إعادة هيكلة الجهاز الحكومي في السودان حملة انتخابية مبكرة للبشير

الرئيس السوداني عمر حسن البشير تبنى في عملية إعادة هيكلة الحكومة أسلوبا لم يكن معتادا في السابق.
الأربعاء 2018/09/12
البشير يسعى لطمأنة الداخل والخارج

الخرطوم - تعتبر أوساط سياسية سودانية أن قرار الرئيس عمر حسن البشير بحل حكومة بكري حسن صالح، وتشكيل حكومة مصغرة برئاسة وزير الموارد المالية والكهرباء معتز موسى، لا يخلو من أبعاد سياسية ترتبط بالانتخابات الرئاسية التي ينوي الرئيس خوضها في العام 2020.

وتشير هذه الأوساط إلى أن عملية التغيير وإعادة الهيكلة الحاصلة في صلب الجهاز الحكومي وإن كانت في علاقة مباشرة بالأزمة الاقتصادية التي يرزح تحتها السودان ولم يجد إلى الآن الترياق المناسب لمعالجتها، يمكن أيضا إدراجها ضمن حملة انتخابية مبكرة للرئيس الحالي.

وكان مجلس شورى حزب المؤتمر الوطني الحاكم قد صوت بالأغلبية في أغسطس الماضي لصالح إعادة ترشح البشير لولاية رئاسية جديدة بعد تعديل النظام الأساسي للحزب، والذي سبقته حملة تغييرات طالت تقريبا جميع أجهزة الدولة.

ولم يعد أمام البشير سوى خطوة تعديل الدستور الذي ينص على حق الرئيس في الترشح لولايتين فقط، وتقول الأوساط السياسية إن البشير يدرك أن ذلك يبقى غير كاف في ظل الاحتقان الشعبي المتصاعد نتيجة الوضع المعيشي، كما أنه بحاجة إلى طمأنة الخارج، وفي هذا الإطار تأتي خطوة حل الحكومة المشكلة من 31 وزيرا وتعويضها بحكومة مصغرة تتألف من 21 وزيرا مع تخفيض كتاب الدولة إلى النصف.

ويلحظ المراقبون أن البشير تبنى في عملية إعادة هيكلة الحكومة أسلوبا لم يكن معتادا في السابق، إذ جرت العادة في السودان أن يكون قرار تشكيل الحكومة أو تعديلها داخل المكتب القيادي لحزب المؤتمر الوطني الحاكم حصرا، ثم يخرج إلى العلن.

لكن في هذه المرة، اجتمع الرئيس السوداني أولًا بـ”اللجنة العليا لتنسيقية الحوار الوطني”، وهي تضم الأحزاب التي شاركت في الحوار الوطني والحكومة، وتشاور معها في قرار حل الحكومة، وتقليص عدد وزرائها.

والحوار الوطني هو مبادرة دعا إليها البشير عام 2014 في محاولة لاحتواء المعارضة وتسويق صورة للخارج تفيد بأنه ينوي سلك درب جديد يقطع مع النهج الصدامي السابق مع القوى المناوئة لسياساته.

وانتهت فعاليات الحوار الذي قاطعته أبرز أقطاب المعارضة في أكتوبر 2016، بتوقيع ما عُرف بـ”الوثيقة الوطنية”، وتشمل توصيات بتعديلات دستورية وإصلاحات سياسية.

وبعد اجتماعه بلجنة تنسيقية الحوار الوطني، اجتمع البشير بأعضاء المكتب القيادي لحزب المؤتمر الوطني الحاكم (أعلى هيئة حزبية)، ليطلعهم على قراره تغيير الحكومة. ثم خرج نائب رئيس الحزب، فيصل حسن إبراهيم، مساعد البشير، معلنا موافقة المكتب القيادي للحزب الحاكم على قرار رئيس الجمهورية، رئيس الحزب، حل الحكومة وتسمية معتز موسى سالم رئيسا للحكومة المقبلة.

وإعلان الحكومة الجديدة بهذه الطريقة خطوة تبعث برسائل طمأنة إلى الداخل والخارج، حسب مراقبين؛ فالقرار لم يتم اتخاذه بصورة فردية، وإنما بالتشاور مع الشركاء السياسيين في تعزيز لنهج الحوار وتوسيع دائرة المشاركة في اتخاذ القرار.

مؤهلات معتز موسى رئيس الوزراء الجديد العلمية وخبراته السياسية تشكل عامل طمأنة، للشارع السوداني وللخارج

ولاقى القرار ترحيبا من الشركاء السيايين في البلاد، كما يتضح من تصريحات صحافية لمبارك الفاضل، نائب رئيس الوزراء السابق، رئيس حزب الأمة المشارك في الحكومة، عقب الاجتماع مع الرئيس السوداني. إذ قال الفاضل، الأحد، إن “القرارات الجديدة ستنهي عهد الترضيات السياسية”.

وأضاف مبارك الفاضل أن “الوقت قد حان لأن تدفع الحكومة الثمن، مثل ما يدفعه المواطن السوداني”.وعقب أداء نائبيه ورئيس الوزراء المكلف اليمين الدستورية، الاثنين، ركز البشير، في خطاب موجه إلى الشعب السوداني، على المصاعب الاقتصادية التي يواجهها السودان، معتبرًا أنها “لن تكون مصدر إحباط، بل تشحذ الهمم لتجاوزها”، في رسالة أمل أخرى إلى الداخل.

فتقليص وزراء الحكومة لضغط النفقات -وفق مراقبين- أمر إيجابي في ظل الوضع الاقتصادي الحالي الذي تمر به البلاد. وأكد البشير ، في خطابه، على هذا الهدف؛ إذ اعتبر أنه لا داعي إلى حكومة مترهلة، لافتا إلى أنه يعكف حاليّا على وضع وتنفيذ برنامج إسعافي عاجل لرفع مستوى الاقتصاد الكلي وتحسين معاش المواطنين.

وتشكل مؤهلات رئيس الوزراء الجديد العلمية وخبراته السياسية عامل طمأنة، أيضا، للشارع السوداني. فالرجل تخرج من كلية الدراسات الاقتصادية والاجتماعية في جامعة الخرطوم عام 1989، وحصل لاحقا على عدد من الدرجات العلمية، منها درجة الماجستير في الدراسات الاستراتيجية، وماجستير العلوم السياسية، والماجستير والدبلوم العالي في الترجمة.

وعمل دبلوماسيا برئاسة وزارة الخارجية في 1992، وشغل منصب قنصل في سفارة السودان بجمهورية ألمانيا الاتحادية 1994. وتدرج في المناصب إلى أن عُين وزيرا للموارد المائية والكهرباء في ديسمبر 2013، وظل في هذا المنصب حتى قرار تعيينه رئيساً للوزارة الأحد الماضي.

ومن النجاحات، التي تحسب للرجل، إدارته لملف أزمة “سد النهضة” بين مصر وإثيوبيا؛ حيث يقول مراقبون إن طريقة عمله أسهمت في تهدئة المصريين من جهة والإثيوبيين من الجهة الأخرى.

وشهد السودان، في الأشهر الأخيرة، أزمات متفاوتة في الخبز والطحين والوقود وغاز الطبخ، إضافة إلى عدم توفر السيولة النقدية وارتفاع سعر الدولار مقابل الجنيه السوداني في الأسواق الموازية (غير الرسمية) إلى أرقام قياسية تجاوزت أحيانا 47 جنيها مقابل الدولار الواحد.

ورغم رفع الولايات المتحدة للعقوبات عن السودان، لم يفلح ذلك في إنعاش اقتصاده، ويأمل السودانيون في أن تؤدي التغييرات الأخيرة إلى ضخ دماء جديدة وإنعاش اقتصاد البلاد.

2