إعلام رث تحت القَسَم

الثلاثاء 2014/12/30

عندما تنمو الأخطاء السياسية والدينية في مناخ عدم الواقعية أو الواقعية الرثة، لن تكون آخر نتائجها أن يصنع الإعلام خطابه وفق العهد العشائري أو القَسَم الديني، كما يحدث في العراق اليوم مثلا، وليس الإعلام في العراق وحده من سقط في قيم صناعة الخطاب، بوصف الدين والمقدس ضامنين صادقين لإقناع الجمهور، بل إن موجة الإعلام الديني تكاد تسود بشكل مخيف في العالم العربي، بيد أن الأكثر مدعاة للخوف سقوط عدد من الإعلاميين في مثل هذا الفخ الديني.

وهذا ما حدث بالفعل عندما ارتكب محاور تلفزيوني في قناة عراقية، ما يوصف بأنه أسوأ ما في الخلط الشنيع بين الديني والإعلامي، وهو يجري حوارا مع عسكري مهزوم، مبتهجا ومتحمسا بأنهما معا المُحاوِر والمُحاوَر تحت القَسَم في محاولة لدفع مصداقية ما ينقله للجمهور، عبر الرادع الديني.

وهو “قَسَم” لا يمت بصلة في كل الأحوال مثلا للقسم الذي تطالبه القاضية جودي في برنامجها التلفزيوني الأميركي المحاكمة، لأن ثمة اتفاقا بين المتقاضين أمامها في وضع شرط مسبقا لإضفاء صبغة واقعية على مادة تلفزيونية.

مثل هذا الخلط الذي ارتكب في القناة الفضائية، يصفه الكاتب والصحفي البريطاني سيمون جنكينز بـ”هراء القرون الوسطى” عندما تنغمس وسائل الإعلام في تقديس الخرافة الدينية.

لأن الجمهور لا يحتاج القسم الديني ممن يطلون عليه عبر الشاشة كما لا يحتاج إلى أن يكتب المعلق هامشا مع كل مقال ينشره بأنه يسطر جمله وهو تحت القسم.

الجمهور لا يحتاج أيضا القسم الديني بوصفه حدا رادعا وصادقا لإيصال الأفكار والمعلومات، وإنما يتوق ويثق بالتعامل العقلي مع تفكيره بصفة الإعلام شاهدا مستقلا، ومانعا للفساد وتغول الحكومات.

ما حصل في القناة الفضائية العراقية في ما يمكن أن نطلق عليه “حوار القَسَم” يمكن تفسيره بنتاج الخلط المريع الذي يقوم به رجال الدين في عصر العولمة، عندما يجعلون من المسجد مكانا مثاليا لبناء الدولة، فينطلق معه التساؤل المخيف “مَن يحكم مَن: المسجد أم الدولة؟”.

والأكثر قلقا أن يقدم الإعلام خطابه بمواصفات غيبية لمجاراة الخطاب الديني بلبوساته السياسية، مثلما أقدم عليه المحاور التلفزيوني، سواء أدرك أم لم يدرك، بأنه قدم أقصى ما تتوق له الأحزاب الدينية وهو يشرع أدواتها الغيبية في الصناعة الصحفية، ومن بينها القسم، في إقناع الجمهور.

تماما مثلما يحاول الدعاة والمراجع والشيوخ جعل الانتخابات واجبا دينيا بدلا من خيارها السياسي الديمقراطي، في محاولة للتخويف والوعيد، والتي قد تؤدي في النهاية إلى تجريم مصداقية حقوق الإنسان ومن ضمنها الديمقراطية.

خطاب رجال الدين عندما لا يكتفي بدوره ويصبح سياسيا لا يمكن النظر إليه ملزما إلا من أراد ذلك، لأنه في النهاية مجرد إجراء يعني الحوزات والمراجع والمشايخ وفق مصالح لا تمت بصلة للعلاقة الروحية للإنسان بربه، أما أن يصبح أداة في صناعة الإعلام، فهذا لا يعني أكثر من تحجيم العقل والعودة بالحضارة إلى الوراء لأن فرض الغيبيات في وسائل الإعلام وكأنها حقائق يمثل مصدر خطر على الملايين.

فتعريف الإعلام لا يمكن أن يتم اليوم عن طريق خطب ووعود رجال الدين والمشايخ، بل من خلال القصص المنتجة وطبيعة محتواها ومن يقف وراء إنتاجها.

لن يجد الصحفي من يعيره الاهتمام عندما يقول أنا فعلت، لكنه سيسترعي الانتباه كل الانتباه أن قال بكل تواضع سمعت وشاهدت، أما عندما يصل الأمر بصحافة الزمن السياسي والديني الرث، أن يقول الصحفي “أقسمت” فهذا يعني أن الغربان بدأت ترتدي ربطات العنق وتدير نشرات الإخبار والحوارات، تماما مثلما أصبح للرماد أجنحة في العراق اليوم.

18