إعادة تشكيل الخارطة الإعلامية التركية لمصلحة السلطان

انتقال ملكية دوغان الإعلامية المستقلة للحكومة، سيسمح بتشديد قبضتها على الإعلام في وقت حساس جدا قبل الانتخابات الرئاسية العام المقبل.
الجمعة 2018/03/23
الصحافة وراء القضبان الرقابية

إسطنبول (تركيا)- يسعى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى إحكام قبضته على الإعلام عبر وسطاء مقرّبين يسيرون في فلكه، ويتضح ذلك جليا في صفقة بيع مجموعة دوغان الإعلامية المستقلة، إلى مجموعة دميروران، ما يجعل “وسائل الإعلام المستقلة” في تركيا مجرد تسمية لا أكثر.

وأعلنت شركة دوغان القابضة في بيان عن إتمام الاتفاق بشأن كافة تفاصيل الصفقة مع مجموعة دميروران التي يملكها قطب الأعمال أردوغان دميروران، ويتمتع ابنه يلديريم بنفوذ كبير كرئيس للاتحاد التركي لكرة القدم. وهو زائر دائم للقصر الرئاسي.

في المقابل لا يقيم آيدين دوغان، مؤسس مجموعة دوغان، علاقات جيدة مع أردوغان وحزبه العدالة والتنمية منذ وصول الحزب للحكم في العام 2002. وبهذه الصفقة تعود مجموعة دميروران إلى استكمال ما بدأته قبل سنوات حين استحوذت على صحيفتي مليت وفاتان، عام 2011 من أمبراطورية دوغان الإعلامية، وتحولتا إلى منابر موالية للنظام التركي منذ ذلك الوقت، وتحدثت وسائل الإعلام حينها أن سبب البيع هو تسديد الضرائب التي طالبت بها المالية التركية مجموعة دوغان.

 

ضمن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ولاء مجموعة جديدة من أكبر الإمبراطوريات الإعلامية في البلاد، وأصبحت تسير ضمن القافلة الإعلامية “المطيعة” بعد أن أرهقها بالضرائب، في رسالة موجهة لباقي المنابر المستقلة المتبقية

وبدأت معاناة المجموعة مع الضرائب منذ العام 2009، حين تعرّضت دوغان القابضة، التي تتولى أيضا مصالح في مجالات الطاقة والتجارة والتأمين، لغرامة قياسية بلغت 2.5 مليار دولار بعد إدانتها بالتهرب من الضرائب، ما أثار جدلا حول الضغوط الحكومية على وسائل الإعلام.

ويقول متابعون إن المطالبة بضرائب باهظة جاءت على إثر تغطية مكثفة لوسائل الإعلام التابعة للمجموعة لوقائع أحداث تهمة وجهتها محكمة ألمانية إلى أتراك على صلة وثيقة بقادة حزب العدالة والتنمية باختلاس أموال من خلال جمعية خيرية عام 1997. فيما نفت الحكومة الادعاء قائلة أن الأمر لا يعدو أن يكون سوى إجراء قانوني طبيعي والمجموعة مطلوبة بتسديد ديونها من الضرائب.

وتضم شركة دوغان التي تأسست عام 1980 مجموعة كبيرة من القنوات التلفزيونية والصحف ضمن الأكثر متابعة في تركيا، مثل صحيفة حرييت اليومية، وصحيفة فاناتيك الرياضية اليومية، وقناة سي ان ان ترك ومحطة قنال-دي. وبينما ليس من الممكن اعتبار حرييت وسي ان ان ترك بأي حال معارضتين للحكومة، إلا أنه ينظر إليهما باعتبار سياستهما التحريرية مستقلة نسبيا في السنوات الأخيرة. رغم ما واجهتاه من ضغوط متزايدة بعدما شهدت تركيا توقيف العشرات من الصحافيين، خاصة منذ المحاولة الانقلابية الفاشلة عام 2016.

وسيسمح انتقال الملكية، الذي أعلن عنه الأربعاء، للحكومة بتشديد قبضتها على الإعلام في وقت حساس جدا قبل الانتخابات الرئاسية العام المقبل. وعلق الصحافي التركي البارز قدري غورسيل على تويتر الذي أطلق سراحه من السجن نهاية العام الفائت “بهذه الصفقة سيخضع 90 بالمئة من الإعلام التركي لسيطرة الحكومة”.

وتقدر قيمة مجموعة دوغان للإعلام بنحو 1.2 مليار دولار، لكن هذا المبلغ ينخفض إلى 890 مليون دولار بعد خصم الديون المستحقة عليها، بحسب البيان. وذكرت وسائل إعلام تركية أن دمير أورين سيكون بهذه الصفقة هو أكبر مالك للمؤسسات الإعلامية في تركيا.

وأشار مراقبون إلى أن صحيفة حرييت كانت حريصة في الأشهر الأخيرة على عدم إثارة غضب السلطات في تغطياتها الإخبارية، رغم استمرار عمل بعض الكتاب الناقدين فيها. وتأتي هذه الصفقة في وقت تحاول فيه السلطات التركية تشديد الرقابة على التغطية الإعلامية لعملية غصن الزيتون التي ينفذها الجيش التركي في عفرين السورية، ومحاصرة وسائل الإعلام التي تطال العملية بأي انتقاد.

وكانت مجلة ذي إيكونوميست البريطانية، نشرت مؤخرا، مقالاً بعنوان “الإعلام: لا أحد في تركيا على نشر الحقيقة بشأن العملية في سوريا”، يسلط الضوء على كيفية تناول الإعلام التركي للعملية. وأشارت المجلة إلى أن عدم تناول الأخبار بصورة صادقة هو إجراء احترازي في الوقت الذي يقبع فيه أكثر من مئة صحافي داخل السجون.

مجموعة دميروران المقربة من أردوغان تستكمل ما بدأته قبل سنوات بالاستحواذ على أكبر مجموعة إعلامية في تركيا

وذكّرت المجلة باجتماع رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم بممثلي وسائل الإعلام في بداية العملية العسكرية وتوجيهه إليهم تعليمات بشأن كيفية تناول العملية العسكرية القائمة في عفرين مفيدا أن أحد المشاركين في ذلك الاجتماع أشار إلى تلقي المراسلين تعليمات بعدم تجاهل المصالح القومية للتركية والتعامل مع الأمر بحذر باعتبار الأخبار التي ستداولها الصحافة الدولية منصة للترويج للإرهاب.

وأوضحت ذي إيكونوميست نقلا عن صحيفة أفرنسيل التركية أن الإعلام التركي باستثناء بضعة مؤسسات إعلامية التزمت بتعليمات الحكومة، ونوهت أيضا إلى وجود أكثر من مئة صحافي داخل السجون في تركيا وأن أردوغان يرغب في المضي قُدما على هذا المنوال مؤكدة أن الاعتقالات هي سلاحه الأخير.

وأضافت أن البنية الاقتصادية للإعلام التركي تلعب دورا في إعداد الأخبار التي ترغب فيها السلطات، مفيدا أن الشيء الوحيد الذي يضمن حصول السلطات التركية على الأخبار التي ترغب فيها هو نظام التحفيز والترهيب الأكثر لباقة.

وأوضحت أن أصحاب كبرى المؤسسات الإعلامية التركية هم رجال أعمال كبار، ولهم مصالح في قطاعات أخرى كذلك، مثل التعدين والبناء والنقل البحري مؤكدة أنهم لا يرغبون في خسارة المناقصات التي تفتحها الدولة.

وذكرت ذي إيكونوميست أيضا أن الخبراء المنتقدين للحكومة لا يظهرون على شاشات التلفاز وأن المراسلين المفصولين من أعمالهم يعجزون عن إيجاد فرص عمل أخرى بينما يتنقل الآخرون بين الدعاوي القضائية ناقلة عن أحد المراسلين قوله “إن تركيا لم تعد بحاجة إلى فرض رقابة إعلامية، لأن الصحافيين يعرفون المطلوب منهم”.

وتم توقيف العشرات من الصحافيين في تركيا في أعقاب محاولة الانقلاب في يوليو 2016 بهدف الإطاحة بالرئيس رجب طيب أردوغان، فيما اتهمت الحكومة حركة الداعية عبدالله غولن المقيم في الولايات المتحدة بالوقوف وراء ذلك.

18