إعادة نظر في النصر والهزيمة

النظر إلى النصر على أنه مجرد فرض الهزيمة على الطرف الآخر هو في الواقع أول الطريق لتحويل النصر إلى هزيمة وهذا ما فعلته الكثير من حركات الاستقلال الوطني التي حاربت الاستعمار.
السبت 2021/09/18
شعوب تعترف بعلوية ثقافة النصر

(أهم من النصر هو ما تفعله به. وأهم من الهزيمة هو ما تفعله بعدها).

يمضي الاستسهال أحيانا إلى الافتراض أن هزيمة الآخر هي انتصار لك. وهذا غير صحيح. ليست كلّ هزيمة للآخر نصرا لك. كما أنه ليست كلّ هزيمة هي هزيمة فعلا. وكذلك النصر.

الأميركيون يعترفون بأنهم هزموا في حرب فيتنام. ولكن لم يمض وقت طويل حتى أصبحت الولايات المتحدة أقوى مما كانت قبل العام 1975. الفيتناميون حققوا ما بدا أنه انتصار كبير، لأنهم فازوا بالاستقلال وباستعادة وحدة بلادهم. ولكن الأمر احتاج منهم سنوات طويلة قبل أن يصبحوا قادرين على بناء بلد مستقر وإن ظل فقيرا.

أهم من النصر هو ما تفعله به. وأهم من الهزيمة هو ما تفعله بعدها.

النظر إلى النصر على أنه مجرد فرض الهزيمة على الطرف الآخر، هو في الواقع أول الطريق لتحويل النصر إلى هزيمة. وهذا ما فعلته الكثير من حركات الاستقلال الوطني التي حاربت الاستعمار، ونجحت في طرده، ولكنها لم تعرف ماذا تفعل من بعد ذلك، أو أقامت أنظمة هشة، تعجز عن تسيير القطارات في مواعيدها، أو توفير خدمات أساسية مستقرة، أو احترام حقوق المواطنين، أو غرقت في نزاعات داخلية وخارجية لا نهاية لها، أو غير ذلك من أنماط الفشل.

قد يصعب حسبان الحساب لكل شيء في خضم أي معركة. ولكن الامتناع أو التعثر في حسبان الحساب، من بعد انقضاء المعركة، هو في الواقع وصفة لكارثة تدوم طويلا.

انظر إلى العراق. لقد تحرر من الاستعمار البريطاني في العام 1958. ولكن هذا البلد ظل يتنقل من مستنقع كارثي إلى آخر، حتى أصبح الكثير من مواطنيه يتأسفون على الاستقلال نفسه، رغم أنه كان حقا من حقوقهم الطبيعية.

يمضي الاستسهال أحيانا إلى الافتراض أن هزيمة الآخر هي انتصار لك. وهذا غير صحيح. ليست كلّ هزيمة للآخر نصرا لك. كما أنه ليست كلّ هزيمة هي هزيمة فعلا. وكذلك النصر

انظر إلى الجزائر. فهذا بلد يتخبط ولا يعرف ما الطريق الواجب الأخذ به لبناء مستقبل معقول. وعلى الرغم من موارده الطبيعية الكثيرة، فإن موارده البشرية تبدو محطمة وبلا أفق. وطبقة الحكم فيه تتصرف وكأنها طغمة لا تني تملي تصوراتها على الناس بالقهر والإهمال وفرض الأمر الواقع.

ومثلما حقق العراقيون “انتصارا” على بريطانيا في العام 1958، فهزموا أنفسهم به، فقد حقق الجزائريون “انتصارا” على فرنسا في العام 1962، فهزموا أنفسهم به أيضا.

الليبيون والسوريون انتهوا إلى ما هو أسوأ من مجرد الفشل في بناء دولة. إذ هدموا المجتمع نفسه.

الأسباب تتفاوت، وهي كثيرة طبعا، إلا أنها دائما ما كانت تنتهي عند طغمة تحدوها الأوهام والقناعات الأيديولوجية الراسخة رسوخ الإيمان، وتعتقد أنها هي الحقيقة التي ما بعدها حقيقة.

الذين قادوا دولة الاستقلال افتقروا إلى الرؤية الناضجة لبناء بلد على ركائز متينة. وظلوا يتناحرون على الأسس، تارة بدوافع أيديولوجية، وأخرى بدوافع انتهازية أو ضيقة الأفق.

بناء بلد ليس أصعب من بناء منزل. تحتاج أن تعرف ما لديك من موارد، وكيف توظفها. تحتاج أن ترسي الأسس، بما يكفي لتحمل ضغط الجدران عليها. وتحتاج خدمات و”بنية تحتية” تجعلها يسيرة ومستقرة، ونوافذ تطل على ما حولك، كما تحتاج نظام تشغيل قادر على فهم المتطلبات والتجاوب مع تغيرها. ومثلما أن الجدران جدران في النهاية، فآخر ما تحتاج أن تفعله هو أن تقيمها على افتراضات بعيدة عن التجرد. الجدار في أي بناء، لا يقوم إلا بتجرد يقتفي أثر التوازن والتماسك والاستقامة، وإلا فإنه سيميل ويقع.

وهناك الكثير جدا من الدول التي توفر لها النجاح بموارد محدودة، إلا أنها ضمنت لنفسها الاستقرار والتقدم لمجرد أنها أرست أسسا متينة.

الفلسفات كثيرة أيضا. ولكن أفضلها دائما هو ما يتعارف عليه المجتمع ويراه مناسبا له، ويضمن بقاء النوافذ مفتوحة.

والتحديات تأتي. وبعضها يكون خطيرا أحيانا. إلا أن مواجهتها بأسس راسخة ليس كمواجهتها من دون أسس.

بعض العواصف يمكنها أن تقتلع المنزل. إلا أنها لن تقتلع معرفتك بركائزه. كما لن تقتلع، بفضل تلك المعرفة، قدرتك على إعادة البناء.

مذهلة حقا، قدرة الولايات المتحدة في التغلب على الهزائم. مذهلة أكثر قدرتها على قلب تلك الهزائم إلى قوة. وهناك ما يبرر الافتراض، بأن المؤسسة السياسية الأميركية لا تعول كثيرا على فكرة “النصر” أو “الهزيمة”. لا تأخذها بالاعتبار كما نفعل نحن من أجل النشوة أو الخذلان. النتائج الملموسة، وتدابيرها أهم من نشوة التعبير عن “النصر”، وأهم من مشاعر الخذلان في “الهزيمة”.

مذهلة حقا، قدرة الولايات المتحدة في التغلب على الهزائم. مذهلة أكثر قدرتها على قلب تلك الهزائم إلى قوة. وهناك ما يبرر الافتراض، بأن المؤسسة السياسية الأميركية لا تعول كثيرا على فكرة “النصر” أو “الهزيمة”

الاكتفاء بالمشاعر، عمل من أعمال الغرائز. وهذه لا تبني ما يدوم. بل إنه ما من أحد ركض خلف غرائزه إلا وأورث لنفسه الخذلان.

غزو أفغانستان، نفسه، كان عملا من أعمال الغرائز. دافعها الرئيسي هو الانتقام من هجمات 11 سبتمبر. ولكن ها هي العاقبة. ولم يُفلح غزو العراق من بعد ذلك، للسبب نفسه.

تخطئ الولايات المتحدة كثيرا، بسبب دوافع وافتراضات نظرية وأوهام شتى قد تغذيها بعض مراكز الأبحاث المتطرفة، مثل تلك التي نظّرت لتبرير هذين الغزوين، بزعم الحاجة لإقامة أنظمة جديدة.

إلا أنها تتعلم. وتستخلص دروسا، وتبحث عن سبل لاستئناف القوة وتعويض ما ضاع من ثروات. وهذا عمل مؤسسي، يعود في جوهره إلى أنه جزء من طبيعة الأسس. وهي تقوى على الهزيمة، لأن المنزل متين، تغمره الحيوية، ونوافذه مفتوحة. بناؤها المؤسسي متين إلى درجة أنها تستطيع أن تنتخب للرئاسة أحمق أو أرعن، وقد فعلت ذلك أكثر من مرة، وتظل هي نفسها، قوية وقادرة على الاستدراك من دون أن تتغير الأسس.

حركات الاستقلال يمكنها أن تنجح، إذا ما وضعت الغرائز والانحيازات الأيديولوجية جانبا. فهذان مصدران للعمى عن الواقع وحقائقه.

لقد فات من الوقت الكثير. ولكن كيف يمكن القول لقادة الأحزاب، أو للفاعليات الاجتماعية، في العراق أو أفغانستان أو لبنان أو الجزائر، أو أي بلد زلت به القدم: تعالوا لكي نبني منزلا؟

ليس منزلا افتراضيا، بل منزلا فعليا، من حجارة وحديد وإسمنت وأنابيب ومسالك تصريف، وأساس وسقف يتحديان العواصف، وطريق، وأبواب ونوافذ، وحيث لا يمكنك أن تضع حجرا إلا في موضعه.

بناء دولة ليس أصعب من ذلك.

9