إعلام بيد المعارضة خطر يقلق السلطة الجزائرية

تسعى الحكومة الجزائرية لإبطال صفقة بيع مجمع إعلامي مستقل إلى رجل أعمال لا يخضع لسلطتها، بعد أن عملت على تجفيف المنابع الإعلانية للمجمع والتضييق عليه، لتسييره وفق النهج الحكومي.
الجمعة 2016/04/29
إعلام في مواجهة عاصفة الحكومة

الجزائر – يشهد الوسط الإعلامي الجزائري قضية غير مسبوقة في تاريخه، إثر إعلان مجموعة “الخبر” الجزائرية، الأربعاء، أن الحكومة طلبت من القضاء إبطال صفقة استحوذ بموجبها رجل الأعمال يسعد ربراب، صاحب أكبر ثروة في البلاد، على المجموعة الإعلامية.

وعبرت إدارة مجمع الخبر الإعلامي عن استغرابها واندهاشها، لقرار استدعائها من المحكمة الإدارية بالعاصمة، من أجل إبطال صفقة بين المجمع لصالح ربراب، وأدرجت المسألة في خانة “التضييقات والمغالطات الممارسة من طرف وزارة الاتصال، وجولة جديدة من أجل تركيع صرح إعلامي مستقل يرافع لصالح الحريات والديمقراطية”.

ومجموعة الخبر التي تعتبر إدارتها معارضة للرئيس عبدالعزيز بوتفليقة تمتلك وسائل إعلامية عدة هي صحيفة الخبر، إحدى أبرز صحف البلاد، وقناة “كا بي سي” التلفزيونية ودار نشر ومطبعة.

ويرى متابعون أن القضية تسير إلى نفق مسدود، في ظل استمرار لعبة لي الذراع بين مجمع يحمل خطا تحريريا معارضا للسلطة، وبين وصاية تسعى لفرض ما تسميه بالمهنية والاحترافية، وستكون أروقة القضاء ساخنة عشية الاحتفال باليوم العالمي لحرية الصحافة، بما أن الطرفين سيكونان في مواجهة لا تتعلق بتجاوزات مهنية، وإنما بقضية غير مسبوقة ستفتح المجال أمام كشف تراكمات ترسبت بين الطرفين، منذ اضطلاع وزير الاتصال الحالي حميد قرين بحقيبة الإعلام في 2014.

وقدم بيان المجمع الذي وزع على وسائل الإعلام، تفاصيل عن صفقة بيع المجمع لصالح ربراب، تؤكد خضوع الصفقة للنصوص والقوانين المعمول بها، وأن ما استندت إليه الوزارة في إحالة المسألة على القضاء، ينطوي على “مغالطات تهدف إلى تركيع المجمع الذي صعب على السلطة ترويضه، بسبب استقلالية ذمته المالية”، بحسب البيان.

وكان المجمع الذي يضم 18 مساهما من الصحافيين والمهنيين، قد دخل منذ أشهر في مفاوضات مع رجل الأعمال ربراب، من أجل إنقاذ المؤسسة من الإفلاس بعد شهور من الحصار الإعلاني المفتعل، وتم التوصل إلى اتفاق يتنازل المساهمون بموجبه عن غالبية الأسهم، ما جعل الوزير قرين يلمح في أحد تصريحاته إلى “نظر الوزارة في قانونية الصفقة”، وهو ما تأكد من خلال اللجوء إلى القضاء الإداري، كطرف عمومي من أجل إبطال الصفقة.

لعبة لي الذراع بين مجمع يحمل خطا تحريريا معارضا، وبين وصاية تسعى لفرض ما تسميه بالمهنية والاحترافية

وتوقع مراقبون رد فعل السلطة لإجهاض المشروع، قبل أن يتحول إلى قلعة معارضة للسلطة، بما أن خط المجمع يتبنى موقفا منتقدا للسلطة وللعهدة الرابعة للرئيس بوتفليقة، لا سيما وأن رجل الأعمال ربراب لا يخضع لإملاءات السلطة، كونه من المحسوبين على مدير جهاز الاستخبارات المنحل الجنرال محمد مدين (توفيق)، وذراعا مالية تعارض تصورات نظام بوتفليقة، وهو ما عرضه منذ أشهر لضغوطات من طرف أحد

وزراء الحكومة تعلقت باستثماراته وحركة رؤوس أمواله. وكانت مصادر محلية تحدثت عن عزم ربراب تشكيل لوبي إعلامي فاعل، فبعد توقيع اتفاقية شراء مجمع الخبر، استمرت اتصالاته للتفاوض مع مجمع الشروق، ولم تستبعد أن تكون صحيفة “الوطن” الناطقة بالفرنسية من ضمن المشروع، لتضاف بذلك إلى صحيفة “ليبرتي” المملوكة له، وهو ما يكون قد أزعج السلطة، ودفعها إلى إجهاض المشروع، خشية أن تصبح الوسائط المذكورة والمُشَكّلة للرأي العام المحلي بحوزة رجل مناوئ للسلطة.

وتستند وزارة الاتصال في تحركها لإقرار بطلان الصفقة، إلى قانون الإعلام الصادر عام 2012، والذي “يحظر لأي شخص طبيعي أو معنوي أن يمتلك أو يسير أكثر من نشرية إعلامية واحدة، وبما أن رجل الأعمال يمتلك صحيفة “ليبرتي” الناطقة بالفرنسية، فإنه لا يحق له أن يمتلك نشرية ثانية.

كما يحصر القانون ذاته نسبة امتلاك الأسهم في النشاط السمعي البصري، في أقل من 40 بالمئة ولا أقل من أربعة مساهمين ليسوا من نفس العائلة في أي مشروع يمتثل للقانون المحلي، وهو ما لا ينطبق في الصفقة بشأن قناة “كا بي سي” التابعة لمجمع الخبر الإعلامي، وهو ما تراه الوزارة نقاط ظل تبطل المشروع من أصله.

ويمتلك مجمع الخبر الإعلامي، المؤسس مطلع التسعينات من بعض الصحافيين، صحيفة الخبر وقناة “كا بي سي”، وثلاث مطابع وموقعا إلكترونيا، وظل يحتل مكانة مرموقة في الساحة الإعلامية المحلية، حتى بداية تقهقره عام 2014، بسبب المتاعب المالية.

وأفاد بيان إدارة المجمع، بأن “عملية التنازل عن الأسهم لرجل الأعمال يسعد ربراب تمت في شفافية وفي إطار القانون، وأن ما تم في الواقع عبارة عن إحالة عدد من مساهمي المجمع، لأسهمهم لفائدة شخص معنوي يتمثل في شركة مساهمة تدعى ‘ناس برود’، وهي شركة فرعية لمجمع ‘سيفيتال’ المملوك لرجل الأعمال يسعد ربراب، وهي لا تملك أي نشرية صحفية، وأن صحيفة ‘ليبرتي’ تصدر عن مؤسسة أخرى يحمل فيها رجل الأعمال صفة شريك وليست صفة مالك”.

وقال البيان “إن إدارة المجمع، التي اعتادت على مثل هذه الضغوطات، تندد بكل شدة باستمرار هذا الهجوم، الذي لم يتوقف منذ نشأة هذا الصرح الإعلامي، المدافع عن الحريات الفردية والجماعية وحرية التعبير”.

وأعاب على الوزارة “صمتها عن امتلاك رجال أعمال جزائريين معروفين، وسياسيين مقربين من السلطة لأكثر من وسيلة إعلامية أو صحيفة، وأكثر من قناة تلفزيونية”. وهو ما اعتبرته “كيلا بمكيالين”، يأتي عشية الاحتفال باليوم العالمي لحرية التعبير، وفي ظرف يتميز بتقلص رهيب لمساحة الحريات في البلاد.

18