إعلام التواصل الاجتماعي مصدر للمعرفة أم لتشويهها

الخميس 2014/04/24

في ظل التطور الذي يعيشه إعلام التواصل الاجتماعي والانفتاح الثقافي في عصر العولمة، أصبح العالم قرية صغيرة وأصبحت شبكات التواصل الاجتماعي، مصدرا من مصادر نقل العنف المباشر وتصفية الحسابات، ولا سيما على صعيد نقل الأخبار والصور من مختلف بقاع الأرض، حيث تقوم بنقل الواقع المعيش في تلك البقاع مع ما يحمله من حسنات أو سيئات، وأحيانا دون رقيب أو حسيب، أو حتى أي حس أخلاقي، وما ينتج عن ذلك من أذى نفسي للشخص المتلقي.

وتقوم وسائل الإعلام وَفْق نظرية “التسويق الاجتماعي” بإثارة وعي الجمهور عن طريق الحملات الإعلامية التي تستهدف تكثيف المعرفة “لتعديل” السلوك بزيادة المعلومات المرسلة، أو للتأثير على القطاعات المستهدَفة من الجمهور.

وفي ما يخص ما يسمى ثورات الربيع العربي، أدت شبكات التواصل الاجتماعي دورا مميزا ومهما في عملية التواصل بين الأفراد والمجموعات على صعيد الحشد وإيصال المعلومة، وتمكنت المجموعات ” الثائرة” ضد هذا النظام أو ذاك من التواصل فيما بينها بشكل كبير، بحيث تمكنت في لحظة تاريخية من إسقاط رؤساء وهز عروش حكام. إلا أن اللافت، هو تحول الكثير من المجموعات، وعبر تلك الشبكات العنكبوتية، إلى لعب دور خطير ساهم في ازدياد الفرز الطائفي والمذهبي، وإلى بث سموم العنصرية ضد الآخر مهما استطاعت إلى ذلك سبيلا.

ودون شك، كان لأفلام يوتيوب وتويتر دور كبير في حشد الاهتمام الدولي لقضايا الاستبداد في دول العالم العربي، وللانتفاضات التي قامت ضد هذا الاستبداد.

منذ بداية الانتفاضات العربية اعتبر الكثير من المراقبين الذين كانوا من أنصارها، أن الشبكات العنكبوتية هي رمز من رموز التمرد، وتم إطلاق تسمية “الأراضي المحررة” على تلك الشبكات كونها لم تكن تخضع لأية رقابة مسبقة، وحتى أنه لم يكن من الممكن إغلاقها، لأن القائمين على المتابعة وإيصال المعلومة كانوا أسرع بكثير من الرقابة.

في بداية الثورات العربية، كانت الكاميرا سلاحا ذا حدين (محاولة نقل ما يحصل)، ولم يكن من الممكن نقل الكثير من الأحداث بشكل مباشر، واعتمد الناشطون على وسائلهم الخاصة لنقل الوقائع من الميدان، فكانوا يصورون المظاهرات السلمية من الخلف كي لا تظهر وجوه المتظاهرين فيتسببون في اعتقالهم أو تصفيتهم.

وفي أحد خطابات الرئيس الأسد في بداية الثورة السورية قال إنه لا يهمه الثورة والنشطاء بل يهمه من يصور ويرسل الصور ويوزعها والتي بالأساس ساهمت في نشر جرائم النظام وكشف أساليبه، مما دفع بالأخير إلى ملاحقة نشطاء الإعلام والتواصل الاجتماعي وتصفيتهم في محاولة لإخماد نار الثورة.

وفي المقابل نرى العديد من الناشطين “الإعلاميين” في العالم، يلهثون وراء الشهرة والدعم المادي من جهات محددة، تسعى إلى الحصول على أية معلومة أو صورة وإعادة بيعها لمن يدفع أكثر، وهنا تتحول الحرب إلى مصدر للثراء الكبير. الأخطر أن تلك الفيديوهات الموجودة على اليوتيوب كانت تظهر بعض الفصائل المسلحة (جهادية، أجانب) وهي تقوم بأشنع الأفعال، التي تجاوزت الأعراف والقوانين، والسؤال هنا يطرح حول الرقابة والمنع، أم أن ما يقدم للمتابع مقصود؟

ومن الخطأ اعتبار أن أية دولة أو نظام يمكنه السيطرة على شبكات التواصل الاجتماعي مع وجود أكثر من 700 مليون مشترك، إذ أن الشبكة العنكبوتية أصبحت “دولة عابرة للأوطان”، بالإضافة إلى أن بعض المواقع الإلكترونية قد يميل إلى التعاون مع العدالة للحفاظ على ماء الوجه، بينما هناك الكثير من المواقع يرفض ذلك، والمثال أن شبكة “تويتر” أعلمت مستخدميها في شهر يناير 2011 بطلب تقدمت به وزارة العدل الأميركية للحصول على كل المعطيات التي تخص أشخاصا متورطين في ويكيليكس من بينهم النائبة الايسلندية بريجيتا يونسدوتير صاحبة قانون 2010 حول وسائل الإعلام ويدعى “المبادرة الإعلامية الايسلندية الحديثة” الذي جعل من ايسلندا “جنة” لحرية التعبير، حسب ما اعتبره البعض آنذاك .

في كل الأحوال إن الآثار النفسية للصور المروعة التي تنتشر كل يوم على مواقع التواصل الاجتماعي ستترك أثرها فيما بعد على أشخاص كثيرين مهما كانت حالة التأجيل، لأن واقع الحال الذي نعيشه يثبت أن الحروب الماضية تركت جروحا كبيرة لم تندمل بعد.

كاتب وباحث مختص في الإعلام السياسي والدعاية

18