إعلام الصوت المنفرد ينتكس في قضية خاشقجي

إعلام الصوت المنفرد بأصدائه الببغائية يضيّع على الدولة فرصا اقتصادية.
الاثنين 2018/10/29
إعلام الصوت الواحد

الأسلحة الثلاثة التي اقترحها جيمس جويس “الصمت والحيلة والمنفى” لم تعد خيارا في مصر الواقعة في قبضة إعلامية سافرة. إعلام الصوت المنفرد بأصدائه الببغائية يضيّع على الدولة فرصا اقتصادية بتراجع عائد الإعلانات في الصحف والتلفزيون، ولست وحدي من قرر أن يريح نفسه بالانصراف عن التلفزيون، وإذا حدث في أوقات الفراغ فيكون الهدف قنوات ماسبيرو زمان وروتانا كلاسيك ومباريات كرة القدم الدولية.

وقد أدى استبعاد فضيلة التنوع إلى لجوء الكثيرين إلى فضائيات قد يرفضون أفكار مموليها ومقدّمي برامجها، ولا تندهش من متابعة مسيحيين مصريين لقنوات الإخوان؛ لفقدان الأمل في عودة الرشد إلى إعلام سلفي بوليسي يقيني يمثله المذيع الفضائي أحمد موسى الذي أقسم، ثم أعاد القسم مصحوبا بابتسامة ثقة، مؤكدا أن جمال خاشقجي مكث في قنصلية بلاده في إسطنبول عشرين دقيقة، ثم خرج متوجها إلى المخابرات التركية. وبعد سلسلة من الارتباكات والتراجعات السعودية الرسمية الباحثة عن مَخرج معقول للأزمة، لم يعتذر المذيع الواثق عن هذه الخطيئة المهنية، ولو باختلاق مصدر وهمي ينسب إليه خرافة الخروج من القنصلية السعودية.

أي حدث مهما تكن خطورته، لا يدعو مذيعا إلى التشنج، وتبنّي رواية كاذبة يزايد بها على أولياء النعم. ويرتكب إعلام الصوت الوحيد جريمة التضليل، والإفتاء افتئاتا على حق المواطن في المعرفة من مصادر موثوقة، بدلا من التطوّع بإبداء آراء ساذجة توجب الاستقالة، وإنهاء “خدمة” إعلاميين أدمنوا خدمة أجيال من السادة. ولا يغامر إعلاميون من هذا الصنف باستضافة مصدر محترم، تفاديا لنسف أوهام المذيع، وإثبات جهله وغرضه ومرضه. فبعد 12 يوما من اختفاء خاشقجي، وتضارب التصريحات وغموضها حول مصيره، تم التوفيق بين رأسين في الضلال، باستضافة أحمد موسى في برنامجه الفضائي للسفير السابق سيد أبوزيد مساعد وزير الخارجية سابقا للشؤون العربية والشرق الأوسط الذي قال إن الكاميرات التركية “بالقطع سجلت عملية الخروج”. وبشماتة صريحة بصحافي أعزل، أعاد السفير السابق ما كتبه في فيسبوك تعليقا على جريمة قتل خاشقجي “إلى حيث ألقت.. في ستين داهية”.

الإبقاء على هذه السلالة المهنية من الإعلاميين، بعد إتمام الخلاص من أصوات محترفة وعاقلة، مؤشر على طبيعة انحياز الدولة، ولكن الولاء هنا لمن يدفع أجرة التاكسي. وقد صمت أغلب رؤساء تحرير الصحف والمجلات المصرية في قضية خاشقجي، صمتا غير جميل يستند إلى نظرية استحياء العيون الناتج عن إطعام الأفواه، وكان هؤلاء يفخرون بأداء الحج والعمرة هدية من سفير المملكة في القاهرة، ويسابقون إلى نشر صورهم في المطار بملابس الإحرام قبل أن يطأوا أرض الحجاز، ولعل ذلك كان أحد الشروط الدعائية للدعوة. أقول “لعل”؛ لأنني لا أملك على ذلك دليلا.

آخر حوار لحبيب العادلي وزير داخلية حسني مبارك كان قد أجراه أحمد موسى المحرر بقسم الحوادث في صحيفة الأهرام، ومعه أسامة سرايا رئيس التحرير آنذاك، ونشر في 25 يناير 2011 يوم اندلاع شرارة ثورة شعبية وطنية يصفها موسى الآن بالمؤامرة، وينفي عنها طبيعتها السلمية. وقد جعله المدّ الثوري يمالئ الثورة، في مقالاته بصحيفة الأهرام، ففي فبراير 2011 قال إن مصر 25 يناير تغيرت “فقد دخلنا مرحلة جديدة نتيجة لثورة ميدان التحرير”. ثم بالغ في مدح محمد البرادعي، الذي يرميه حاليا بالإرهاب والخيانة، فرشحه في مارس 2011، لرئاسة مصر “فهذا الرجل المعروف دوليا وصاحب السمعة الطيبة أول من نادى بتغيير النظام”. وفي يناير 2012 بعد مرور عام يسمح بالتقييم والمراجعة، قال “التاريخ سيكتب أن الجيش هو شريك رئيسي لنجاح ثورة ‏25‏ يناير”، ولم يحاسبه أحد على الادّعاء بشراكة الجيش في مؤامرة لهدم الدولة.

لا أستهدف بهذا المقال موسى أو فرعون، وإنما أقترب من مشهد إعلامي بائس، يكاد يقرّبنا من أحد الوجوه لكوريا الشمالية. ويخطئ من يتصور أن للإعلام المصري صوتا واحدا، ففي هذا الظن تجاهل للون شعبي مهمته التجييش والهتاف لدعم صوت إعلامي حكومي تقليدي يصطفي المرضيّ عنهم، ويحظر المغضوب عليهم. وامتدت عدوى هذا الإقصاء إلى عموم الإعلام الحكومي والخاص، ولن تشاهد أو تقرأ عن عمل للممثل عمرو واكد، إذ أحكم عليه حصار فني وإعلامي أطبقا أيضا على زميله خالد أبوالنجا. وأحيانا أجد في يوتيوب مقاطع من برامج فضائية توجّه إلى الأخير سبابا هستيريا، وحين يكتب أبوالنجا تغريدة يتأكد لك وجود كتائب إلكترونية متأهبة، تقف على باب حسابه، وتسارع إلى شن هجوم قاس يطعن في شرفه الوطني، وهذا ما أقصده بالأصداء الشعبية التي تغذي روح الكراهية، وتعرّض الأشخاص لأذى يمارسه غيورون على الوطن، وهم لا يختلفون عمّن يجاهدون في سبيل الله بقتل من يرونهم عصاة.

18