إعلام المعارضة السورية يعيد أخطاء إعلام النظام

الثلاثاء 2014/04/22
مشكلة إعلام المعارضة أن الأحداث هي التي تسيره دون وجود خطة واضحة

كانت الثورة السورية فرصة للإعلام السوري الحر المعارض للظهور بشكله العلني والواسع، لكن الإعلام المعارض الجديد أصيب بنفس أمراض إعلام النظام.

بعد أشهر قليلة من بدء الانتفاضة في سوريا قبل أكثر من ثلاثة أعوام، واجه السوريون الحملة القمعية والعسكرية التي شنها النظام لإخماد الثورة بأساليب مدنية وسلمية مختلفة، وفتحت الثورة المجال أمام الكثير من المثقفين والإعلاميين، المخضرمين منهم والشباب، للتعبير عن مطالبهم بالحرية والعدالة من خلال تأسسيس وسائل إعلام مرئية ومسموعة ومقروءة.

لم يعتد السوريون خلال الأربعة عقود الماضية على التعامل والعمل مع الصحافة الحرة، وشعروا بالارتياح مع وجود وسائل إعلام حرة، وهللوا لكل منبر إعلامي معارض جديد، بعد أن منع الإعلام السوري من الخروج قيد أنملة عن سياسة النظام.

في البداية برع الإعلاميون الشباب في هذا الشكل الجديد من أشكال المعارضة السلمية، وعبّروا من خلال وسائل الإعلام الجديدة عن تطلعاتهم في المرحلة المقبلة، وشكّلوا حالة من أشكال تحدي النظام.

وبدأت موجة جديدة من الصحافة تغزو سوريا، معتمدة في الغالب على صحفيين هواة ومتدربين ومواطنين صحفيين وبعض من المحترفين من المنشقين عن النظام أو المؤيدين لتوجهات الثورة، لكن الكثير منهم لم يلتزم بقواعد الإعلام وأسسه.


عشرات وسائل الإعلام الوليدة


صدر خلال الثلاث سنوات الأخيرة أكثر من ستين صحيفة ومجلة، غالبيتها بدأت كصفحات بسيطة على موقع التواصل الاجتماعي ثم تطورت ليكون لها موقع إلكتروني، وبعضها كانت له فرص تمويلية مهمة ليصدر بنسخ ورقية مطبوعة في سوريا وفي وخارجها، كما ظهرت عدة أقنية تلفزيونية وإذاعات معارضة.

من أبرز المطبوعات التي صدرت مجلة (عنب بلدي)، أصدرتها ورقيا مجموعة من الشباب الهواة من مدينة داريا بريف دمشق بشكل أسبوعي، وصدر منها حتى الآن (111) عددا، ومجلة (أوكسجين) في الزبداني بريف دمشق الغربي، و(سوريتنا)، و(طلعنا عالحرية) التي تتبع لجان التنسيق المحلية، وغيرها الكثير.

رغم تعدد وسائل إعلام الثورة السورية إلا أنها ظلت غير قادرة على مواكبة الحدث

كما واصل تلفزيون (أورينت) بثه ليكون واحدا من أبرز التلفزيونات المستقلة المعارضة للنظام، بالإضافة إلى قناة (بردى)، وشهدت الساحة انطلاق أكثر من 12 قناة تلفزيونية معارضة جديدة مثل (سورية الشعب)، (سورية 18 آذار)، (سورية الجديدة)، (سورية الغد) وغيرها، وبدأت كذلك عشرات الإذاعات المعارضة بثها مثل (راديو الكل)، (أورينت)، (روزنا)، (بداية جديدة)، وغيرها.

رغم تعدد وسائل إعلام الثورة السورية إلا أنها ظلت غير قادرة على مواكبة الحدث وعانت من ضعف الإمكانات الفنية والبشرية، واتسمت بالارتجالية وارتبطت كثيرا بأجندات مالية واستمر معظمها يعتمد على الهواة وعلى المواطن الصحفي، ولم يلتزم بقواعد المهنة للتحقق من المعلومة وغيرها من نقاط الضعف.


نقاط ضعف عديدة


من ملاحظة ودراسة إعلام المعارضة السورية يمكن وضع ثماني نقاط أساسية وهامة، أهمها أن أمراض وسائل إعلام السلطة وأخطاءها وثغراتها انتقلت إلى إعلام الثورة، وتشابهت الأساليب العمل، وكأن إعلام الثورة يقلد بالكامل إعلام السلطة.

ثانيا: لم تُؤسس وسائل إعلام الثورة بشكل منهجي لتغطي مختلف جوانب النشاطات الإعلامية، بل تأسست بشكل كيفي، ولم تجر دراسة جدية تؤشر على الحاجات وتنوع الوسائل بما يحقق هذه الحاجات، فمثلا لم يكن للائتلاف وقبله المجلس الوطني أو المعارضة الداخلية قناة فضائية ولا جريدة ورقية مركزية أو أي منبر إعلامي باسمه، واقتصر الأمر على مبادرات أفراد هنا وهناك، دون التقيد بالمنهجية، ويُشار هنا إلى أن السبب يعود إلى نقص المنهجية العلمية في التأسيس والعمل والرغبة الجادة والتقيد بأصول إدارة العملية الإعلامية.

ثالثا: إن إعلام الثورة كإعلام السلطة لم يضع خطة مكتوبة تحدد أهدافه واستراتيجيته وأساليب عمله، وبقي يعمل حسب آراء العاملين فيه أو بسياسة ردود الفعل، وهكذا فإن الأحداث هي التي كانت تسيّره وتوجهه وتحرضه.

إعلام الثورة كإعلام السلطة لم يضع خطة تحدد أهدافه واستراتيجيته وأساليب عمله

رابعا: لم يهتم إعلام الثورة سوى بالصراع المسلح وجزئيا بالنشاط السياسي للجماهير الشعبية والناشطين، ونادرا ما اهتم ببعض الأهداف غير العنفية، وأهمل أمورا كثيرة تدخل في مجال وعي الجماهير، كالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة وفصل السلطات.


مبالغات وديماغوجية


خامسا: اعتمد إعلام الثورة أساليب المبالغات والديماغوجية (وهي استراتيجية لإقناع الآخرين بالاستناد إلى مخاوفهم وأفكارهم المسبقة)، تماما كإعلام السلطة، وأحيانا اعتمد الأكاذيب دون شعور بالمسؤولية، مما أدى إلى انكشاف عدم صدقيته وعدم الثقة به.

سادسا: كلف الصحفيون بالعمل في إعلام الثورة في ضوء شجاعتهم وحماسهم وليس اعتمادا على مهنيتهم، ونادرا ما أُجريت دورات تدريبية لهم، وعلى ذلك كان ينقص العاملين في الغالب القدرات والمهارات المهنية، وبهذا أيضا وقع إعلام الثورة في ما وقع فيه إعلام السلطة، بمعنى الاعتماد على الولاء مطلقا، وبعد ذلك بدرجات على الإمكانيات.

سابعا: لم تهتم وسائل إعلام الثورة بإجراء دراسة نقدية لنشاطات الثورة وبرامجها ونجاحاتها وخيباتها، وتناولت هذه النشاطات على أنها ناجحة دائما وتستحق التنويه بينما حقيقة الأمر ليست كذلك.

ثامنا: اعتمد إعلام الثورة بالدرجة الأولى على صفحات فيسبوك وأمثالها، وهذه ليست ملكا له، ولا خطة منهجية لها، وما هي في الواقع إلا صرخات احتجاجية أكثر منها نشاط إعلامي منهجي.

لاشك أن سوريا تفتقد كليا إلى شروط العمل الصحفي السليمة والصحية، وهو ما أدى إلى حصولها على صفة أخطر بلد في العالم على الصحفيين، إلا أن كل ذلك لا يبرر للمعارضة السورية فشلها في صناعة إعلام بديل يختلف عن إعلام السلطة وعن صحف المنظمات الشعبية والنقابات التي كانت تعبر عن رأي (الدولة) رسميا والحكومة (فعليا).

18