إعدامات بالجملة في العراق تبقي جرح مجزرة سبايكر مفتوحا

مجزرة معسكر سبايكر التي راح ضحيتها المئات من منتسبي القوات العراقية، ستظلّ جرحا مفتوحا حتى بعد إعدام المدانين بتنفيذها، كون حقيقة ما حدث بالمعسكر المذكور تبقى غائبة طالما التحقيقات والمحاكمات حصرت الجريمة في منفذيها المباشرين، ولم تنفذ إلى جوهر الأسباب التي أدّت إلى حدوث المجزرة، كما لم تحدّد مدى مسؤولية كبار القادة العسكريين والسياسيين عما حدث.
الاثنين 2016/08/22
أهالي الضحايا ينشدون الحقيقة قبل الإعدامات وبعدها

الناصرية (العراق) - قامت السلطات العراقية، الأحد، بإعدام 36 شخصا قالت إنّهم مدانون بتنفيذ مجزرة معسكر سبايكر التي راح ضحيتها المئات من الجنود قتلوا على يد مسلحي تنظيم داعش خلال غزوه مناطق عراقية بما في ذلك محافظة صلاح الدين التي يقع المعسكر المذكور على مقربة من مركزها، مدينة تكريت.

وتبدو عملية الإعدام بعيدة عن حسم الجدل الكبير الثائر حول المجزرة التي يراد –سياسيا- تلخيصها في مجرّد جريمة إرهابية لتنظيم داعش، بينما هي في منظور عدد كبير من العراقيين، وخصوصا ذوي الضحايا والمتعاطفين معهم، مظهر ونتيجة لسلسلة من الإخفاقات الأمنية التي فتحت أبواب مناطق ومدن وبلدات عراقية كثيرة أمام بضعة مئات من مسلحي التنظيم، وجعلت سكانها تحت رحمة هؤلاء المقاتلين الشرسين.

وارتكب تنظيم داعش مجزرة بحق نحو 1700 طالب ومجنّد في الكلية العسكرية المعروفة باسم سبايكر بمحافظة صلاح الدين شمال بغداد في يونيو 2014، عندما اجتاح التنظيم مناطق بشمال وغرب العراق.

وأطلق المسلحون النار على الضحايا من مسافات قريبة في العراء أو على ضفاف نهر دجلة، وبادروا من ثمّ إلي رمي الجثث في النهر أو دفنها في مقابر جماعية، بحسب مشاهد فيديو نشرها ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي.

ومنذ وقوع المجزرة، لم يكف ذوو الضحايا عن تنظيم تظاهرات غاضبة والظهور في الإعلام مطالبين بكشف الحقائق كاملة عن “الفاجعة” والتي يؤكّدون أنّ الرواية الرسمية اجتزأت الكثير منها بهدف التغطية على تقصير مسؤولين كبار عسكريين ومدنيين في توفير الحماية الكافية لمعسكر بذلك الحجم، وفي مثل تلك الظروف الأمنية المعقدة.

ويقول هؤلاء إن الغياب شبه التام للحماية، وضعف الحراسة، وقلّة السلاح الموجود بالمعسكر أثناء اقتحامه من عناصر داعش، عوامل جعلت المئات من الجنود العزّل عديمي الحيلة في حالة استسلام تام لبضعة عشرات من مقاتلي التنظيم.

ويذهب البعض حدّ إثارة شبهة نجاح داعش في اختراق كادر معسكر سبايكر من الداخل وتجنيد متواطئين معه مهّدوا له تنفيذ المجزرة بتلك الدرجة من السهولة نتيجة الفشل الاستخباراتي للأجهزة العراقية.

شبهة نجاح داعش في اختراق معسكر سبايكر من الداخل وتجنيد متواطئين معه مهدوا له تنفيذ المجزرة

وكانت القوات العراقية قد بلغت سنة 2014، وهي آخر سنة في الولاية الثانية لزعيم حزب الدعوة نوري المالكي، درجة غير مسبوقة من الضعف جعلت قسما كبيرا من قطعاتها ينهار وينسحب أمام زحف المئات من عناصر تنظيم داعش. ويعزى ذلك الانهيار لتسرّب الفساد والاعتبارات الطائفية لصفوف الجيش والشرطة حتى أنّ ما يقارب الخمسين ألفا من منتسبي الجهازين لم يكونوا أكثر من جنود وهميين (فضائيين بالتعبير العراقي الشائع) يتقاضون رواتب دون أن يكونوا مشاركين بأي شكل في الخدمة الفعلية.

ولا يتردّد البعض من ذوي ضحايا مجزرة سبايكر في المطالبة بتحديد مسؤولية السياسيين وكبار قادة الدولة في ما حدث لأبنائهم.

ويندّد هؤلاء بطريقة التحقيق في المجزرة وحتى بالمحاكمات التي أعقبتها، قائلين إنّ هدفها الأساسي كان سرعة غلق الملف، أكثر من كشف الحقائق وتحديد المسؤوليات. ومن غير المستبعد أنّ عملية الإعدام الجماعي التي شهدها سجن الناصرية، تصب في هذه الغاية، ويراد منها تهدئة خواطر ذوي الضحايا.

وأعلن الأحد عن تنفيذ حكم الإعدام شنقا حتى الموت بحق المدانين بمجزرة سبايكر، “بعد اكتساب الحكم الدرجة القطعية، ومصادقة محكمة التمييز الاتحادية – أعلى سلطة قضائية في البلاد‎- ورئيس الجمهورية عليه”، بحسب مصدر رسمي عراقي.

وأوضح المصدر ذاته أن “الحكم تم تنفيذه بحضور وزير العدل حيدر الزاملي، ومسؤولين في حكومة ذي قار المحلية، وعدد من أهالي الضحايا”.

وصادق الرئيس العراقي فؤاد معصوم في 14 أغسطس الجاري على جميع أحكام الإعدام الخاصة بجريمة معسكر سبايكر، فيما أكد مصدر في مكتب الرئيس الاستمرار بدراسة الملفات المتبقية لحسمها والمصادقة عليها.وتقول مصادر عراقية إن لمعصوم موقفا رافضا لعقوبة الإعدام، الأمر الذي يشرّع لعراقيين القول إنّه تعرّض لضغوط شديدة بهدف الإسراع بالمصادقة على الأحكام التي صدرت بحق المدانين في مجزرة سبايكر رغم عدم قناعته بالمحاكمات التي أفضت إليها بعد تلقيه تقارير من معاونيه عن إخلالات شابت التحقيقات والمحاكمات.

وكانت محكمة التمييز الاتحادية التابعة لمجلس القضاء الأعلى قد أعلنت في 7 أغسطس الجاري، إرسال أحكام الإعدام القطعية الصادرة بحق 36 شخصا أدانتهم في جريمة معسكر سبايكر إلى رئاسة البلاد لإصدار مراسيم جمهورية بالتنفيذ، فيما تم الإفراج عن 3 متهمين آخرين لم تثبت إدانتهم.

ويرى عراقيون أن خطورة مجزرة سبايكر لا تقتصر على حجم الجريمة بالنظر إلى العدد الكبير من ضحاياها، كما أنّ سوء التعاطي معها لم يتوقّف عند الجوانب القضائية، بل تعداها إلى الجانب السياسي والإعلامي عندما اُتخذت القضية من قبل دوائر توصف بـ”الطائفية” وسيلة للتشهير بأحد مكونات المجتمع العراقي، عبر الإيحاء بأن الجريمة عبارة عن عملية انتقام عناصر سنية من أبناء الطائفة الشيعية، بالاعتماد على أن عددا كبيرا من أبناء المحافظات الجنوبية كانوا بين ضحايا المجزرة.

3