إعادة القراءة

الخميس 2016/01/21

الكتب كما نعلم أنواع؛ كتب نقرؤها ثم ننساها، وكتب نندم أننا بذّرنا في شرائها ملاليم كان يمكن أن نصرفها في ما ينفع، وكتب نحتفظ بها كشيء ثمين يعزّ علينا التفريط فيه. تلك من البَدَهيّات التي يعرفها القاصي والدّاني، ولكن ما يجدر الحديث فيه هو لماذا نعود إلى كتب دون سواها؟ وما الغاية من إعادة قراءة كتب كنّا اطّلعنا عليها، من زمن قريب أو بعيد؟ وعَمّ نبحث فيها بالضبط؟ وهل أن في إعادة القراءة تكرارا أم أنها فعل قراءة جديد؟

تقول الباحثة الفرنسية لور مورا، في كتابها الأخير “إعادة القراءة، بحث في الشغف بالأدب”: إن من يحتفظ بكتاب اقتناه إنّما يبحث عن تأويل انقضى وانفعالات ولّت، ويحاول الإمساك بمرحلة لم يعد لها وجود، ما يجعل عملية إعادة القراءة لا تتوجه فقط إلى الماضي، بمعنى التذكر الأفلاطوني (التي تؤكد أن معرفتنا للحقيقة هي ذكرى حالة سابقة، نظرا لأن الروح، قبل أن يتقمّصها جسد، كانت تعيش في اتصال مباشر مع الأفكار الخالصة )، بل تتوجه أيضا إلى المستقبل، أي أنها قراءة جديدة تُنتج المغاير والمختلف، بالمعنى الذي عبّر عنه رولان بارت في قوله “كلما وُجد تكرار، وُجد اختلاف”، حيث يغدو النصّ متعدّدا، يجمع بين الأصل والجديد. فكم من كتاب قرأناه في شبابنا ترك فينا انطباعا غامضا لم نستطع تبيّن كنهه ولا هتك حُجبه، ثم اكتشفنا بالعودة إليه في الكبر أسراره وغنمنا جواهره المخفية، أو بعضا منها على الأقل. والعكس صحيح، فكم كتابا انبهرنا به ثم بانت لنا مع تجربة الأعوام هناته، لأن ظروف التقبل في الحالين ليست هي نفسها.

وإذا كانت الأعمال العظيمة قد ترغّب المبتدئين في الكتابة (كما هو الشأن مع أغلب الكتّاب في تجاربهم الأولى)، أو تعيد المتمرسين إلى القراءة بعد هجران كما حدث لتـومـاس مان عند قراءته رائعة هرمان هيسـه “ذئب السهـوب”، فإن بعـض الكتـاب يعودون إليها ليستلهموا منها ما يفيدهم في صياغة عمل جديد على الوجه الذي يرضيهم، على غرار يشار كمال الذي اعترف مرة بأنه، عندما يهمّ بتأليف رواية جديدة، يعيد قراءة روايات دوستويفسكي وفوكنر، فيستهدي بالأول في عمق تحليله لنفسية أبطاله، وبالثاني في لغته وسرده المميز.

وفي شتى الأحوال، لا غنًى عن إعادة القراءة، لأنها تزيل عن الأعمال المتهافتة هالة غير مستحقّة، وتستكشف في الأعمال الجليلة أسرار عبقريتها، أو ما تسمّيه لور مورا “أسرار الصنعة”.

كاتب من تونس مقيم في باريس

15