إعادة بناء جدار برلين روائيّا

حكاية أسرة ألمانية شرقية تستعيد الماضي الذي لا أحد يرغب في تذكره.
الأحد 2019/12/22
جنود ألمان شرقيون عند الجدار في أواخر لحظات الانقسام الألماني

لا يختفي تأثير التحوّلات التاريخية الكبرى عن حياة الشعوب والأفراد ببساطة، بل يدوم طويلا، ويعود إلى إنتاج نفسه بصور مختلفة، بحيث يظلّ متجدّدا يطلّ برأسه بين حين وآخر من خلال تمثّلات أدبية وفنية عديدة.

من التحوّلات التي مثّلت منعطفا في التاريخ الحديث، سقوط جدار برلين سنة 1989؛ هذا الجدار الذي ظلّ حاضرا رمزيّا في نفوس أولئك الذين عاصروا بناءه وشهدوا سقوطه، وبين البناء والسقوط كانت هناك حيوات تُتلف، وأخرى تندثر وتتبدّد في معمعة الاستعداء أو دائرة الترقّب والانتظار.

هل انتهى تأثير جدار برلين بمجرّد سقوطه؟ كيف أعاد الروائيون بناء الجدار بطريقتهم الروائيّة؟ هل باستعادة تأثيرات الجدار من منطلق تجديد الاستعداء أو للحضّ على الاعتبار واستلهام الدروس التاريخية؟ إلى أيّ حدّ تمكّن الروائيّون من ترميم تصدّعات الجدار النفسية التي خلّفها الجدار بحضوره المادّيّ والرمزيّ؟

جدار نفسي

تناول الألماني مكسيم ليو في روايته “ليكن قلبكم مستعدا – حكاية أسرة ألمانية شرقية” وقائع ومحطات من الحرب العالمية الثانية، وسقوط النازية وتفكك ألمانيا، وكيف قامت جمهورية ألمانيا الشرقية الديمقراطية، وبعدها سقوط جدار برلين، وتفكك الاتحاد السوفييتي.

يقتفي ليو في روايته حكايات أسرته الألمانية الشرقية؛ يعود إلى جده غرهارد القابع في المستشفى، وقد أصيب بجلطة دماغية عطبت مركز اللغة في دماغه، ولم يعد قادرا إلا على التعبير إلا عن عواطفه، أما الجانب العقلاني فهو معوق. يخطر في بال الراوي أن الوضع كان معكوسا تماما.

وقائع تاريخية
وقائع تاريخية

يحمل عنوان الرواية تحذيرا مسبقا للقراء عبر الطلب منهم أن يكون قلبهم مستعدا، ويكون الاستعداد هنا لمجابهة حكايات صادمة من ماضي لا يراد تذكره واستحضاره، كما أنه يحض على ضرورة التحلي بالقوة لمواجهته وتعرية أوهامه ونزع القداسة أو الدناسة عنها، والنظر إليها بجرأة ومقاربتها بشجاعة بغية تخطي المحن والكوارث التي خلّفها ولا تزال تداعياتها وتأثيراتها حاضرة في حياتهم.

يرجع ليو إلى مرحلة الانقسام التي شطرت ألمانيا، لا من الناحية الجيوسياسية فحسب، بل أيضا من الناحية النفسية التي لا تزال تأثيراتها مستمرة ومتفعّلة في أذهان الجيل الذي عاش نكبة الانقسام، ومرّ بالحقبة الانتقالية، وتحطيم جدار برلين، ثم حاول التحايل على ماضيه بمفارقاته وفجائعه عبر تناسيه والمكابرة عليه.

يلفت الروائي إلى أن الجدار النفسي الذي تشاهق وارتفع عبر التراكم الزمني لا يقل خطورة عن الجدار الحقيقي الذي انهار، لكن النفسي ظلّ منتصبا يلقي بظلاله على ذاكرة الأجيال الجديدة، ويحاول الحث على الاعتبار واستلهام الدروس والحكم. ويشير إلى أنه بعد ثماني عشرة سنة من سقوط جدار برلين غاب البطل الصارم. كان يجلس أمامه رجل عاجز يستحق المحبة. عند وداعه تعانقا. تمنى لو يعود إلى جمهورية ألمانيا الديمقراطية كي يفهم ما الذي حصل حقيقة هناك مع جده ووالده ومعه، ما الذي أدى إلى تباعدهم عن بعضهم بعضا، وما الذي كان على تلك الدرجة من الأهمية حتى جعلهم غرباء عن بعضهم بعضا كذلك.

وبالرغم من أنه مضى وقت طويل على انهيار جمهورية ألمانيا الديمقراطية إلا أنها لا تزال حية في إطار أسرته، وإلى حد كبير مثل روح هائمة لا تجد إلى الراحة سبيلا. وفي وقت ما بعد أن انقضى كل شيء توقفت الأحاديث عن معارك تلك المرحلة، لربما أمل الجميع بأن الأمور ستحل نفسها بنفسها، بحيث يشفي الزمن الجديد جراح الماضي، لكن المسألة لازمت الراوي بإلحاح، فراجع الوثائق الرسمية ونبش في خزائن وصناديق، فعثر على أوراق وملفات سرية مخبأة.

ارتحل الراوي إلى الماضي ليكشف النقاب عن المخبوء الذي لا يراد الحديث عنه، التأم شمل الأسرة المصغرة، وكأنها كانت في انتظار الظهور مرة أخرى لتبدي نفسها من جميع الجوانب، ولتصحيح بعض الأمور، وربما للتنفيس عن بعض الغضب والحزن الذي ما زال قائما.

درب التحوّل

لقطة احتفالية لجدار برلين في الحاضر
لقطة احتفالية لجدار برلين في الحاضر

أمّا الألمانية ريكاردا يونجه فإنّ الرواية تمثّل بالنسبة لها رحلة بين طيات التاريخ الألماني الحديث، ونافذة للغوص في بنية المجتمع الذي عانى من الانقسامات والشروخ والعداوات، وسبل البحث عن آليات لتهدئة المخاوف المستقرة في النفوس، والتي تلقي بأعبائها على كواهل المكتوين بنيرانها تاريخيا.

أثارت الروائية أسئلة عن كيفية تأثير جدار برلين وانهياره على جيل بأكمله اجتماعيا ونفسيا، وكيفية بدء التحولات الاجتماعية بناء على تلك التأثيرات الناجمة عن الجدار الذي تضخّم نفسيا وأصبح عائقا بين المرء وتاريخه، ناهيك عمّا خلّفه من شروخ نفسية عميقة في الوجدان، وبين الأهل الذين تناثروا على طرفيه.

تستوحي يونجه أجواء روايتها “آخر الأيام الدافئة” من سيرتها الحياتية، وخاصة مرحلتي الثمانينات والتسعينات من القرن العشرين، بالضاحية الأكثر ثراء في مدينة فيسبادن، كما تعود بالتاريخ إلى عام 1961 قبل بناء الجدار مباشرة، وتلتقط الآثار النفسية والتاريخية على البشر والأمكنة معا.

تصف الكاتبة حالات من الحب والحزن والقهر والخيانة، وكيف أن السياسة أنتجت كوارث عائلية، ولعبت دورا سلبيا في تفتيت المجتمع، وتقسيمه، ودفعه إلى الاستعداء والتعارك، وما تلا ذلك من خلافات لا تزال آثارها تحفر عميقا في الأرواح. وتحيل إلى انعكاس الأمور، وانقلاب المفاهيم والقيم لدى بعض الناس، فئات وجدت نفسها في أتون الانقسام، فحاولت تصحيح الأوضاع، لكنها وقعت في فخاخ الواقع التي لا ترحم، ولم يكن أمامها إلا المضي في درب التحول عسى أن تعثر على مخارج للاستدلال إلى التصالح مع نفسها وواقعها.

تصوّر الكاتبة عددا من التحولات الاجتماعية بعد انهيار جدار برلين، والعودة إلى ألمانيا الموحدة، وما صاحب تلك التحولات من تغييرات طالت مختلف الشرائح الاجتماعية التي وجدت نفسها في مواجهة واقع جديد مختلف، وعليها التأقلم معه بطريقة تخفف من الصدمات التي قد تنجم، وتهدئ من مخاوف التغيير بطريقة حذرة. بالموازاة مع التحولات الكبرى، تركز يونجه على التغييرات التي اجتاحت الأفراد، وأعادت طرح أسئلة متجددة عليهم، أسئلة لا تخلو من أبعاد وجودية، وتروم البحث في المخبوء، وما يمكن أن يشكل نقاط تنافر بين الواقع والمأمول. وتتناول تاريخ العلاقة بين ألمانيا الشرقية وألمانيا الغربية من وجهة نظر فتاة غربية، تعود إلى خمسينات القرن الماضي وحتى الزمن الراهن، وكيف أن كل مرحلة تسم أبناءها، والمخضرمين الذين ينتقلون من مرحلة إلى أخرى، والأجيال الجديدة، بصفات وملامح مختلفة.

وتتقاطع آنا بطلة يونجه مع سيرتها إلى حد بعيد؛ تنحدر أسرتاهما من الشرق وآباؤهما قساوسة، وتتمتعان بشغف للكتابة منذ نعومة أظافرهما، ودرستا في معهد الأدب الألماني في لايبتسيغ، إلا أن ريكاردا يونجه درست بعد ذلك علم اللاهوت البروتستانتي.

ولعلّ تجلّي محطات سيريّة لدى كل من مكسيم ليو ومواطنته ريكاردا يونجه، في روايتيهما يجعل منهما نموذجين للروائيين الذين يقرّرون مواجهة الذاكرة بكلّ حمولتها، لم يتعاميا عن تأثير تحوّل تاريخيّ مفصليّ على حياتهم، ولم يحاولا الهروب إلى الأمام، وكأنّ سقوط الجدار كفيل بإخفاء التداعيات التي كان أنتجها بناؤه.

وعلى الرغم من الأسى الذي يحضر لدى كلّ من المبدعين، إلّا أنّ استعادة جدار برلين وترميمه رمزيّا وروائيّا لاستقاء العبر والدروس منه، يأتيان في سياق الانفتاح على التاريخ ووجوب التحلّي بالمسؤولية والجرأة على فتح ملفّاته، وعدم التغاضي عمّا يخلّفه من تأثيرات عميقة في النفوس.

لقطة احتفالية لجدار برلين أول السقوط
لقطة احتفالية لجدار برلين أول السقوط 

 

11