إعلام أردوغان والديمقراطية! عندما باعت وسائل الإعلام نفسها

الشعب المثالي في نظر أردوغان هو ذلك الشعب الخانع المستكين الذي يقضي يومه يستمع للدعاية الموجهة من قبل السلطة الحاكمة تماما مثلما كان يحدث في الثلاثينات.
الاثنين 2018/10/08
الإرتماء في أحضان أردوغان

تحدث أردوغان، مع بداية العام الجامعي الجديد، ولم يستطع إنهاء كلمته دون التطرق إلى موضوع يروق له الحديث بشأنه كثيرا. قال أردوغان “الشعب هو القوة الرابعة…لا همَّ لنا سوى شعبنا. ما يهمنا هو الدرجة التي سيمنحنا شعبنا إياها؛ فالديمقراطية تستمد قوتها من الشعب وحده؛ فإذا كان الشعب حاضرا، فهذا يعني أن الديمقراطية موجودة هي الأخرى، وإذا غاب الشعب، فلا وجود للديمقراطية كذلك. لا يمكن للديمقراطية أن تستمد قوتها من هذا الإعلام”. تحدث أردوغان بهذه الكلمات في هدوء شديد.

من المرجح أن تشهد الفترة المقبلة استبعاد عدد من الكتَّاب ورؤساء التحرير في مجموعة أردوغان من مهام عملهم في التاريخ المحدد لذلك.

وعلى الجانب الآخر، صدَّقت محكمة الاستئناف، قبل 24 ساعة فقط من خطاب الرئيس، على حكم بالحبس بالمؤبد في حق ثلاثة من أبرز الصحافيين في البلاد (بالإضافة إلى ثلاثة زملاء آخرين)؛ حيث لاقت لائحة الاتهام المشوهة قبولا لدى المحكمة، ومن ثمَّ جاء حكمها على هذا النحو. وفي المقابل من ذلك، لم يسمع أحدٌ صوت أي من وسائل الإعلام التي طالما اعتبرت نفسها في صفوف المعارضة. (ومن تحدث منها أخذ يهلل لهذا الحكم. صارت وسائل الإعلام المعارضة مستقطبة لدرجة جعلتها تنضم إلى جانب الحكومة، وصارت تعزف على نفس الوتر).

كما تواردت، قبل خطاب أردوغان، أنباءٌ عن بيع مجموعة “خبر تورك” الإعلامية إلى طرف آسيوي، وقيل إنّ هذا الطرف سيحدد ما سيبقى في يد رئيس خبر تورك تورغاي جينر من صلاحيات، ولم يُكِّذب أحد هذه الأخبار، كما لم يتم الإعلان عن عدد الصحافيين الذين سيبقون، وعدد الذين سيرحلون عن المجموعة.

بدا أردوغان هادئا، وهو يتحدث في كل شيء يخص الإعلام؛ لأن الظروف صارت مواتية له أكثر من أي وقت مضى، كي يتحدث بما يريد.

انشغل العاملون في قطاع الصحافة بالتشاحن، وبمحاسبة بعضهم البعض، مستخدمين نفس اللغة التي دأبت السلطة على استخدامها، سواء أكان هذا بوعي منهم أم بغير وعي. وظهرت فئة منهم لا همَّ لها سوى الوشاية بالعاملين في هذا القطاع لدى السلطة الحاكمة؛ فئة كرست طاقتها للقيام بهذا الدور فحسب.أما أردوغان فكان، في نظر هؤلاء، محقا دائما في ما يقول وفي ما يفعل.

فهم أردوغان هذا الأمر في خريف عام 2011 بعد صيف دام شهد اشتداد هجمات متعددة لحزب العمال الكردستاني ضد الجنود الأتراك، أوقعت الكثير من الضحايا، فقام بدعوة القائمين على قطاع الإعلام في تركيا إلى اجتماع عاجل في شهر أكتوبر.

وبدلا من أن يرفض رؤساء المجموعات الإعلامية الاجتماع بأردوغان، هرول رجال الإعلام البارزون إلى الاجتماع، مُلبين هذه الدعوة القبيحة، ورموا بأنفسهم في أحضان أردوغان؛ ليصيروا منذ ذلك الحين خادمين لأهواء هذا النظام.

عقدوا اجتماع الخزي والعار. تحدث لسان حال الجميع بجملة واحدة “سيدي رئيس الوزراء، ما الذي يمكننا فعله، فقط قل لنا، ونحن سننفذ على الفور”. وعندما شكى أردوغان من الأخبار التي تتناول مراسم الجنازات العسكرية، لم يخجل أي منهم عن توجيه السؤال “حسنا سيدي، في رأيك كم دقيقة يجب أن يستمر البث المباشر لمراسم هذه الجنازات؟”، حينها لم يتمالك أحد مستشاري رئيس الوزراء، الذي كان يجلس في جانب من طاولة الاجتماع الطويلة، يستمع إلى هذا المُجُون؛ فهمس ضاحكا في أذن أحد رؤساء التحرير الجالس إلى جواره، ولم يتفوه بكلمة واحدة أثناء الاجتماع، قائلا “انظر ماذا يقولون! لم يتبق سوى أن يطلبوا من رئيس الوزراء طريقة صنع الباذنجان باللحم المفروم”.

استغل أردوغان حالة التشتت الموجودة في قطاع الإعلام ليرتقي بكل حزم، دون أن يجد من يعرقله، أو يثير حوله المشكلات

كان هذا الإعلامي على رأس المستبعدين اليوم، لا لشيء سوى أنه كان من الكُتَّاب الصادقين، الذي سنشعر بالأسف لغيابه عن قطاع الصحافة في تركيا. أما رئيس قطاع الإعلام، فلم يحذُ حذوه، وتقدم باقتراح إلى أردوغان قائلا “سيدي، يمكننا، لو أردتم، أن نشكل مجلسا من الأصدقاء العاملين في قطاع الإعلام؛ تقترحون عليه ما شئتم. يمكننا أن ننقح الأخبار معاً قبل نشرها”. التزم أردوغان الصمت، ولم يتحدث، فبادر بولنت أرينج، وكان يجلس إلى جواره، بالقول “لا، كلا، لا تزجوا بنا في هذا الأمر، الصحافة والإعلام عملكم أنتم”.

ما حدث كان مهزلة بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

وبعد مرور شهرين على هذا الاجتماع، وُضع هذا الإعلام تحت الرقابة لمدة 17 ساعة كاملة، أثناء تغطيته ﻟ”مجزرة روبوسكي” في 2011، التي راحت ضحيتها أعداد كبيرة من الأكراد، التزمت وسائل الإعلام بما أُمليَ عليها في هذا الاجتماع. كان كل شيء على ما يرام. أدرك أردوغان، بذكائه الشديد، أن القائمين على وسائل الإعلام تلك ليست لهم علاقة ببعض المفاهيم المجردة مثل الديمقراطية، وأنه سيكون من السهولة بمكان التحكم فيهم كيفما يشاء.

رأينا هذا في قضية غيزي كذلك؛ فقد أحكم قبضته على الإعلام أيضا، ووجهه كيفما شاء؛ ففي الوقت الذي كانوا يرمون فيه الأطفال في غيزي بالغازات الخانقة، ويعتدون عليهم بالضرب المبرح، كانت قناة سي.إن.إن تورك الإخبارية التركية تبث فيلما تسجيليا عن البِطريق. ولم يختلف الوضع في قناة خبر تورك التلفزيونية، التي تقع على بعد 200 متر فقط من المنطقة، التي يقذفون المواطنين فيها بالغازات؛ فقد استمرت هي الأخرى في إذاعة برنامج حواري عن انفصام الشخصية، الذي ربما يعبر عن حالتها في تعاملها مع هذا الحدث؛ حيث لم تقطع البث لإذاعة خبر عن هذه الواقعة. ومن المؤكد أن إعلاما كهذا لا يمت للديمقراطية بصلة.

تخطى أردوغان مرحلة الخطر في الفترة بين 17-25 ديسمبر، ولم يفتح أي منهم فمه للتعليق على المحاذير التي وضعتها الحكومة بعد ذلك، واستغل أردوغان حالة التشتت الموجودة في قطاع الإعلام ليرتقي بكل حزم، دون أن يجد من يعرقله، أو يثير حوله المشكلات.

وعندما نتحدث عن حال قطاع الإعلام في الوقت الراهن، ندرك أننا أصبحنا أمام ركام أو بقايا إعلام، ولسنا أمام إعلام حقيقي؛ حيث يعاني الآلاف من زملاء المهنة من البطالة واليأس، ولم تعد لديهم آمال يطمحون إليها، وقد انتهى بهم الحال إلى الإحساس بضيق العيش في تركيا.

صاروا كالحطام، مجرد حطام. وأصبح الملياردير، الذي يدين بالولاء لأردوغان، الذي هرول لحضور اجتماع أنقرة، على أمل “أن ينال الحظوة لدى النظام” من كبار رجال الإعلام، على الرغم من جهله بأبسط مبادئ العمل الصحافي.

وجد الذين أعرضوا بوجههم عما يحدث من جرائم قتل ومجازر قامت بها السلطة الحاكمة، اليوم أنفسهم على رأس قائمة المستبعدين من العمل الصحافي والإعلامي.

كان بإمكان أي منهم في السابق أن يناضل من أجل الديمقراطية، ولكنهم، وللأسف، لم يفهموا ذلك، أو بعبارة أدق لم يريدوا لهم أن يفهموا ذلك. لا نستثني من هؤلاء سوى أعداد قليلة للغاية من المؤسسات الصحافية، التي أعلنت عن قناعتها بأن ما يحدث في تركيا اليوم يتشابه مع موجة التدمير المتعمد، التي تعرَّضت لها ألمانيا في ثلاثينات القرن الماضي، التي استهدفت جميع العاملين في قطاع الإعلام دون تفرقة بين جنس أو لون. (كان هتلر يتفاخر أنه نجح في إغلاق 953 جريدة خلال الفترة بين 1932-1942).

لم يتبقّ في مجال الإعلام الحر، بعد حديث أردوغان الساخر، الذي ربما لم ينتبه إليه عن مهنة الصحافة، التي تشكل العمود الفقري للديمقراطية إذا جاز التعبير، سوانا نحن، وحفنة قليلة من الصحافيين، الذين يعملون بما لديهم من إمكانيات محدودة، رافضين دفن رؤوسهم في الرمال. لم يتبق سوى حفنة من المؤسسات الإخبارية المستقلة، من بينها موقع أحوال تركية، لا تزال تحترم حق المواطن في تلقي الخبر الصحيح.

الشعب المثالي في نظر أردوغان هو ذلك الشعب الخانع المستكين، الذي يقضي يومه يستمع للدعاية الموجَّهة من قِبل السلطة الحاكمة. (تماما كما كان يحدث في خطابات الثلاثينات).لا أعرف هل مازالت الفرصة سانحة أمام أرباب العمل الإعلامي المتنازعين في ما بينهم كي يجلسوا ويتدبروا أمرهم أم لا.والحقيقة أنني لا أعلق آمالا عريضة على هذا.لم يتبق لي الآن سوى أن أقول لهم كلمتين فقط شفاكم الله.

7