إعلاميون تجمعهم المصائب وتفرقهم أوقات الرخاء

إجماع إعلامي غير مسبوق على اقتفاء أثر التضليل الإعلامي وفبركة الأخبار وعدم الوثوق في تداولها.
الثلاثاء 2020/03/31
البحث عن صورة الحياة المقبلة

في الميديا حول العالم تجد الفاعلون فيها يذهبون مذاهب شتى.

كتّاب الصحيفة الواحدة وتحت سقف واحد يذهب كل منهم باتجاه ويرى الأحداث كل من زاويته.

إنه الاختلاف الحتمي الذي يفرض نفسه في عالم متغير لا تستوعب فيه البشرية الشمولية في الإعلام والصحافة. لكن المناكفات الصحافية والإعلامية تصل إلى أقصاها في أوقات الرخاء لتخمد فجأة في الشدائد، ينطبق ذلك على حال البلد الواحد وهو يواجه أي معضلة. في أوج صراع الولايات المتحدة مع الاتحاد السوفيتي واشتداد الحرب الباردة كانت هناك وجهة نظر واحدة في الصحافة ووسائل الإعلام هي قضية الخطر الشيوعي المتفشي خاصة في أوساط المثقفين والإعلاميين.

تلك هي حقبة جوزيف مكارثي (1908–1957) وما عرف بالمكارثية في عصرها الذهبي إبان الخمسينات.

 لكن وسط قتامة الصورة التي صنعتها المكارثية المنغلقة على نفسها لا يتذكر الكثيرون اسم وموقف إدوارد مارو، الإعلامي الأميركي الشهير الذي تصدى للمكارثية بشراسة وفنّد أطروحتها القائمة على مبدأ التخوين المطلق وإلقاء الاتهامات يمينا وشمالا.

وتأكد حينها أن لا مسار واحدا يمكن الاستناد عليه في مقاربة الظواهر على أنه الرؤية الوحيدة والصحيحة.

ذلك مثال واحد من أمثلة عدة في أزمنة الاحتقان والأزمات.

في أزمة تفشي الفايروس القاتل في أنحاء العالم والذي يمكن أن يطال أي كائن بشري في أي بقعة من الكون لا يستثني غنيا ولا فقيرا، الكل أمامه سواء، في هذه الأزمة شاعت انتقادات الإجراءات الحكومية البطيئة وغير المتكافئة مع حقيقة الخطر.

وقع ذلك في بريطانيا بسبب تباطؤ الحكومة في اتخاذ إجراء الإيقاف التام للحد من تفشي الفايروس القاتل.

لكن كان هناك صوت مواز يدعو إلى التكاتف والكفّ عن المناكفة والاختلاف والاتحاد في مواجهة الكارثة.

في المقابل كان هناك صوت يدعو الصحافيين مثلا لاستعادة الثقة من خلال جلب القراء إليهم لاسيما وأن الجمهور العريض كل جالس في منزله وليس بعيدا عن شبكة الإنترنت وما تنشره الصحافة.

الصحف تتسابق اليوم لكسب ثقة القراء، ذلك مشهد صرت تلاحظه في الصحافة البريطانية، إنها تسابق أخبار الفايروس القاتل من جميع الجوانب. في المقابل أيضا، كان هناك إجماع إعلامي غير مسبوق على اقتفاء أثر التضليل الإعلامي وفبركة الأخبار وعدم الوثوق في تداولها.

مثال على ذلك اقتفاء أثر مصدر الفايروس القاتل، من أنتجه، هل هو من إنتاج بشري، من مختبرات متخصصة أجرت تجارب فخرج الأمر عن السيطرة؟

وفي إطار هذا التضليل وامتدادا له ألقيت التهمة على الصين ثم على أميركا ثم على روسيا ثم على فرنسا وهكذا ظلت دائرة الاتهامات السائبة تدور ويتلهى بها جمهور عريض من القراء.

هنا كان على صحافيي وإعلاميي الأزمة أن يتدخلوا بشكل ما، لا ليكرسوا مقولة “اغسل يديك بالماء والصابون” وهي الترنيمة التي ظل رئيس الحكومة البريطانية يرددها بينما الوباء يتفشى بل لتصور شكل الحياة ما بعد الوباء، الاقتصاد والسياحة والحياة اليومية والتجارة، وهل هناك سقف زمني لانتهاء الأزمة؟.

الصحافيون والإعلاميون الذين تجمعهم الكارثة معنيون بما هو آت أكثر من غيرهم، وإذا بهم يتّحدون في رسم صورة قاتمة أو متفائلة للحياة المقبلة وأن لا تكون بالهشاشة التي هي عليها اليوم بحيث أن الفايروس تمكن من مئات الألوف من البشر فألقاهم صرعى وكأننا في فصل جديد من حرب عالمية اختلطت فيها أعراق الضحايا وأصولهم.

على أن أبعاد الأزمة تتسع بحثا عن أمل في رخاء قادم تنتهي معه معاناة البشرية ليعود الصحافيون والإعلاميون إلى سابق عهدهم متفرقين واتجاهاتهم شتى، لكنه حلم ضئيل أمام اجتماعهم في مواجهة غول لا يعرف أحد متى سوف ينتهي عمره الافتراضي.

18