إعصار الدولار يبتلع التعليم في مصر

بات مؤكدا أن العام الدراسي الجديد في مصر يعج بالأزمات نتيجة أزمة نقص الدولار وتأخر طباعة الكتب المدرسية، إضافة إلى وقف صيانة المدارس وإصرار المدارس الخاصة على تسديد أولياء الأمور المصروفات بالدولار.
الثلاثاء 2016/08/30
وجوه لا تعرف ماذا ينتظرها

القاهرة - تستعد مصر لدخول موسم دراسي يعج بأزمات وزارة التعليم والأسرة المصرية التي تلاحقها أزمة نقص الدولار في السوق حتى المدرسة، إذ بات الملايين من الطلاب مهددين بعدم الحصول على الكتاب المدرسي لهذا العام.

كما باتت الحكومة مغلولة اليدين أمام مؤسسات تعليمة تحتاج إلى مشاريع صيانة، لكنها توقفت بسبب عدم توافر الدولار.

وانسحب مقاولو الصيانة من أعمالهم التي كان مقررا الانتهاء منها قبل الموعد الرسمي لبدء العام الدراسي يوم 24 سبتمبر المقبل، لكنهم باتوا في مواجهة أزمة واردات خانقة. ويقول متخصصون في التعليم، إن الأثرياء يعانون من شح الدولار بنفس درجة معاناة الفقراء، عندما يتعلق الأمر بالتعليم.

واشترطت مدارس خاصة تسديد المصروفات بالدولار أو الجنيه الإسترليني بدلا من الجنيه المصري. وإذا لم يتمكن أولياء الأمور من توفير العملة الأجنبية، سيتم إجبار الطالب أو الطالبة على الانتقال إلى مدرسة أخرى، في مخالفة للقانون.

وبات الأثرياء في سباق مع الزمن لتوفير الدولار من السوق السوداء من أجل تسديد مصروفات المدارس الخاصة، في حين يعاني الفقراء الذين يرتاد أبناؤهم المدارس الحكومية من ارتفاع أسعار الأدوات المدرسية بنسبة 50 بالمئة، إذ يتم استيراد أغلبها.

وعصفت أزمة تسريب الامتحانات بالعام الدراسي الماضي، ونتج عن ذلك إلغاء الحكومة المصرية وإعادتها في مواد تم تسريبا، وهو ما تسبب في اهتزاز الثقة في منظومة التعليم بأسرها. ويخشى المسؤولون المصريون اليوم من انطلاق العام الدراسي من دون القدرة على توفير الكتب المدرسية اللازمة.

دراسة دون كتب

رفضت الحكومة طلب المطابع بزيادة أسعار طباعة الكتب بنسبة 25 بالمئة على الأقل عن السعر المتفق عليه مسبقا بعدما تصاعدت أزمة الدولار. واضطرت بعض المطابع إلى فسخ التعاقد ووقف الطبع نهائيا.

وقالت غرفة صناعة الطباعة باتحاد الصناعات المصرية، إن المطابع التي تعاقدت مع وزارة التربية والتعليم على طباعة كتب الموسم الدراسي الجديد تعرضت لخسائر فادحة، نتيجة نقص الدولار بالبنوك المحلية وارتفاع سعره في السوق السوداء. وتسبب ذلك في رفع أسعار المواد الخام المستوردة من الخارج، كالورق والحبر.

خالد عبده: 30 بالمئة من الطلاب لن تكون في حوزتهم الكتب مع حلول الموسم الدراسي الجديد

وألمح أصحاب المطابع في خطاباتهم إلى وزارة التعليم إلى أن “الخسائر التي يتعرضون لها بشكل يومي، تؤثر على الانتهاء من طباعة الكتب قبل حلول الموسم الدراسي الجديد، وارتفاع سعر الدولار ونقصه بالأسواق سيؤديان إلى توقف عدد من المطابع نهائيا، ما يؤخر طباعة الكتب لأسابيع مقبلة”.

وقال خالد عبده، رئيس غرفة الطباعة والتغليف باتحاد الصناعة المصرية، إن عدم توافر الدولار، تسبب فعلا في تعطل المطابع وخفض نسب الطباعة، وخلال الأشهر الأربعة الماضية التي جرت فيها الطباعة لم تصل نسبة الإنتاج إلى أكثر من 55 بالمئة. ويعني ذلك أن الإنتاج شهريا بلغ 14 بالمئة فقط. وإذا استمر البطء في معدل الإنتاج، حيث من المتوقع ألا يتعدى الإنتاج الكلي 70 بالمئة مع انطلاق الدراسة بعد أقل من شهر، وفق مراقبين. وسيؤدي ذلك إلى عدم حصول حوالي 30 بالمئة من الطلاب على كتب مدرسية مطبوعة، وهو ما سيؤخر كثيرا من قدرتهم على التحصيل المبكر.

وقال عبده لـ“العرب” إن بعض المطابع “فسخت التعاقد مع الوزارة لتقليل حجم الخسائر، وضحّت بخسارة التأمين (الذي سددته مقدما)، لأنها لو استمرت في الطباعة سوف تتعرض لخسائر فادحة، ولا يمكن أن تشتري المطابع بالدولار من السوق السوداء بسعر 12.5 جنيه، ما يزيد نحو 30 بالمئة عن سعره الرسمي”.

وتطبع وزارة التعليم في مصر نحو 320 مليون كتاب سنويا لحوالي 20 مليون طالب وطالبة في مراحل تعليمية مختلفة بتكلفة إجمالية تصل إلى 1.2 مليار جنيه (نحو 120 مليون دولار). ورغم نفي الحكومة المصرية لتوقف أعمال طباعة الكتب الدراسية، فإن مصادر من داخل وزارة التعليم أكدت لـ“العرب”، أن الموسم الدراسي الجديد قد يبدأ دون أن تنتهي المطابع من طباعة جميع الكتب الدراسية، نتيجة التوقف الجزئي أو الكلي لبعض المطابع.

وقالت المصادر إن الحكومة ستلجأ إلى مطابع جهات سيادية في مصر لطباعة الكتب، إذا ما تأزم الموقف مع المطابع ووصلت الأمور إلى مرحلة الخطر واستمرت أزمة نقص الدولار.

أزمة جديدة

لجأت الحكومة المصرية إلى مطابع أجهزة أمنية خلال امتحانات الثانوية العامة التي تم تسريبها، في محاولة لإضفاء طابع من السرية على عمل المطابع، بعدما تعرضت المطابع الحكومية للاختراق.

تواجه الحكومة في مصر أزمة جديدة تتعلق بـ”مبادرة الاستثمار في التعليم”، التي يتشارك فيها القطاع الخاص مع وزارة التعليم لإنشاء مدارس استثمارية، وذلك بهدف التقليل من كثافة الفصول بالمدارس التجريبية بسبب ارتفاع الأسعار نتيجة أزمة الدولار.

ويتلخص المشروع في قيام الدولة بتوفير الأراضي اللازمة بطريقة حق انتفاع لمدة 30 سنة، على أن يقوم المستثمر بعملية البناء، وتحصيل مصروفات من الطلاب خلال هذه المدة (ألف دولار في السنة من كل طالب) لتعويض ما دفعه في إنشاء المدرسة، قبل أن تعود ملكيتها بعد هذه الفترة إلى الوزارة مرة أخرى. ومع ارتفاع الأسعار حاليا أصبح الكثير من المستثمرين يعزفون على الدخول في المشروع تخوفا من التعرض للمزيد من الخسائر الفادحة.

17