إعلاميون مصريون يسقطون في فخ العمى المعلوماتي

الجمعة 2014/07/18

لم يكن المغرب في وضعية مصر أو جيرانه حتى تقول إحدى المذيعات المصريات في قناة "أو تيفي" إن دور المغرب ملتبس في تعامله مع حراك 2011. فالنظام في المغرب عرف قبلها انفتاحا على المعارضة منذ بداية التسعينات فأسس لتجربة التناوب الديمقراطي على السلطة في عهد الملك الحسن الثاني.

في بداية الألفية الحالية راكم الملك محمد السادس مجموعة من الإصلاحات بتدبير جعله يتعاطى مع الحراك داخل بلده، بحنكة وبلا تردد في دعم عملية إصلاحية كبيرة لازالت سارية على كل الواجهات رغم الظروف والإكراهات الاقتصادية والجوار الملتهب.

تلك خصوصية يتمتع بها المغرب جعلت منه بلدا متآلفا مع الديمقراطية والانفتاح على الآخر والاعتدال في السياسة والدين. لا يمكن إصدار الأحكام الجاهزة في قوالب لا تقبل المفاوضة والمساومة، وللتذكير فالمغرب ملكية دستورية اجتماعية إلى جانب أنها مؤسسة تحكيمية، وألف المغاربة أن يحتكموا إلى ملكهم في ما استجد من قضايا، من أمثلتها البارزة مدونة الأسرة التي أخرجت للوجود برعاية ملكية تعطي الحق للمرأة المغربية، إنصافا واعترافا بدورها في المجتمع.

في عام 2011 وفي خضم الحركات الرافضة لحكام استبدوا بشعوبهم، كان المغرب على موعد مع التاريخ في 9 مارس خطب الملك فاستجاب الشعب باستفتاء شعبي أفرز دستورا متقدما يحدد السلطات ويفصل الاختصاصات. أُجريت انتخابات برلمانية فأتت بحزب ذي مرجعية إسلامية فشكلت حكومة قادها رئيس وزراء عن حزب العدالة والتنمية.

العملية بسيطة ولا تحتاج إلى شيء سوى إرادة سياسية وحكمة تبين الخيط الأسود من الخيط الأبيض من العلاقات داخل الجسم السياسي المغربي دون ترفع أو تسلط. ولم تكن هناك من صفقات بالمعنى السيئ والمقاولاتي للكلمة كما ادعت المذيعة أماني الخياط، بل كانت فقط مفاوضات وتحركات سياسية بين أفرقاء سياسيين مغاربة لإخراج نسخة حكومة ما بعد دستور 9 مارس.

الهدف كان ولازال تدعيم الإصلاح داخل الاستقرار الذي ينعم به المغرب. لا يمكن الركون لكلام إعلامية لم تكلف نفسها حتى قراءة بعض فصول من تاريخ المغرب السياسي الحديث، ودون إرهاقها بمتون تاريخية رفقا بها. وجاءت المذيعة عبر قناتها التلفزية بعد ثلاث سنوات ونسختين من حكومة ائتلافية. لتزايد علينا في تجربة المغرب السياسية والاجتماعية.

الملك لم يطلب من الإسلاميين الحكم لأنه يخاف الشارع. ومن يقول هذا الكلام معرفته بالمغرب لا تتعدى بعض عناوين صغيرة وساذجة. فقبل الإسلاميين بالمغرب كان هناك الاشتراكيون الذين عارضوا الملك لسنوات وحكموا إلى جانبه سنوات أيضا دون أن تشكل الحالة أي عقبة في تدعيم الديمقراطية والحفاظ على المكتسبات.

فبعض الإعلاميين المصريين يحتاجون إلى شيء من التحليل الرزين، واللغة المحترمة، والقراءة الجيدة للأحداث والتاريخ.

عندما جاءت صناديق الاقتراع بالإسلاميين ورغم اختلافنا معهم إيديولوجيا وسياسيا تم احترام ديمقراطية صناديق انتخبتهم فيها فئة من الشعب المغربي. ولم يعترض الملك عليهم ولم يعرقل مهمتهم. وبادر الإعلام بانتقاد تدبيرهم للحكم. هذا كل ما في الأمر بلا زيادة أو نقصان.

المغاربة ليسوا في مصر أو تونس أو ليبيا أو سوريا، إنهم بالمغرب بشخصيته وتجربته ونظامه الراسخ عبر تربة وتاريخ استقل منذ القديم بتدبيره المعيش اليومي وسياسته الخارجية. ولا يمكن إسقاط ظروف إحدى تلك الدول السياسية والاجتماعية والاقتصادية على حالة المغرب إلا في النزر اليسير.

حتى أن بعض الإعلاميين المصريين سقط في فخ العمى المعلوماتي فلم يفرق بين الصحراء المغربية ومخيمات تندوف، وابتلعته آلة دعائية مغرضة تدعي وجود شعب آخر على أرض الصحراء هو جار للمغرب. والحقيقة هو أن هناك شرذمة انفصالية تابعة لنظام جزائري تقسيمي أراد من خلالها تصريف حساباته مع المغرب. استغل هؤلاء ليضرب الإخوة بالإخوة في عملية الكل بات يعرف تفاصيلها.

على ذكر الأخوة، فقد هبت جماهير الشعب المصري ونخبته المثقفة عندما فطنوا أن دولتهم باتت مهددة بالخطف من قبل تيار سياسي ولاؤه للتنظيم قبل الدولة. كذلك المغرب هب بكل فئاته عن بكرة أبيه للدفاع عن وحدته الترابية عندما أراد فصيل رهن مصير دولة ذات تاريخ تليد بيد نظام دولة أخرى.

إذن لا تنكروا علينا دفاعنا عن وحدة أرضنا بوسائلنا، وتذكروا أن دماء جنود مغاربة عطرت أرض سيناء دفاعا عن شرفكم في رمضان 1973.

عندما يخوض بعض الإعلاميين المصريين في تجربة المغرب دون التسلح بمعلومات وافية وقراءة محايدة وتعفف عن الكذب والبهتان، تكون بداية تسعير إعلامي لا يأتي بفائدة على البلدين.

ونرد عن المذيعة بالقول إن اقتصادنا نريده أن يتعافى كباقي اقتصادات العالم حيث تحتكم الميزانيات وقوانين المالية إلى مبيان هندسي لا تستقر حركته في رقم معين، والآفات الاجتماعية والصحية ليست غائبة عن شوارع القاهرة كما هي في أي بلد ولا نستثني بلدا بعينه إلا في الطريقة التي تعالج بها تلك الآفة.

يبدو أن الإعلام المصري أصيب بلوثة اسمها الإخوان، فأصبح نظره ضعيفا لا يرى في تجربة المغرب السياسية سوى حزب العدالة والتنمية. فالمغرب ليس هو عبدالإله بنكيران الذي ننتقده ليل نهار، والمغرب لا يحكمه حزب وحيد، والمغاربة ليسوا كلهم عدالة وتنمية، والمغرب لا تؤطره دعاية حزب بعينه. بل هناك ثقافة سياسية مغربية أصيلة ترفض من يلاعب السياسة والدين كاللعب بالبيضة والحجر.

18