إعداد المخبوزات بالبيت علاج جديد لضغوط كورونا النفسية

وقائع تاريخية كشفت أن الناس يهتمون بالخبيز في الأوقات العصيبة والشكوك بشأن المستقبل.
الأربعاء 2020/05/27
متنفس يكافح القلق

 لوس أنجلس – انتشر الاتجاه المتنامي لإعداد المخبوزات في المنزل على وسائل التواصل الاجتماعي بمجرد فرض الحجر الصحي للوقاية من فايروس كورونا المستجد، حيث حفلت هذه المواقع بأنواع متعددة من الوصفات لإعداد شتى أنواع الخبز والفطائر والحلوى بل والخمائر.

وعجت مواقع التواصل الاجتماعي بصور المخبوزات التي وجد فيها الملايين من الأشخاص المعزولين في منازلهم بسبب كوفيد – 19 متنفسا للضغوط النفسية التي عاشوها بسبب هذا المرض القاتل، ولاقت مادة الطحين طلبا لا نظير له في الكثير من الدول العربية وذلك لإقبال ربات البيوت على إعداد الكثير من الأطعمة المنزلية خلال الحجر.

وتشير وقائع تاريخية إلى أن الناس يهتمون بالخبيز في الأوقات العصيبة والشكوك بشأن المستقبل، ففي كتابهما “11 سبتمبر في الثقافة الشعبية”، قالت المؤلفتان ساره كواي وآمي داميكو إن مبيعات المواد الخام اللازمة للخبيز تزايدت بدرجة كبيرة في الأسابيع التالية للهجوم الإرهابي على مركزي التجارة العالمي عام 2001.

ودخل مفهوم “الخبيز عند القلق” الذي يصف مشاعر القلق التي تدفع إلى الخبيز وأيضا الفوائد العلاجية لهذا النشاط – إلى المفردات المتداولة عام 2018، وهو العام الذي ذكرت فيه رابطة المعالجين النفسيين الأميركية، أن الأميركيين يعانون من زيادة كبيرة في مشاعر القلق إزاء صحتهم وسلامتهم وأحوالهم المالية وعلاقاتهم والسياسات الحكومية.

وتوضح ليزا كرينغ وهي إخصائية اجتماعية بمدينة لوس أنجلس لديها ترخيص بمعالجة أصحاب المتاعب النفسية، أن “النشاط البدني مثل الخبيز والذي يستغرق المرء في تجربة مباشرة تستحوذ على الجسم والحواس، يعد مخففا وملطفا طبيعيا للقلق”.

وتشير كرينغ إلى أن عملية الخبيز تختلف عن أشكال الطهي الأخرى لأنها تعتمد بشدة على قياس المقادير وعلى عمليات دقيقة متعاقبة.

وتقول “هذه العملية تتضمن تمضية الوقت وخطوات متتابعة، وهذا يؤدي إلى المزيد من الاستغراق في المهمة، وعليك وقتها أن يكون ذهنك حاضرا ومنتبها وإلا فلن تحقق النجاح”.

ولكن ما الذي يخبزه الناس في معظم الأحوال؟ يقول بيل تاين نائب رئيس قسم التسويق بشركة فيرمونت لمكونات الخبيز، إن طرق إعداد الخبز والخميرة هي أكثر الوصفات التي تلقى إقبالا على موقع “كينغ آرثر فلور” الإلكتروني، الذي ينشر أكثر من ألف وصفة للمخبوزات.

ويضيف “الخبز هو مطلب تحتاجه وأحيانا يكون من الصعب الحصول عليه من متاجر البقالة، كما أن كثيرا من الناس يشعرون بالراحة عند خبزه”.

ويعكس تجدد الاهتمام بإعداد الخبز بالمنازل الرغبة في العودة إلى أساسيات الحياة وفقا لما تقوله كرينغ، وتضيف “الأمر كله يتعلق بالرجوع إلى الغذاء الأساسي للإنسان الذي نتطلع إليه الآن وهو رغيف الخبز، وأصبحنا نريد الطعام الأساسي وهو الخبز اليومي”.

وتتابع كرينغ “هذا الوقت الذي يسود فيه الهدوء والسكون، يجذبنا إلى مكان نرى فيه الأشياء الأكثر أهمية ونتخلى عن سواها”.

وقامت مؤخرا شارون لبليان، 46 عاما، وهي مساعدة مخرج تلفزيوني تقيم في مدينة سانتا كلاريتا بولاية كاليفورنيا بخبز أول أرغفة في حياتها. واستوحت لبليان الفكرة من صديق أرسل لها صورا على منصة للتواصل الاجتماعي لأرغفة خبزها بمنزله.

وحتى وقت قريب كانت لبليان مشغولة تماما بجدول أعمالها المزدحم في الإخراج التلفزيوني، مما جعلها تغيب عن منزلها معظم أوقات اليوم. ومع توقف نشاط الإخراج التلفزيوني إلى أجل غير مسمى مع تعليمات بالبقاء في البيت، ساعدها الخبيز على التغلب على الملل والنوعية المربكة لجدول أعمالها الجديد بالمنزل.

العودة إلى أساسيات الحياة
العودة إلى أساسيات الحياة

وعندما تعود ابنتها من المدرسة يصبح الخبيز نشاطا مشتركا يستمتعان به معا. وتشير لبليان إلى أن تعلم الخبيز هو الجزء الأسهل.

أما الجزء الأصعب فهو العثور على الخميرة من المتاجر، واضطرت أخيرا لأن تطلبها من موقع أمازون للتجارة الإلكترونية بعد أن فشلت في العثور عليها في المتاجر.

ويبذل الموردون جهدا كبيرا لتلبية الطلبات، كما بدأ هواة الخبز المنزلي في البحث عن طرق لإعداد الخميرة بأنفسهم. وهناك مشكلة أخرى تواجه أصحاب هذا الاتجاه الجديد، وهي ماذا يفعلون بهذا الكم الكبير من المخبوزات التي أعدوها؟

وفي هذا الصدد يقول إيرفين لين، 46 عاما، وهو مصمم يقيم في سان فرانسيسكو ومؤلف لكتب الطهي ضاحكا “ربما أذهب في نزهة قصيرة سيرا على الأقدام ثم أترك بعض المخبوزات أمام أبواب منازل أصدقائي، وربما فكرت أن أدق جرس الباب ثم أفر هاربا”.

تقوم جسيكا ريد بخبز كعكة كل يوم منذ أن أفسدت جائحة كورونا جدول نشاطها اليومي منذ عدة أسابيع. وتشتهر ريد التي تعرف باسم “مؤرخة الكعك” على موقع إنستغرام بتصميم أشكال فريدة من الكعك، تستوحيها من تدوينات من التاريخ والأدب إلى جانب نضالها الشخصي من أجل الحفاظ على صحتها العقلية، وتضخم إنتاجها من الكعك مؤخرا بما يتناسب مع الضغوط التي تعانيها من جراء أزمة كورونا.

وتقول ريد، 44عاما، وهي كاتبة حرة وفنانة تعيش في مدينة بورتلاند بولاية أوريغون الأميركية مع زوجها وابنتها، إنه مع “العيش وسط هذه الظروف حيث يبدو أن العالم كله يتعرض لهجمة من القلق، وجدت أن الطريقة التي أعالج بها مشاعر الخوف هي ممارسة نشاط الخبز”.

وأنتجت الشهر الماضي العديد من أصناف الحلوى مدفوعة بمشاعر القلق بسبب العزل الصحي والاجتماعي بالولاية، ومن بينها مخبوزات تحتوي على مكونات متنوعة ومنها فطائر محشوة بالتفاح المهروس الممزوج بعصير الليمون والروزماري، إلى جانب كعكة “اللصوص الأربعة” التي استوحتها من حكاية شعبية ترجع إلى العصور الوسطى عن الطاعون الدملي.

21