إعصار الفساد يعصف بأهرام الرياضة العالمية

الأحد 2015/12/27
إلى أين المصير

زيوريخ- ظهر سيب بلاتر بشكل مختلف تماما عن شخصية المسؤول المفعم بالثقة الذي قاد الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) لمدة 17 عاما وذلك بعد وقت قصير من الإعلان عن إيقافه لثماني سنوات مع ميشيل بلاتيني رئيس الاتحاد الأوروبي. وحملت رسالة بلاتر عبارات التحدي حيث أكد أنه سيقاتل ضد عقوبة الإيقاف كما أصرّ على عدم ارتكابه أي مخالفة منتقدا كل من شكك في نزاهته وأمانته.

وقال بلاتر “سأعود”. وتضمنت مقدمة بيان بلاتر عبارة تخص الزعيم الجنوب أفريقي الراحل نيلسون مانديلا وبدا أنه يقدم اعتذارا في البداية لكن طبيعة الاعتذار جاءت مختلفة. وقال رئيس الفيفا الموقوف “أنا آسف حقا. آسف لأنني لازلت أتلقى اللكمات وآسف لكرة القدم ولأعضاء الفيفا وآسف لنفسي وللطريقة التي عوملت بها في هذا العالم”. وأكد بلاتر أن لجنة القيم تجاوزت اختصاصاتها مضيفا “هذه اللجنة لا تملك الحق لاتخاذ إجراءات ضد الرئيس. وتابع “الجمعية العمومية هي التي يحق لها فقط إعفاء الرئيس من مهامه”.

وسينتخب أعضاء الفيفا رئيسا جديدا للاتحاد يوم 26 فبراير المقبل في اجتماع للجمعية العمومية لن يتمكن بلاتر من حضوره إلا إذا تم قبول طعنه على العقوبة. وأشار بلاتر إلى أنه مستعد للجوء للمحاكم السويسرية للفوز في معركته. وأوضح “بالتعاون مع المحامين سأستعين بالقضاء الرياضي للاستئناف على عقوبة اللجنة. سأتوجه للمحكمة الرياضية وللقضاء السويسري أيضا سعيا وراء حقوقي باعتباري مواطنا سويسريا”. وأكد “سأقاتل من أجل نفسي وسأقاتل من أجل الفيفا”.

بلاتر والفيفا شيء واحد

قال غريغ ديك رئيس الاتحاد الإنكليزي لكرة القدم إنه من المؤسف أن يتم “جرّ” الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” إلى براثن فضيحة فساد بسبب جوزيب بلاتر، معربا في الوقت نفسه عن اعتقاده أن الفيفا تخلص من المسؤول السويسري ليبدأ مستقبلا أفضل. وأفاد كل من بلاتر وبلاتيني أنهما ينويان تقديم استئناف ضد قرار لجنة القيم لرفع الإيقاف، بيد أن ديك يعتقد أن هذا الأمر قد يبدو مستحيلا بالنسبة إلى بلاتر، الذي أوصل الفيفا، طبقا لرأيه، إلى مرحلة حرجة خلال مدة رئاسته.

وقال ديك “هل أعتقد أنا شخصيا أن بلاتر سوف ينجو من هذا الأمر؟ لا.. ما قاله أمر مضحك.. إنه لم يفصل نفسه عن الفيفا حتى الآن .. إنه يعتقد أنه والفيفا شيء واحد وهذا أمر مؤسف أيضا.. لا أعتقد أنه سينجو من هذا.. إنه يرى الهجوم على الفيفا هجوما عليه هو شخصيا”.

وأعرب ديك أيضا عن خيبة أمله بسبب بلاتيني، مشيرا إلى أنه يشعر بأن اللاعب السابق الفائز بالكرة الذهبية خان ثقة البلدان أعضاء “اليويفا” عندما سمح لنفسه بالانزلاق في هذا العبث. وتابع “لقد اتخذنا قرارا مبكّرا بدعم بلاتيني.. ندرك أنه قام بعمل جيد للغاية في اليويفا وشعرنا جميعا بخيبة أمل عندما وقع كل هذا.. لا نعرف ماذا سيحدث.. أفترض أنه سيتقدم باستئناف أيضا ولكن أعتقد أن الأمر انتهى بالنسبة إليه ولبلاتر”.

ما وصل إليه بلاتيني بعيد كل البعد عن عصر الرومانسية الكروية الذي عاشه كلاعب ثم كمدرب حتى وإن كان مساره التدريبي قصيرا (درب منتخب فرنسا بين عامي 1988 و1992)

بلاتيني يحترق

يعتبر الفرنسي ميشال بلاتيني من أفضل الأشخاص في قراءة لعبة القدم لكنه لم يتمكن هذه المرة من توقّع سقوطه في الهزيمة الأكثر مرارة في تاريخه الكروي. فهذا الشخص الذي كان أفضل لاعب في العالم ثم تحول ليصبح سيد أوروبا من بوابة رئاسة اتحاد القاري، أصبح خارج اللعبة تماما. تلاشى حلم بلاتيني بالتربع على رئاسة الاتحاد الدولي “فيفا” بعدما أوقفته لجنة الأخلاقيات لمدة ثمانية أعوام بصحبة الرئيس المستقيل للسلطة الكروية العليا السويسري جوزيب بلاتر في قضية الدفعة المشبوهة التي حصل عليها الفرنسي من الأخير عام 2011 عن عمل قام به لمصلحة فيفا بين 1999 و2002. “كلما اقتربت من الشمس، كل شيء يحترق، مثل إيكاروس تماما”، هذا ما قاله بلاتيني في 19 أكتوبر الماضي في مقابلة مع صحيفة “لوموند”، مستعينا بشخصية من الأساطير الإغريقية احترق جناحاه الاصطناعيان نتيجة مخالفته نصيحة والده وتحليقه قريبا من الشمس خلال هروبهما من مكان احتجازهما في جزيرة كريت.

هذه “البطاقة الحمراء” التي رفعت في وجه بلاتيني ستمنعه من الولوج إلى العالم الذي أمضى فيه حياته، منذ السنوات التي قضاها في ملاعب كرة القدم والتي توجها بثلاث كرات ذهبية وكأس أوروبا عام 1984 مرورا بسنوات مجده مع يوفنتوس وصولا إلى إدارته للعبة في القارة العجوز. اعتبر بلاتيني الذي أكد دائما حسن نيته، أن “الحكم سبق وأعلن في وسائل الإعلام من قبل أحد المتحدثين باسم لجنة العدل الداخلي للفيفا التي تجاهلت افتراض البراءة”.

صانع الألعاب السابق للمنتخب الفرنسي، شجب مناورة لمنعه من الترشح لرئاسة الفيفا، وقرر مقاطعة جلسة الاستماع إليه، تاركا محاميه يدافع عنه في جلسة استغرقت 9 ساعات.

خروج من الباب الضيق

ثم صدر الحكم الرسمي وسقط بلاتيني مع معلمه السابق ومنافسه الحالي بلاتر وذلك بسبب شيك مصرفي، وهو الذي جعل العامل المادي هامشيا طيلة مسيرته التي كانت بعيدة كل البعد عمّا يعيشه حاليا نجوم الملايين، وذلك رغم أنه أحد أفضل اللاعبين الذين عرفتهم الملاعب. الضربة كانت قاسية على الابن الأصغر لعائلة متواضعة من المهاجرين الإيطاليين الذين حلّوا في فرنسا، لكن أفضل لاعب في أوروبا لأعوام 1983 و1984 و1985 لن يلقي سلاحه بهذه السهولة ولن يحترق بنيران فيفا وبلاتر دون مقاومة، إذ ندد سريعا بقرار لجنة الأخلاقيات واعتبره “مهزلة حقيقية” تهدف إلى “تلطيخ” سمعته من طرف هيئات نفى عنها “كل شرعية ومصداقية”.

وقال بلاتيني “موازاة مع لجوئي إلى محكمة التحكيم الرياضي، أنا عاقد العزم، على اللجوء إلى المحاكم المدنية في الوقت المناسب، للحصول على تعويضات عن جميع الأضرار التي عانيت منها لأسابيع طويلة جدا بسبب هذا الحكم. سأذهب حتى النهاية في هذه العملية”.
وكتب بلاتيني في مقدمة بيانه “هذا القرار لا يفاجئني”، مضيفا “أنا مقتنع بأن مصيري كان محسوما قبل جلسة الاستماع التي عقدت في 18 ديسمبر الحالي (أمام لجنة الأخلاقيات، والتي استمرت 9 ساعات بحضور محاميه تيبو أليس بعدما قرر الفرنسي مقاطعتها)، وأن هذا الحكم هو تستر مثير للشفقة على رغبة في إقصائي من عالم كرة القدم”.

عصر الرومانسية الكروية

ما وصل إليه بلاتيني بعيد كل البعد عن عصر الرومانسية الكروية الذي عاشه كلاعب ثم كمدرب حتى وإن كان مساره التدريبي قصيرا (درب منتخب فرنسا بين عامي 1988 و1992). وأولئك الذين رافقوا مشواره في الملاعب حتى أعلى الهرم الإداري في الاتحاد الأوروبي يؤكدون بأن بلاتيني لم يتغير بل كل ما تغير هو مظهره الخارجي وحتى أن رفاق الماضي لم يتغيروا إن كان “لولو” نيكولان، الرئيس المشاغب لمونبلييه، أو جاك فوندرو، المعلق الإذاعي الأسطوري، أو أسطورة بولندا سبيغنيو بونييك الذي كان زميل الدرب في يوفنتوس.

وهناك سؤال يطرح نفسه في قضية بلاتيني الذي كان مرشحا لخلافة بلاتر في انتخابات رئاسة فيفا المقررة في فبراير المقبل، هل دفع الفرنسي ثمن الاستخفاف بقضية الدفعة المشبوهة التي تحدّث عن خفاياها في مقابلته مع “لوموند” قائلا “سألني بلاتر كم تريد؟، فأجبته مليون. مليون ماذا؟ لا يهم، روبل، ليرة، دولار. في تلك الحقبة لم يكن هناك يورو. فأجابني حسنا، مليون فرنك سويسري سنويا”. لم يستبعد بلاتيني أن يكون بلاتر في أساس الاكتشافات التي أطاحت برأس الفرنسي، وهو قال بهذا الصدد “لنقل بأن الشكوك تراودني”، دون أن يقصي احتمال محاولته “اغتيالي سياسيا” في سياق السباق على رئاسة فيفا.

مسيرة حافلة

“أنا لا أحب الخسارة”، هذا ما قاله بلاتيني، لكن أسطورة الكرة الفرنسية يعيش الآن أحلك أيامه الكروية بعد أن اختبر في مشواره كل ما يحلم به اللاعب باستثناء كأس العالم حيث سقط مرتين في نصف النهائي عامي 1982 و1986. ويضم سجل بلاتيني فوزه بالكأس الفرنسية مع نانسي (1978) والدوري الفرنسي مع سانت إتيان (1981) والدوري الإيطالي مع يوفنتوس (1984 و1986) الذي اختبر معه أوقاتا صعبة للغاية عام 1985 خلال نهائي كأس الأندية الأوروبية البطلة ضد ليفربول الإنكليزي حين سقط 39 قتيلا من جمهور السيدة العجوز على ملعب هايزل في بروكسل نتيجة التدافع، لكن النّجم الفرنسي حافظ على رباطة جأشه وأهدى فريقه الجريح اللقب القاري بتسجيله هدف المباراة الوحيد.

غريغ ديك رئيس الاتحاد الإنكليزي لكرة القدم قال إنه من المؤسف أن يتم “جر” الاتحاد الدولي إلى براثن فضيحة فساد بسبب جوزيف بلاتر، معربا في الوقت نفسه عن اعتقاده أن الفيفا تخلص من المسؤول السويسري ليبدأ مستقبلا أفضل
“تلك المباراة النهائية لم تفارقني، كما لم تفارق جميع الذين تواجدوا هناك، أولئك الذين خسروا الأحبّاء، أولئك الذين تغيّرت حياتهم بالكامل في غضون دقائق رهيبة”، هذا ما قاله بلاتيني في 29 مايو الماضي في الذكرى الثلاثين لتلك المأساة.

في ذلك اليوم، أي في 29 مايو، كان زلزال فيفا في بداياته بعد اعتقال سبعة مسؤولين عشية انتخاب بلاتر لولاية خامسة، وكان بلاتيني في خضم حلمه بالوصول إلى رئاسة السلطة الكروية العليا لكنه يجد نفسه اليوم مهددا بأن يصبح جزءا من التاريخ القديم للعبة بعد أن طاله إعصار الفساد وجعله رقما من الأرقام العديدة التي يتم تداولها حاليا في القضاءين الأميركي والسويسري.

ردود فعل متباينة

أعرب نويل لو غريت رئيس الاتحاد الفرنسي لكرة القدم عن حزنه وصدمته لإيقاف مواطنه ميشيل بلاتيني، في الوقت الذي أكد فيه رئيس اتحاد الكرة الألماني رينارد راوبول أن استعادة الثقة المفقودة في الفيفا واليويفا ستستغرق سنوات. وتعقيبا على إيقاف بلاتيني رئيس الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا) وجوزيف بلاتر رئيس الفيفا، قال راوبول “القرار جاء متماشيا مع التوقعات، وبصرف النظر عن ذلك فإن فيفا ويويفا ينبغي عليهما اتخاذ الخيارات الأساسية سواء كانت هيكلية أو من حيث الموارد البشرية”. وأضاف “التغيير في المناصب ليس مؤثرا، الهدف هو استعادة الثقة المفقودة والمصداقية، هذا الأمر سيستغرق سنوات على أيّ حال”. ومن جانبه أوضح لو جريت أن العقوبة المفروضة على بلاتيني “لا تصدق”. وأشار “لكن الأمر لم يفاجئني بما أن رئيس لجنة القيم قد أعلن بالفعل أن ميشيل سيتم إيقافه لعدة سنوات، إدانة ميشيل تمت بشكل مسبق”.

وأوضح اليويفا في بيان له “اليويفا يشعر بخيبة أمل هائلة من هذا القرار، الذي سيتم الطعن عليه. مرة أخرى نكرر التأكيد على دعم اليويفا لحق ميشيل بلاتيني في اتخاذ الإجراءات القانونية واستغلال فرصة تبرئة ساحته”. وأكد باتريك نيلسون رئيس الاتحاد الأيرلندي لكرة القدم “علينا أن نضع في اعتبارنا أن السيد بلاتر والسيد بلاتيني لديهما حق التقاضي، القرار صدر وكلاهما تم إيقافه لثماني سنوات، لكنْ كلاهما لديه فرصة الطعن، علينا أن نعطيهما هذا الحق”.

22