إعلامي تونسي يعيد ملف الاغتيالات السياسية للواجهة

الادعاءات التي أطلقها الإعلامي التونسي معز بن غربية حول امتلاكه معلومات خطيرة عن حقيقة الاغتيالات السياسية، أشعلت الشارع التونسي، وانعكست سلبا على الإعلامي الذي يخفي الحقائق والوثائق عن القضاء، وعن الهدف من التستر على القتلة الذين يدعي معرفتهم.
الأربعاء 2015/10/07
تصريحات بن غربية أثارت التساؤلات حول هدف إخفائه المعلومات عن القضاء

تونس - ضجت الأوساط الإعلامية والسياسية التونسية بإعلان الإعلامي معز بن غربية، أنه تعرض لمحاولة اغتيال، بسبب امتلاكه لمعلومات خطيرة، حول قضايا تصفيات سياسية تمت في البلاد وتهدد جهات كبيرة داخل تونس وخارجها.

ونشر بن غربية على صفحته الرسمية في فيسبوك، بعد هربه إلى سويسرا، شريطا قال فيه إنه على علم بمن تورط في اغتيال الكثير من الأسماء الكبيرة في المشهد السياسي التونسي، معلنا في الوقت نفسه أنه فر إلى سويسرا، حيث تم توفير الأمن له لكونه مهددا بالقتل.

وذكر أن المعلومات تخص اغتيال شكري بلعيد القيادي اليساري والذي أثار اغتياله غضبا شعبيا واسعا في الثاني من فبراير 2012، وحتى اليوم مازال لغز اغتياله مجهولا، بالإضافة إلى شخصيات سياسية أخرى مثل النائب محمد البراهمي الذي اغتيل في 25 يوليو 2013، والمحامي فوزي بن مراد، الذي توفي إثر سكتة قلبية، والسياسي طارق المكي، توفي أيضا إثر سكتة قلبية، والأمني سقراط الشارني الذي قتل من قبل جماعة إرهابية.

وأعلن بن غربية، وهو صاحب قناة التاسعة، أن المحرضين على القتل موجودون اليوم داخل البلاد في أحزاب سياسية. كما أكد “أن لديه جميع المعطيات والأسماء وأرقام الهواتف، وأن الذين حاولوا اغتياله في تونس لحقوا به حتى وهو في سويسرا، حيث وفر له صاحب النزل الذي يقيم فيه والشرطة السويسرية الحماية”.

وذكر أن شكوكه في شخصيات محددة جاءت بعد أن رفعت رئاسة الجمهورية الحراسة عنه دون أي مبرر وتركها على الإعلامي نوفل الورتاني. وتوجه بمراسلة وزارة الداخلية والتساؤل حول أسباب رفع الحماية عنه.

دعوات للحكومة بفتح تحقيق عاجل حول ما ورد في الفيديو باعتبار أنها يمكن أن تؤثر على الوضع التونسي المتسم بحالة من التوتر

وتابع أن تبرئة الليبيين الذين حاولوا اغتياله، الثلاثاء الماضي، هو إجراء مشبوه، مضيفا أنه حصل بطرقه على أرقام الليبيين الثلاثة المتورطين في محاولة اغتياله والاتصالات التي قاموا بها مع العديد من الأطراف من تونس ومن المخابرات الأجنبية.

وأشار إلى أيادي مافيا السياسة والمال التي تسيطر على البلاد، وأنه سينشر فيديو جديدا في حالة تواصلت التهديدات ضده، وسيوضح من خلاله كل المعطيات بالأسماء والأرقام عن الأطراف المتورطة في عمليات الاغتيال في تونس.

هذه التصريحات فجرت جدلا إعلاميا وسياسيا، وتتواصل تداعياتها ويتم ترويجها على مستويات واسعة في مواقع التواصل الاجتماعي والصحافة الإلكترونية، سواء منها المحلية أو العربية. وسط دعوات للحكومة وتحديدا للنائب العام بفتح تحقيق عاجل حول ما ورد في الفيديو، باعتبار أنها يمكن أن تؤثر على الوضع التونسي المتسم بحالة من التوتر على خلفية العمليات الإرهابية التي شهدتها البلاد مؤخرا.

من جهة أخرى شكك قطاع واسع من المطلعين في تصريحات بن غربية، وكتب المحلل السياسي عبداللطيف الحناشي في صفحته على فيسبوك، لِمَ يناور بن غربية و”يبتزُّ” فإن كان صادقا بما يملك من معطيات ومعلومات فليكشف الحقيقة… أما أن يقايض “أمنه” بالمعلومات التي يدّعي امتلاكها فهذا يشير إلى أمرين إثنين: الأول أن بن غربية طرف من أطراف اللوبيات التي تحدث عنها، الثاني أن ما يقوم به هو نوع من الابتزاز الرخيص الذي يساهم في خلط الأوراق ويضاعف من الأزمة السياسية والأخلاقية التي تعيشها البلاد.

رياض الصيداوي: بن غربية استخدم التواصل الاجتماعي لتوجيه رسالته حتى يحمي نفسه

بدورها قالت النائبة بمجلس نواب الشعب وأرملة محمد البراهمي مباركة البراهمي، في تصريحات صحفية أن الدولة التونسية هي فقط المخولة بالكشف عن قتلة الشهداء وليس أي طرف آخر، وأضافت أنها تثق في القضاء التونسي رغم عثراته ودعت بن غربية، إلى عدم توظيف ملف الشهداء في صراعات أو حساباته مع أطراف له معها أمور عالقة، وتابعت “إذا كان لديه ما ينفع القضية فليتوجه للقضاء”.

وتوجهت البراهمي، بالسؤال إلى بن غربية قائلة “أين كنت وأين كانت الوثائق التي تحوزها و دموع اليتامى تنهمر ودم الشهداء ساخن”.

قضية الإعلامي بن غربية، ليست الأولى من نوعها في تونس التي يتدخل فيها الصحفيون والإعلاميون في الملفات السياسية، فمنذ فترة قريبة تم إخلاء سبيل الإعلامي سمير الوافي بعد سجنه، بسبب اتهامات بابتزاز رجل أعمال هارب خارج البلاد، لتسوية وضعه داخل البلاد. كما تم توجيه اتهامات سابقة إلى وسيم ميغالو بتهمة انتحال شخصية رئيس الجمهورية.

هذا التداخل بين الإعلام والسياسة عزاه المراقبون إلى رغبة بعض الإعلاميين في استغلال مهنتهم لاقتناص مصالح شخصية، في ظل الوضع السياسي الراهن الذي يحتاج فيه السياسيون إلى تجميل صورتهم، عبر وسائل الإعلام والصلات الشخصية بالصحفيين والإعلاميين، كما أن العديد من رجال الأعمال ذكروا أنهم تعرضوا لمحاولات ابتزاز من قبل إعلاميين، بهدف الحصول على مكاسب شخصية أو مادية.

لكن هذه القضية تحديدا تحمل حساسية بالغة كونها تتعلق بملفات سياسية أثارت جدلا واسعا في تونس، حيث أوضح الخبير والباحث الاستراتيجي رياض الصيداوي في تصريح لوسائل الإعلام المحلية أن الإعلامي معز بن غربية استخدم وسائل التواصل الاجتماعي لتوجيه رسالته حتى يحمي نفسه. وكذلك لإقامة صفقة. مشيرا إلى أن بن غربية أراد أن يوجّه انذارا لمن يهددّه.

وأضاف الصيداوي أن بن غربية كان مرعوبا ومذعورا مما يعني أنه مهدّد بالفعل وهو في مأزق كبير ومتورّط ويضع يده على الشبكة التي تدخلّت في اغتيال البراهمي وشكري بالعيد، مشيرا إلى أن ما صرّح به هامّ و يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار خاصّة وأن قضية اغتيال بلعيد والبراهمي لا يوجد فيها بتّ صريح وهي مميّعة، نظرا لأنها جريمة مركبّة تتداخل فيها دول وجماعات عدّة حسب تفسيره.

وأكّد أنه يجب الانتظار إلى أن يصدر الفيديو الثاني الذي وعد به معز بن غربية حتى يتم الحكم النهائي على كلامه.

18