إعلاميون على خط النار

الأربعاء 2016/10/26

مع انطلاق الأعمال القتالية في الموصل وبالقرب منها، لتطهيرها من الإرهابيين، تدفق الإعلاميون من الداخل والخارج وكأنهم كانوا ينتظرون على الطرق المؤدية إلى المنطقة، لينقلوا إلى المشاهدين في شتى أنحاء العالم تفاصيل المعركة المنتظرة والتي احتلت أخبارها واجهات البث على شاشات المئات من الفضائيات في العالم وشاهدنا المراسلين الشجعان ومعهم طبعا فريق التصوير يرافقون العساكر حتى خطوط النار.

وتكررت اللقطات التي نرى فيها المراسل يقطع حديثه فجأة كي يلوذ جانبا ليحمي نفسه من وابل الرصاص المتدفق حوله، وراء ساتر ترابي أو عجلة، أو يسرع نحو أي مكان آمن يحتمي به عند اقتراب النيران من مواقعهم، ولكن اللقطة تبقى مستمرة، مما يعني أن المصور الصامد وراء كامراته لم يترك مكانه ولم يتوقف عن التصوير وإن ظهرت الصورة متحركة أحيانا بسبب اضطراب الموقف.

وهذا يفسر لنا سبب إصابة المصورين والتقنين في مناطق النزاعات المسلحة أكثر من المراسلين.

إن العمل الإعلامي الميداني الآن على خطوط النار لا يقتصر على مراسل حربي أو مذيع يغطي أخبار الحملات العسكرية والمعارك بل يتطلب فريقا ومعدات وأجهزة، واحتمال تعرض العاملين به للمخاطر كالقتل أو الإصابة كبير.

عندما ابتدأ البريطاني وليم هوارد رسل عمله كأول مراسل حربي يغطي حرب القرم 1854 – 1856 لجريدة التايمز لم يتصور أن دور المراسل الحربي سيصل إلى هذا المستوى من الخطورة، ولو كانت الحروب في نهاية القرن التاسع عشر بما هي عليه الآن من شراسة لما اشتغل ونستون تشرتشل، رئيس وزراء بريطانيا الأسبق، في بداية حياته مراسلا حربيا في حرب البوير في جنوب أفريقيا (1899 – 1902) حيث وقع أسيرا إلا أنه استطاع الهرب.

لقد كانت مهنة المراسل الحربي غالبا فردية، بامتيازات رفيعة وقوانين لحماية المراسل الصحافي، وتفرض بعض الدول على المؤسسات الإعلامية أن تنظم للمراسلين الحربيين الذين ترسلهم لتغطية الأحداث في مناطق النزاع والكوارث، دورات متخصّصة لتدرّبهم على كيفية الحفاظ على سلامتهم الشخصيّة، ورفع مستوى إدراكهم للأخطار، وكيفية التدبّر عند التعرض للأزمات. وحتى إجراء الإسعافات الأوليّة له ولمن حوله، وحكى لي مصور في التلفزيون النمساوي كثير الذهاب إلى مناطق النزاعات المسلحة والاضطرابات أنهم تلقوا دورات تطبيقية في التعامل مع اللحظات الحرجة كالاختطاف والقصف المفاجئ والأسر والتعامل مع الغرباء وتحمّل العمل في ظروف وأماكن خطرة أو غير مألوفة وكيفية التأكد من سلامة الطعام والشراب.

وقد أصدرت لجنة حماية الصحافيين الدولية (CPJ) دليلا مفصلا عن أهم قواعد السلامة للإعلاميين والمراسلين عند تغطية الحروب والكوارث في عالم متغير وخطير ينبغي أن يتم إعداد الإعلاميين له إعدادا حرفيا مسؤولا.

ولقد برز دور المراسل الحربي الميداني في العراق بشكل لافت خلال الحروب المتكررة ضد تنظيم (داعش)، فقد دفعت قنوات فضائية مراسيلها لتغطية ما يجري على أرض الميدان من معارك في المحافظات الغربية، وقد تحمس العديد من الإعلامين، وحتى إعلاميات، لهذا النشاط، وهي مهمة لا تخلو من صعوبة، لا سيما وأن أغلب المراسلين الحربيين وطواقمهم الذين توجهوا إلى سوح القتال هم من الشباب، لم تتوفر لهم فرص حقيقية للتدريب والإرشاد عن كيفية التصرف في مثل هذه الظروف الاستثنائية.

ويؤكد عميد كلية الاعلام في جامعة بغداد د. هاشم حسن أن تجربة المراسل الحربي في العراق أثبتت فعاليتها. خاصة في تغطية المعارك التي جرت في صلاح الدين والأنبار، والتي تصنف ضمن حرب الشوارع، وهي أصعب وأخطر بكثير من الحروب التي تجري في الميدان، إلا أنه أكد حاجة المراسلين الحربيين في الفضائيات العراقية إلى المزيد من الإعداد والتدريب. وحث المؤسسات الإعلامية التي تدفع مراسليها إلى جبهات القتال على توفير ضمانات مالية لهم، فضلا عن تزويدهم بمعدات الوقاية، وتدريبهم كما تفعل المؤسسات الأجنبية مع مراسليها وفق لوائح لجنة حماية الإعلاميين الذين يعملون عند خطوط النار!

مخرج عراقي

18