إعلام التواصل الاجتماعي واحد من ميادين الحرب السورية

استبدل السوريون وسائل الإعلام التقليدية بالشبكة العنكبوتية، وتحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى منصة لعرض الآراء والأخبار والشائعات على حد سواء، غير أنها تبقى من الناحية العملية مجرد رأي عام في مجتمع افتراضي غير تمثيلي في ظل عدم قدرة غالبية السوريين في الداخل على الوصول إلى الإنترنت.
الثلاثاء 2016/01/19
ليس كل من يحمل السلاح جيفارا

كانت ومازالت مواقع التواصل الاجتماعي، وخاصة فيسبوك، وسيلة التواصل وتبادل الأفكار الأساسية بين السوريين، ووسيلة أساسية لشحن المؤيدين سواء من طرف المعارضة أم من طرف النظام، وأثّر الفسيبوك على المزاج العام بشكل كبير وحتى على آراء القوى السياسية من الطرفين، على الرغم من أن من يُغرقه بالتعليقات لا يتجاوز 0.3 بالمئة من السوريين.

يُقدّر خبراء في المعلوماتية عدد السوريين الناشطين في ما يتعلق بشؤون الثورة على شبكة التواصل الاجتماعي فيسبوك بنحو 40 ألف سوري من المعارضين للنظام، ومثلهم تقريباً من المؤيدين له، وغالبية الطرف الأول هم من المقيمين خارج سوريا والهاربين من العنف والحرب، أما غالبية الطرف الثاني فهم من المؤيدين المقيمين داخلها وترتبط نسبة منهم بأجهزة السلطة.

تشير مراكز الرصد المتخصصة إلى أن عدد السوريين الواصلين للإنترنت لا يزيد عن نصف مليون سوري، أي نحو 2 بالمئة من السوريين، وليس كل هؤلاء بالطبع يهتمون بمواقع التواصل الاجتماعي، أو بالشؤون السياسية للمعارضة والموالاة، وهم بعيدون عن كل أطراف الصراع، بل يتابعون صفحات الموالاة والمعارضة من أجل معرفة الأخبار من الطرفين دون التفاعل مع أي منهما.

ولا يعبر نشاط نفس العدد من “الثوار” و”الشبيحة” في مواقع التواصل الاجتماعي، بالضرورة عن حجم جمهور المعارضة أو النظام، ولا هو مؤشر إحصائي لمن يمكن أن يفوز بالانتخابات بينهما، ولا يمكن البناء عليه في أي دراسة اجتماعية أو سياسية، لسبب بسيط هو أن كثيرا من السوريين في مناطق الثورة والمناطق التي تسيطر عليها المعارضة باتوا محرومين من الإنترنت أساسا، وفي أغلب الأحيان من الكهرباء أيضا.

ويُقدّر مهندسون سوريون أن نحو 95 بالمئة من المعارضين للنظام لا يستطيعون الوصول إلى خدمات الإنترنت، بينما تُقدّر هذه النسبة في المناطق المؤيدة له بنحو 50 بالمئة، وهي نسبة أكبر بكثير من المتاحة للمعارضة.

وتفتقد كثير من المناطق التي تسيطر عليها المعارضة للإنترنت كليا، ولا يتوفر بأي طريقة سلكية كانت أم لا سلكية، ومحظوظون من يتسنى لهم استخدام إنترنت دول الجوار في المناطق الحدودية، لكنّهم بالعموم يستخدمونه للحالات الضرورية والخاصة، وليس للتسلية أو متابعة الحرب “الافتراضية” المشتعلة على صفحات التواصل الاجتماعي بين مؤيدي المعارضة ومؤيدي النظام، فالتكاليف عالية والتغطية ضعيفة جداً ومتقطعة.

نسبة (محاربي) فيسبوك السوريين تعد متواضعة جدا بالمقارنة مع النسبة الكلية للسوريين

بالمقابل يؤمن النظام للمناطق التي يُسيطر عليها خدمات معقولة للإنترنت، وكلّف موظفين بأجور لمتابعة الشبكات الاجتماعية، تحت أسماء وهمية أو مسميات عديدة كـ”الجيش الإلكتروني السوري”، بعضهم متخصص بإغراق الشبكة بالآراء والأفكار المؤيدة للنظام، وبعضهم متخصص بتشويه سمعة المعارضة وبث الإشاعات.

وينشط 40 ألف ناشط إلكتروني سوري معارض بشكل يومي في موقع فيسبوك، جلّهم في الخارج، تُشكّل نسبتهم نحو 0.16 بالمئة من عدد السوريين، يتحكمون عملياً بالرأي العام للمعارضة ومزاجها العام، ويُمطرون بكثافة هذا الأثير الافتراضي بالآراء والمواقف الحاسمة والمُحرّضة والناقمة والمُحمِّسة والمخونة، ويستخدمونه ساحة للحرب ضد النظام وحتى ضد المعارضين المختلفين معهم في الرأي، ويؤثرون عملياً على الرأي العام وعلى قرارات المعارضة السياسية التي تخشى غضب فيسبوك فتتماشى مع شعبويته.

بالمقابل، يبث 40 ألف سوري مؤيد للنظام بكثافة كل ما من شأنه أن يرفع معنويات المؤيدين ويُحبط المعارضين، ويتحكمون برأي شريحة شعبية تتجاوب مع الأخبار دون تدقيق بالمعلومة، ويُوجّهون الرأي العام للمؤيدين ويعبّئونهم بما تريد السلطة من إحساس بالنصر وحنق وتخوين للمعارضين، كما تبثّ كما هائلا من الإشاعات التي تؤذي المعارضة وتضر بالثورة وتسيء لغير المؤيدين للنظام والمتماهين معه.

وتعد نسبة “محاربي” فيسبوك السوريين نسبة متواضعة جدا بالمقارنة مع النسبة الكلية للسوريين، حيث يتحكم 0.3 بالمئة من السوريين بآراء ومواقف وتمثيل 99.7 بالمئة منهم، غالبيتهم بعيدة عن المشاركة الفاعلة اليومية بشؤون الثورة والقضايا السياسية والأمنية، وهذه النسبة البسيطة من “المحاربين” والتي تقل عن نصف بالمئة يستند إليها الرأي العام في تقييمه للوضع السوري.

95 بالمئة من المعارضين للنظام لا يستطيعون الوصول إلى خدمات الإنترنت

بسبب الخصوصيات السابقة، لا يمكن الوثوق بالرأي العام المؤيد للنظام والمتولد عن مواقع التواصل الاجتماعي، فهو مصطنع غير تمثيلي، نسبته لا تُذكر على الرغم من امتلاك النظام للبنى التحتية للإنترنت والاتصالات، والأهم أن به الكثير من الحشو والخداع والكذب والإشاعات، وبالمقابل، ليس موثوقا الرأي العام المعارض للنظام والمتولد عن مواقع التواصل الاجتماعي هذه، فهو أيضاً غير تمثيلي ولا مكتمل، وفيه خلافات بينية، ويتحكم به من هم خارج سوريا أكثر ممن هم داخلها، ومن غير العدل إقرار الرأي العام لبلد من خلال كتل صغيرة.

لا شك أن لشبكات التواصل الاجتماعي دورا كبيرا في الأزمة السورية، فهي وسيلة فعالة للتأثير على البشر وعلى وسائل الإعلام العربية والدولية، وعلى تكوين الرأي العام، وهو أمر إيجابي نظرياً، لكن المشكلة أنه من الناحية العملية رأي عام في مجتمع افتراضي غير تمثيلي وغير مكتمل الأسس، يعتمد على سلوك الفاعلين والواصلين لهذه الشبكات في بلد يُحرم أهله من الوصول إليها، وما يقرره 3 بالألف من السوريين لا يمكن أن يُشكّل إجماعا ولا دليل سير ولا خطة لإنتاج قيم وطنية للمجتمع السوري.

18