إعلامي سعودي كفره ابن باز يعتلي أمانة "منظمة التعاون الإسلامي"

السبت 2014/01/04
ملفات إسلامية كثيرة في انتظار مدني

بدأ السعودي إياد مدني رحلة مختلفة بوجه إسلامي، قادما من مناصب وزارية إدارية وإعلامية، شكّل منها خليطا وتفاصيل عديدة مع كل خطوة صعدها جعلت منه خصما لفئات عديدة ومع كل منصب، ولا يزال هو مرتفعا في مناصبه وتدرجاته.

من مدينة جدة السعودية سيظهر هذه المرة، كأمين عام لثاني أكبر منظمة على مستوى العالم بعد هيئة الأمم المتحدة، قائدا لخطاب 57 دولة إسلامية لا يزال بعضها يؤمن بدور «منظمة التعاون الإسلامي» لنشر التسامح وتهيئة بيئة للتعايش بعد صراعات مذهبية وتخوين وطني من أبواب الدين واتجاهاته.

السعودي إياد بن أمين مدني، فتى مكة المكرمة، يقترب من عتبة عامه السبعين عمرا، رجل وسطي في أفكاره وميوله، لكن مناصبه الإدارية جعلته يسير في خيوط التصنيفات الفكرية المجتمعية، بين ليبرالية وإسلامية، وهما ندّان لبعضهما في الواقع السعودي.

هو ابن للمؤرخ السعودي الشهير ورئيس تحرير جريدة المدينة الأول أمين بن عبدالله مدني، الذي اقتبس إياد منه منهجية البحث ورزانة الكلمة والحزم في قضايا معينة، وفتح له مناهل التحصيل العلمي في تخصصات الندرة لا الوفرة، حتى حصل على شهادة البكالوريوس في إدارة الإنتاج من الولايات المتحدة،ليعود قائدا إداريا في مناصب حكومية عديدة، لم يطل مكوثه بها حتى انتقل إلى رئاسة تحرير صحيفة «سعودي جازيت» الصادرة باللغة الأنكليزية ليكون أول رئيس تحرير لها، ومن خلالها عرف إياد في الأوساط العامة وبمساندة مناهضيه في الأوساط المحافظة، واستمرّ في الحقل الإعلامي حتى أصبح مديرا لمؤسسة عكاظ للصحافة والنشر في عزها المتوّج حتى أوائل التسعينات.

في مسيرته الإعلامية بـ«عكاظ» أصدر مفتي السعودية السابق عبدالعزيز بن باز حكما عليه بـ«الردّة والكفر» بعد نشر إحدى كاتبات الصحيفة مقالا عن قوامة الرجل، ما حدا بمجلة الدعوة نشر نصّ ردّ المفتي ابن باز، بعد رسالته إلى أجهزة الدولة بإيقاف المسؤول عن تحرير الصحيفة وتأديبه «تأديبا رادعا واستتابته عمّا حصل منه» لاعتباره أن المقال الذي سمحت الصحيفة بنشره «من نواقض الإسلام ويوجب كفرَ وردّةَ من قاله أو اعتقده أو رضي به».

اعتبر ابن باز، وهو المفتي الأشهر في تاريخ الدولة السعودية، أن «القائمين على عكاظ عُرف عنهم نشر المقالات الداعية إلى الفساد والإلحاد والضرر العظيم على المجتمع، كما عرفوا بالحقد على علماء الإسلام والاستطالة في أعراضهم والكذب عليهم» وهي كلمات تكررت ضدّ مؤسسات صحافية لاحقا ومنها صحيفة الوطن السعودية.

من الحج إلى الإعلام

يعتلي إياد مدني المنصب كأول سعودي يدير منظمة التعاون الإسلامي، ولديه من التحديات الكثير، مع تراجع شعبية المنظمة المفقود عملها مع أزمات عربية وإسلامية

بعد تلك الكلمات الصاعدة من قبل الرجل الديني الرسمي الأول التي لا تجرؤ مراكز عديدة في الدولة الوقوف ضدّها، احتجب إياد مدني عن العمل الإعلامي والظهور وحُجب عن بعض المناصب، واكتفى بعضوية بعض القطاعات التجارية والاقتصادية في شركات وبنوك كبرى، وبعد وفاة ابن باز تمّ تعيينه وزيرا للحج لدورة وزارية واحدة، قبل أن يبادل حقيبة الحجّ بحقيبة وزارة الثقافة والإعلام مع فؤاد الفارسي في العام 2003.

لم يكن للوزير مدني حضور أو بروز خلال إدارته وزارة الحجّ سوى إطلاقه تنظيم العمرة الذي تمّ تعديله لاحقا، عكس ما كانت عليه وزارة الثقافة والإعلام التي كان حضوره فيها على صعيدي الثقافة والإعلام مميزا وجريئا وقويا، أعاد فيها إياد مدني انتظام صفوف خصومه من الإسلاميين، على إثر قوة قراراته بإعادة بعض ممّا كانت عليه أجهزة الإعلام المحلية الرسمية بالمملكة.

في عهده اعتبره المحافظون السعوديون بـ«العلماني» الذي تجاوز حدود السياسة العامة للدولة بتجاوزه في توظيف النساء وظهورهن كمذيعات وخصص لهن برامج تهتمّ بالأسرة والطفل بأصوات ناعمة وظهور وردي لهن إضافة إلى اتهامات اصطدم بها الوزير إياد مدني أنه يسعى إلى تقليل ساعات بث البرامج الدينية. وفي حقبة الإعلام كذلك تراه صفوف عديدة داخل الوزارة الإعلامية أنه كان قائدا لتجاوزات مالية بعد أن بث في أركان أجهزة التلفزيون والإذاعة حياة التشغيل الذاتي لمتعاونين مع الوزارة بقطاعاتها، وأصبح ذلك حديثا إعلاميا كبيرا دون أية أدلة مع أو ضدّ الوزير الذي ظل صامتا.

كان الوزير إياد مدني صاحب الإطلالة الشهيرة له، بعد أن أذاع نبأ وفاة العاهل السعودي السابق الملك فهد بن عبدالعزيز في العام 2005 وهي من اللحظات النادرة التي تحدث فيها وزير الإعلام مدني، وإعلانه من ذلك الظهور مبايعة ولي العهد آنذاك الأمير عبدالله ملكا على البلاد.

على الصعيد الثقافي، لا يودّه المثقفون في بلاده، خاصة أولئك المرتبطين عاطفة ووجودا بالأندية الأدبية حيث آثر تأجيل انتخابات الأندية الأدبية في كل عام حتى اصطفت صفوفهم إلى جانب مناهضيه من الإسلاميين. وفي العام 2009 غادر وزارة الثقافة والإعلام مودعا بتصفيق الفرح من أطياف عديدة وترحيبا بمقدم الدبلوماسي عبدالعزيز خوجة الذي خلفه ولا يزال حتى اليوم.

ونال من الغضب الكثير خاصة من سلسلة خصوم معارض الرياض للكتاب السنوية، حيث رأوا أن الوزير إياد قصد التساهل في السماح لكتب ضدّ التكوين الديني للمجتمع السعودي، وسمح بتداول كتب لكتّاب عرب عرفوا بإلحادهم وعلمنتهم. بينما على الجوانب الشبابية كان داعما صامتا في الأوساط الرسمية بإنشاء دور سينما داخل المملكة، لكن جرعات الوزير لم تفلح في تحقيق الأماني وإكمال نواقص الترفيه.


التنويري على منابر العالم الإسلامي


اليوم يهيئ إياد مدني مقعده في مبنى منظمة «التعاون الإسلامي» بعد انتخابه أمينا للمنظمة أثناء قمة مصر الماضية 2012 في زمنها الإخواني القصير، بعد سنوات هدوء تفرّغ فيها مدني للتأليف وجمع حروفه المتناثرة عبر كتاب «سن الزرافة» الذي لمّ فيه كتاباته حول الهوية وتساؤلات في التنمية والبحث عن الذات المفقودة في الصوت الجمعي الكبير.

يعتلي المنصب كأول سعودي فيه، ولديه من التحديات الكثير، مع تراجع شعبية المنظمة المفقود عملها مع أزمات عربية وإسلامية هي الأوحد والأكثر علوا بين دول العالم، لم يسلمه الأمين السابق أكمل الدين أوغلو كرسيا فقط، بل ملفات لا تحملها جنود سليمان ولو أرسلت على بحر جدة حيث المقر لأبدلته أمواجا من دماء وخلافات وفرقة.

في عهده اعتبره المحافظون السعوديون بـ«العلماني» الذي تجاوز حدود السياسة العامة للدولة بتجاوزه في توظيف النساء وظهورهن كمذيعات

إياد لم يحقق التقارب بين أوساط المثقفين أنفسهم في وزارة الثقافة والإعلام، لذلك يأتي وهو مرشح السعودية الذي نال الويل من ألسن المجتمعات، وأمامه خلافات بين سياسيي الدول بل حتى سياسيي الدولة الواحدة، التي يعجز الزعيم الأفريقي الراحل مانديلا عن حلها.

أمامه أزمة سوريا والدولة بنظامها الأسدي معلقة عضويتها في المنظمة، وخلفه اختلافات أصحاب المرحلة الانتقالية الذين يحاولون التوافق على صيغة المشاركة في جنيف2- أواخر الشهر الحالي، خاصة وأن في المنظمة سند سوريا الكبير والعضو الكبير في المنظمة الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وتتواجد في المقاعد الخلفية للمنظمة روسيا كعضو مراقب.

إضافة إلى التركة التاريخية التي لأجلها أنشئت المنظمة في العام 1969 متمثلة في دولة فلسطين المتواجدة في كل قمة من خلال بيانات القمم الإسلامية الختامية، وتجددية سيل الدماء في لبنان المعتلي فيها حزب الله الإسلامي الذي يدين بدين إيران السياسي، وصراعات الخلافات المذهبية بين فصول الدين الواحد.

المنظمة المشلولة في عهدة إياد مدني اليوم، هل يحقق لقب جنرال العالم الإسلامي، مع فشل منظمات صغرى حتى على المستويات الإقليمية، تتصارع فيها بعض دولها على لقمة العيش ودعم خزائنها بالأموال الطائرة شرقا وغربا.

ستكون القمة الإسلامية القادمة في 2016 وفق الجدولة بالجمهورية التركية الغاضبة اليوم على أردوغان، لكن الحتمي أن هناك من القمم الطارئة ما يجعل إياد مدني مؤلفا لمرحلة ما بعد المنظمة بكتب لن تحمل أسرار «سن الزرافة» بل الزرافة الكبرى المفقودة.

13