إعادة كتابة الأعمال الأدبية بين إثارة الدهشة ورفض القارئ

باتت فكرة إعادة الأعمال الأدبية القديمة في ثوب جديد تمثل هوس الكتّاب حاليا، وإن كانت ليست بجديدة تماما، حيث سبقهم العديد من الكتّاب إلى هذه الخطوة، على قلتهم. لكن تبقى إعادة نشر عمل قديم مع التطوير أو التغيير فيه، تثير جدلا واسعا بين من يرى أنها تفقد العمل روحه التي قبلها القارئ بعيوبها وحسناتها، وبين من يرى أنها مغامرة يمكن خوضها والاستفادة منها.
السبت 2016/09/10
العودة إلى الخلف

فكرة إعادة الأعمال من جديد قد يراها البعض نضوبا لمعين الإبداع، وهو ما يرفضه المبدع نفسه، الذي يلجأ إلى إعادة نشر عمل سابق له، ولكن بصياغة عصرية، بعد فرد قماشته وزيادة في التفاصيل، في مقابل هذا الرأي هناك مَن يرى أنّها مغامرة من قبل الكاتب، فإعادة عمل سبق وأن قرأه الجمهور، تتطلب مواصفات جديدة لكي يقبل الجمهور بأن يقرأ نصّا سبق له أن قرأه.

ليست جديدة

أعاد هذه القضية للمناقشة من جديد الكاتب ومترجم قصص الخيال العلمي، أحمد خالد توفيق في روايته الجديدة التي نشرها مؤخَّرا بعنوان “في ممر الفئران” والتي صدرت عن دار الكرمة 2016، فالكاتب لم يُقدّم نصا جديدا في إطار عالم الكابوسية التي هي منطقته الأثيرة، وقدَّم فيه أعمالا عديدة، وهي ما عرفت باسم سلسلة ما وراء الطبيعة، وإنما أعاد الكاتب كتابة رواية “أرض الظلام” من جديد، وهو ما يعترف به المؤلف في مقدمته دون مواربة وإن كان ثمّة حذر كما يُفهم من استدعائه لأسماء مَن سبقوه وفعلوا مثلما فعل، فيقول “هذه الرواية معالجة أطول وأعقد لقصة أسطورة ‘أرض الظلام’ التي سبق نشرها ضمن سلسلة ‘ما وراء الطبيعة’، وهي الرواية التي كانت تدور حول سالم وسلمى اللذيْن جاءا من أرض تشبه أرضنا وتزوجا في أرض الظلام، بعد أن قرّر أحد المجانين أن يستغل سقوط نيزك على الأرض وأن يستخدم الظلام لصالحه ويستعبد البشر جميعا ويُساهم في جعل الظلام الذي يتخبطون فيه دائما”.

إعادة نص قديم على الرغم من أنها قد ترضي الكاتب شخصيا، لو استطاع أن يطبقها، إلا أنها لا ترضي القارئ

عندما صدرت الرواية لاقت إعجابا كبيرا من قبل الناشئة التي تحن إلى قراءة مثل هذه النوعية من الإبداع، وهو ما حَفَّزَ الكاتب على مغامرته الجديدة، بأن يراهن على الصياغة الجديدة التي قَلَبَ بها الرواية، بدءا من العنوان وصولا إلى المحتوى، حيث يقول “مَن قرأ الأسطورة من الشباب فسوف يجد اختلافا جذريّا في العمق والحبكة والنهاية، أما مَن لم يقرأها فهو على موعد مع رواية جديدة أرجو أن تروق له”.

حالة الحذر من عدم تقبل المغامرة التي أشرنا إليها سابقا جعلت الكاتب في مقدمته يسوق الأسباب التي دفعته إلى إعادة كتابة روايته، وتغيير الكثير من تفاصيلها، فيقول “إن الفكرة بدت لي في رمزيتها ملامسة للواقع السياسي الذي تحياه شعوبنا العربية حاليّا في مخاضها نحو الحرية والقيم الإنسانية العالمية، فهي بذلك تربة صالحة وملائمة لاستخدامها بشكل أكثر عمقا من أن تكون قصيرة ومقتضبة”.

وفي حديث الكاتب يبدو هو ذاته غير مقتنع بهذه المبررات التي ذكرها لتبرير إعادة نشره رواية سابقة، فعمد إلى تحصين كلامه للدفاع عمّا فعله، بالاستدلال بأعمال غربيّة قام مؤلفوها بفعل ما لجأ إليه، وذكر على سبيل المثال شريدان لو فانو، صاحب رواية “كارميلا” وهو أوّل من طوّر قصة قديمة له، وقد ترجمها إلى العربية أحمد خالد توفيق في سلسلة روايات عالمية للجيب، وهي رواية تحكي عن عالم الغيلان، حيث يدور لقاء بين ربة قصر غامض وبين تلك الكائنة الغولة التي أعارت الرواية اسمها. ومنذ اللقاء بين الاثنتين تقوم بينهما علاقات غامضة مقلقة لا تتوقف عن النمو والتطوّر. وبعد فترة تُعلن صاحبة القصر الشَّابة أنّها باتت مسكونة، وأن ما يسكنها إنما ظلّ يتسلّل إلى أعماقها خلال نومها، وأن هذا الظل يصبح للمناسبة جزءا من شخصيتها يُملي عليها تصرفاته إلى آخر الحكاية التي تنتهي بمفاجأة.

ومن الأسماء التي يتحصّن بها أيضا روبرت هاينلاين، صاحب رواية “غريب في أرض غريبة”، والذي أدمج فصولا كاملة من قصص قديمة في قصصه الجديدة. ولا يقتصر الكاتب على من ذكرهم من كُتّاب عالميين والذين أقدموا على تغيير نصوصهم القديمة، ممَّن أوردهم في معرض دفاعه عن فكرته، بل ضمّ إلى هذه القائمة الكاتب المصري فتحي غانم، وذكر ما فعله في روايته “الرّجل الذي فقد ظلِّه”، حيث كَتب نفس القصة مرتين مع تغيير الراوي فيهما.

أحمد خالد توفيق لم يكن الأول

الحلقات المؤلفة

هذه الظاهرة رغم أنها حتى الآن حالات فردية إلا أنها آخذة في الانتشار، ولكنها أخذت صيغا مختلفة قبل أن تهتدي إلى إعادة قلب العمل القديم وإلباسه ثوبا جديدا. فمعلوم أن جيل الستينات من القرن الماضي من الكُتّاب بدأ في خوض عالم الكتابة من خلال كتابة القصة القصيرة، ومن باب القصة القصيرة دخل معظمه عالم الرواية، فهناك مَن طوّر إحدى قصصه لتكون روايته التي يقابل بها جمهوره، فعلى سبيل المثال رواية “مالك الحزين” لإبراهيم أصلان هي في الأصل استثمار لقصة قصيرة كتبها المؤلف، ثمّ طوّرها لتصبح النّص المتعارف عليه، وإن كان الكاتب أراد أن يتخذ لها عنوان “إمبامة مدينة مقفولة”، إلا أنه عدل عنه في النهاية وجعلها تحمل عنوان “مالك الحزين”. وبالمثل رواية يحيى الطاهر عبدالله الشهيرة بـ”الطوق والإسورة” 1975، حيث أنها قائمة بالأساس على قصص “الشهر السادس من العام الثالث”، و”الموت في لوحات” من مجموعة “الدف والصندوق” التي صدرت طبعتها الأولى عام 1974 عن وزارة الإعلام بالعراق، حيث لم يتوقف الأمر على إبراهيم أصلان ويحيى الطاهر عبدالله، وإنما ترددت مثل هذه الظاهرة عند غيرهما.

ومن الجيل السابق توجد الكاتبة لطيفة الزيات، فقد عمدت الزيات إلى ذات الشيء في عملها “حملة تفتيش.. أوراق شخصية”، فالعمل كانت نواته القسم الخاص بـ”سجن القناطر 13 نوفمبر 1981”، ثم أضافت إليه القسم الأول المعنون بـ”1973”، وهو بمثابة سيرة ذاتية غير مكتملة عن طفولتها وتجربة زواجها الفاشلة وحرب أكتوبر، ولكن مؤخَّرا عندما أعادت دار الكرمة نشر الكتاب من جديد، أضافت جزءا ثالثا، وهذا الجزء مرتبط بتجربة الكتابة بعنوان “تجربتي في الكتابة” وإن كانت نشرته الكاتبة في مجلة الهلال في “باب التكوين” إبّان صدور روايتها “صاحب البيت” عام 1994، ومن ثمّ مَن يقرأ النص في طبعته الجديدة يجده مختلفا عن الطبعات القديمة بزيادة هذا الجزء.

وفي مطلع التسعينات من القرن الماضي عادت الظاهرة من جديد على يد جيل من الكاتبات وسم بـ”كتابة البنات”، كما أسماها شكري محمد عياد في مقالة شهيرة له بمجلة الهلال. الشيء المهم أن هذه النصوص التي أخذت شكل كِتاب مع اختلاف في التسمية؛ رواية، سيرة روائية، حلقة قصصية، أو نصوص، كانت في الأصل محاولات قصصية استثمرتها الكاتبات في كتابة رواية أو ما أسمته بعضهن بحلقات مُؤلّفة كما أشارت إلى ذلك مي التلمساني، حيث قالت “القصص تتراكم منذ بدايتها على أنّها كلّ مُتصل، مثلما تؤلّف الرواية”. وهو ما تحقّق في تجربة مي التلمساني الأولى “دنيا زاد” التي كانت تجربة ذاتية، انطلقت في بدايتها مع قصة قصيرة بعنوان “سلة ورد”، لكنها استطاعت أن تجعل منها مخططا لمجموعتها “دنيا زاد” راعت فيها كيف يمكن أن تُشكّل هذه المجموعة كلاّ متّصلا أو حلقة، ونفس الشيء نراه مكررا عند زميلتها نورا أمين في روايتها “قميص وردي فارغ”، حيث نشرت قصتها المعنونة بهذا الاسم، ثم استثمرتها في مخطط روائي من خلال إضفاء بعض النصوص الأخرى بعد تجميعها وترتيبها، بحيث تشكل نسقا ما. كما نلاحظ هذا التمشي في رواية “ونسة” للكاتبة الصحافية سامية بكري، فالرواية في أصلها قصة قصيرة فازت بها الكاتبة بجائزة إحسان عبدالقدوس عام 2011، ثم مدّت من مساحتها السردية ببعض العناصر لتصير رواية قصيرة أو نوفيلا بالمصطلح النقدي الغربي.

إعادة قلب العمل القديم وإلباسه ثوبا جديدا

روايات المعارضة

قبل أن يصدر أحمد خالد توفيق عمله “في ممر الفئران”، كان الأديب السوداني أمير تاج السر قد سبقه وأقدم على ذات المغامرة، بإعادة كتابة روايته “صيد الحضرمية” التي صدرت عام 2004 عن مركز الحضارة العربيّة للنشر والتوزيع من جديد، وأسماها بعد التعديلات “اشتهاء” وقد صدرت عن دار السّاقي عام 2013، وهو نفسه يعترف بأنها مغامرة لإعادة كتابة روايته السابقة. ويعترف الكاتب السوداني بعد مغامرته من خلال سؤال وُجِّه إليه لماذا تمت إعادة كتابة الأعمال الروائية المنشورة سابقا؟، حيث أجاب بأنها مغامرة تستحق التكرار وإن كان يتخوّف بالأساس من القارئ وذائقته، فكما يقول “إن إعادة نص قديم على الرغم من أنها قد ترضي الكاتب شخصيا، لو استطاع أن يُطبقها، إلا أنها قد لا ترضي القارئ الذي عرف نصّا معينا وصادقه بحسناته وعيوبه”. وفي معرض تفسيره لمثل هكذا فعل يسوق الكاتب أمير تاج تبريرا لما فعله بالقول “غالبا ما تنشأ فكرة إعادة كتابة النص عند الكاتب، بعد أن يكون قد نضج كثيرا، وأصبحت له طريقته الخاصة عند الكتابة، حيث سيطالع نصوص البدايات وسيكتشف ثغرات ربما تحتاج لأن يُسدِّدها، لكن النص خارج سيطرته الآن في بداية الكتابة عموما”.

في الوقت الذي انهمك فيه الكتّاب العرب بإعادة كتابة أعمال سبق أن نشروها بما يتناسب مع الرؤية الجديدة والراهنة للواقع السياسي، كانت هناك محاولات جديدة ذات أهمية، تتمثل في معارضة الأعمال الإبداعية الكبرى، على نحو ما فعل الأفغاني عتيق رحيمي في معارضته لرواية “الجريمة والعقاب” لفيودور دوستويفسكي برواية “ملعون دوستويفسكي” التي صدرت بترجمة صالح الأشمر عن دار الساقي 2015. قدَّم رحيمي في الرواية تجربة أفغانستان المريرة عبر جريمة قتل تتماهى مع قتل راسكولنيكوف المرابية العجوز في “الجريمة والعقاب” لدوستويفسكي. فالكاتب جعل حياة بطله رسولا تحاكي حياة بطل دوستويفسكي. على نفس النهج، وإن كان بصيغة مختلفة، جاءت رواية الفرنسي من أصل جزائري كمال داوود “معارضة الغريب” وقد تبدو تجربة الروائية الأميركية كورتس سيتينفيلد مماثلة لما فعله الأفغاني عتيق رحيمي والفرنسي من أصل جزائري كمال داوود

وفي الأخير نقول إن محاولة إعادة الأعمال من جديد، على اختلافها، كما فعل بعض الكتاب على الرغم من أنها صالحة لإثارة الدهشة، إلا أنها لا تلقى القبول من القرَّاء الذين تعوّدوا على الجديد وإلا سيضع هذه المحاولة في إطار نضوب الإبداع وهي التهمة التي ينزعها الكُتّاب عن أنفسهم بكافة الأشكال. أما المعارضات فالحقيقة فإنها تلقى العكس تماما القبول بل البحث فيها حيل دفاعية للثأر للماضي كما حدث مع كمال داوود أو محاكمة الحاضر كما عند عتيق رحيمي.

15