من وقعوا فيها على الارتداد عنها، والعودة إلى حياة أكثر إنسانية.

اقتصاد هولندا، مبني، في جزء كبير منه، على سياحة الدعارة والمخدرات، في هذا البلد تعمل قرابة 25 ألف امرأة بشكل قانوني في هذه المهنة، فضلا عن العاملات بشكل غير قانوني ويفوق عددهن العدد المصرح به بكثير، 45 بالمئة من هؤلاء النسوة يتعاطين الدعارة في النوادي والدور المخصصة لذلك، و20 بالمئة خلف ما يسمى بعاهرات الواجهات الزجاجية، و5 بالمئة عاهرات شوارع، و5 بالمئة عاهرات بيوت، أي يشتغلن من داخل بيوتهن، في بلد يعد تعداد سكانه 16 مليون نسمة، نصفهم من النساء. في هذا المجتمع الذي يتباهى بانفتاحه ويروج لفكرة الحرية المطلقة، وهو واحد من أسبق المجتمعات إلى كسر التابوهات والتحرر منها، هناك من يزال ينظر إلى فئة بائعات الهوى على أنها “فئة ضالة” تحتاج لإعادة تأهيل، ودمج لتجد طريقها إلى حياة إنسانية “كريمة”، علما وأن جزءا كبيرا من متعاطيات البغاء في هولندا طالبات جامعيات، وفتيات متعلمات كما بيّنت الدراسات.

بائعة هوى أو رئيس وزراء، لا فرق، قيمة الإنسان فوق كل شيء، وفي الوقت الذي تنظر فيه بعض المجتمعات إلى بائعة الهوى على أنها حثالة ومرض ينخر المجتمع، فإن مجتمعات أخرى تسمح لها بالارتداد إلى إنسانيتها، وتكفل لها حياة كريمة.. فلا شيء يعلو على حق الإنسان في الحياة، مهما أخطأ أو انحرف أو أضل طريقه.

في فرنسا، قطعت، الأسبوع الماضي، عاهرة سابقة، 800 كلم مشيا على القديمين في شوارع باريس، مطالبة برلمان بلادها بحظر الدعارة، ورفعت، “روزن هيشر” البالغة من العمر 57 عاما والتي قضت 22 عاما في هذه المهنة، لائحات كتب عليها “الدعارة ليست حقا” و”المرأة ليست بضاعة” و”ليس من حق الرجل شراء المرأة”.

في مجتمع حي، متحرك، يحدث هذا وأكثر، الخطأ حق مكفول، وتصويب الخطأ حق مكفول أيضا.. بلا إدانة، بلا نبذ، بلا أحكام جائرة، وبلا إهانة أو تجريح.

21