إعادة تعريف المدير

من الجيد أن يتحلى المدير بدرجة معتدلة من الصرامة لفرض النظام العام للمؤسسة وضمان سير العمل لكن البعض يفرط في تلك الصفة ويبالغ في توبيخ الموظفين وانتقاد أدائهم.
الثلاثاء 2019/10/15
تخيل وردي بشأن شخصية المدير القادرة على خلق بيئة عمل متوازنة

ليس من قبيل الاعتباط أن تحتفل العديد من الدول باليوم العالمي للمدير، الذي يحل في السادس عشر من أكتوبر من كل عام، فهذه الاحتفالية التي أقرتها الولايات المتحدة الأميركية عام 1958، ثم تحولت بداية من عام 1962 إلى موعد سنوي يحتفي فيه الموظفون بمدرائهم، بلا شك ثمة وراءها سبب وجيه وقوي، وهو تحسين العلاقات الداخلية بين المدراء وموظفيهم، وتخليص بيئات العمل من الكراهية والازدراء والدسائس المستشرية في أروقة الشركات والمؤسسات.

مجرد الحديث عن الاحتفالية ربما يثير خليطا من المواقف المستهجنة والمتهكمة في بعض الأوساط الاجتماعية والمهنية، وقد تلحق هذه المناسبة بقائمة البدع التي تطول ولا تنتهي في مجتمعاتنا العربية، كما سبق ووصف عيد الحب وعيد الأمهات وغيرهما من الاحتفالات والمناسبات العالمية، التي تحمل في طياتها الكثير من المعاني والقيم الإنسانية النبيلة، غير أن أصحاب الأفكار المتعنتة والمتطرفة، لن يرتاح لهم بال إلا بعد أن يصبغوها بتلاوين النعوت المنفرة والمنكرة، التي لا مجال فيها للحلول الوسط، رغم أنه من الممكن اغتنام هذه المناسبة لإحداث تغيير إيجابي في العلاقات الاجتماعية والمهنية بين الموظفين وأرباب العمل.

المشكلة الحقيقية تكمن في أن الواقع قد يكون أحيانا بعيدا كل البعد عن أي تخيل وردي بشأن شخصية المدير القادرة على خلق بيئة عمل متوازنة، وخالية من الصراع والتصادم بين ومع الموظفين، ومحفزة على الإبداع، فالبعض من المدراء يتسمون بالتسلط والتعالي والغرور، ولا يظهرون قدرا من الاحترام للموظفين، ويثمنون جهودهم أو يكافؤونهم على النجاح الذي يضفونه على مؤسساتهم، ويعد ذلك سببا كافيا لعدم اهتمام الموظفين بخطط المدراء وتطلعاتهم، وقد يخفض ذلك من إنتاجياتهم، ويصبح العمل بالنسبة للكثيرين منهم عبئا ثقيلا يحاولون إنجازه بلا حب ولا تميز.

يقال دائما، إن عالم المال والأعمال لا تحكمه العواطف والمشاعر، والعلاقة بين المدراء والموظفين تخضع على الأغلب وعلى مستوى العالم بأسره لعملية حسابية، ويفترض أيضا أن سمتي الود والكفاءة في العمل ترتبطان معا بصورة سلبية، لكن يبدو أن هذه المعادلة غير صحيحة وخسارتها باهظة، فرغم أن الكثير من الموظفين قد يتأقلمون مع المعاملة القاسية، إلا أن ذلك يدفع البعض منهم إلى التغيب عن العمل باستمرار، بسبب ما يمكن أن يصيبهم من أمراض وشعور بالاكتئاب جراء تلك المعاملة القاسية التي يتعرضون لها من قبل مدرائهم.

وعندما يتغيب الموظف كثيرا بسبب ما، فإن ذلك يجعل منه شخصا لا يمكن الاعتماد عليه بنظر المدير، فتكون النتيجة هي خصم الراتب أو الطرد من العمل، وفي جميع الأحوال، فإن التعامل بهذه الطريقة للتصدي للمشكلة، سينشر رسالة من شأنها أن تقتل الروح المعنوية لدى الموظفين، وبالتأكيد فإن ذلك سيؤثر على المؤسسة، وهو أمر ليس بالجيد بالنسبة لأي مدير.

في عام 2017 نشر بوب ساتون، أستاذ علوم الإدارة الهندسية بجامعة ستانفورد، دليلا حول كيفية مواجهة ما أطلق عليه اسم “دليل الحمقى للبقاء”، ليرد من خلاله على الرسائل الكثيرة، التي وصلته عبر البريد الإلكتروني من أشخاص يسألون عن الطريقة المناسبة للتعامل والتكيف مع المدراء المتسلطين، الذين يسيؤون إلى موظفيهم في بيئة العمل.

من الجيد أن يتحلى المدير بدرجة معتدلة من الصرامة لفرض النظام العام للمؤسسة وضمان سير العمل على أكمل وجه، لكن البعض يفرط في تلك الصفة ويبالغ في توبيخ الموظفين وانتقاد أدائهم، ويصبح الأمر أشبه بـ”احتجازهم رهائن”، مما يجعل أي شخص في مكان العمل يشعر بالضغط والإجهاد.

الطريقة التي تتسم بالمرونة وبالرفق في التعامل، يمكن أن تجعل الموظف أكثر أريحية وإنتاجية، وبالتالي، تخلق ثقافة إنسانية قوامها الإخلاص في العمل، فقد تبيّن لي بعد سنوات طويلة من العمل في صحيفة العرب، أن العديد من الأساطير المصاحبة لما يمكن أن يكون عليه المدير ليست صحيحة تماما، فمديرنا شخص رائع حقا، وأعتبر نفسي محظوظة جدا لأنني عملت معه، لقد استطاع أن يقوض تلك الفكرة التي أحملها بذاكرتي والتي مفادها أن “الترهيب من صفات المدير”، فمديرنا شخص متعاون، ويعمل دائما على خلق بيئة مرنة للعمل الجماعي، ليكون فيها الموظفون في حال أفضل كل يوم.

أعتقد أن الفيلسوف الصيني منسيوس محق حين قال “ليس هناك وصف للقائد أعظم من أنه يساعد رجاله على التدريب على القوة والفعالية والتأثير…”.

فإذا أراد المدير الحصول على قوى عاملة أكثر إنتاجية، واستغلال مواهب كل موظف بطريقة تفجر الطاقات الكامنة لديه، فما عليه سوى إعادة النظر في فكرته عن الإدارة.

21