إعلام لبنان.. أزمة بين الجمهور ودعاة الحفاظ على أخلاقه

البحث عن نسبة مشاهدة عالية هو طموح كل وسيلة إعلامية مرئية، سواء كانت عمومية أو خاصة، حيث أنه وفق ما تقدمه هذه الوسيلة يكون مستوى الإقبال على المادة. ومنذ سنوات طويلة حرص الإعلام اللبناني على تقديم مادة يختار فيها الترفيه والمنوعات لجذب المشاهد اللبناني بصفة خاصة والعربي عموما، إلا أنه مؤخرا ظل يلقى الكثير من الانتقادات عقب ما أضحى يقدمه برنامج “نقشت” ذائع الصيت، حيث انقسم المنتقدون ما بين رافض ومطالب بتحديد معايير وضوابط تحترم أخلاقيات المادة المقدمة للمشاهد، وهو ما يطرح مجددا إشكالية الحريات وحدودها في واقع الإعلام العربي.
الاثنين 2017/01/30
الدين والحريات جدل دائم في المجتمع اللبناني

بيروت- يخشى اللبنانيون من تحول النقاش الذي أثير على خلفية المادة التي يعرضها برنامج “نقشت” إلى ذريعة لقمع الحريات العامة، وخصوصا مع تدخل بعض المؤسسات والمرجعيات الدينية في الموضوع ومحاولة طرحه من زاوية أخلاقية حصرا. واقترح وزير الإعلام اللبناني ملحم الرياشي في الاجتماعات التي عقدها مع مدراء المحطات التلفزيونية معالجات رقابية، وأعلن عن رفضه لمنطق الإقفال والمنع الذي طالبت به العديد من الجهات الرسمية وغير الرسمية. وبدا أن موجة الاحتجاج تتعاظم وتضم تيارات متباعدة ومتنافرة تجمع رجال الدين والمجتمع المدني، ولكن لم يهتم أحد بتصويب مجرى الجدل وطرح الأسئلة المهمة من خلاله.

ولعل من أبرز الأسئلة المهملة تلك المتعلقة بالشعبية الكبيرة التي حققها هذا البرنامج والتي من الممكن أن تجعل منه نموذجا إعلاميا ناجحا يحتذى به، فهل صنع هذا البرنامج جمهورا واسعا فجأة أم أنه استجاب فقط لمطالبه ورغباته؟ ومن الذي جر الآخر إلى مجاله؟ وهل جر الجمهور وسائل الإعلام إلى تبني النموذج الهابط الذي يعرضه برنامج “نقشت”، أم أن هذا البرنامج صنع جمهورا هابطا سيكون مدافعا دائما عن مثل هذا النوع من البرامج، ما من شأنه تحويل مسار المشكلة إلى مشكلة بين دعاة الحفاظ على أخلاق الجمهور وبين الجمهور نفسه؟

وعموما لا يجب إهمال احتمال وجود ازدواجية فصامية عند المشاهدين، بحيث يصعب معها افتراض أن نسبة المشاهدة العالية للبرنامج المترافقة مع نسبة إدانة عالية، لا تعني وجود جمهور واحد يشجع ويدين في الآن نفسه. ويعقّد هذا الواقع، الذي تثبته النسبة العالية للمشاهدة، المعالجات الممكنة لمشكلة الإسفاف في البرامج. وجدير بالذكر أن المؤسسة اللبنانية للإرسال التي تعرض برنامج “نقشت” لجأت بشكل غير مباشر إلى توظيف هذا الأمر في معرض دفاعها عن البرنامج عبر سلسلة من التصريحات لمسؤولين فيها دعوا من خلالها إلى استخدام “الريموت كنترول” بالنسبة إلى من لا يعجبهم هذا البرنامج أو لمن لا يرغبون في مشاهدته.

الرقابة والحريات

ويعتبر مقرر لجنة الإعلام النيابية عمار حوري أن “الخروج عن الأخلاقيات والذهاب في اتجاه الإسفاف الأخلاقي ولغة الشتائم أمران مرفوضان تماما ولا علاقة لهما بمسألة الحريات”، ويؤكد أن ”لا أحد يقترب أو يحاول المس بالحريات ولكن لا يمكن إطلاقا النظر إلى المسألة من خلال محاولة ربطها بموضوع الحريات، بل هي في مكان آخر تماما يتعلق برفض الابتذال وتدني مستوى ما تعرضه بعض البرامج”.

وبدوره يرى المخرج والممثل عمر ميقاتي أنه “لو أخذنا مثال الدول التي اخترعت التلفزيون في أواخر الثلاثينات من القرن الماضي، سنجد أن هذه الدول لديها أوقات بث مخصصة للكبار وممنوعة على من هم دون سن الـ18، ومعظم القنوات تصل إلى البيوت من خلال اشتراكات خاصة معينة، أي أن هناك رقابة وتقنينا من أجل أعمار معينة. بصراحة أجد أن بعض البرامج اللبنانية التي كانت تعرض سابقا أو تعرض حاليا، تتضمن إيحاءات ليست واضحة فقط، بل أيضا قد تكون سخيفة ومباشرة ولا تملك أي إطار، والدليل على عدم نجاحها هو فترة عرضها القصيرة والمتفاوتة”.

ويشدد ميقاتي على أن “الرقابة هي ضرورة على كل من يحاول أن يؤذي مشاعر الأطفال وحتى الكبار أيضا بشكل مباشر. لبنان لا يملك النظام الذي يمنع محطة معينة في أوقات مختلفة كما هو الحال في الخارج. البلاد التي تملك قدرا كبيرا من الحريات يصل إلى درجة الإباحية لكنها تملك ضوابط في الآن نفسه. هذه الضوابط ليست كبتا للحريات بل هي حفاظ عليها. هذه المشاهد تسيء بشكل مزعج إلى فئة المراهقين والأطفال لأنها تتدخل في حرية الطفل بشكل مباشر ولا تملك مضمونا، وهي مبتذلة وبلا ذوق. بعض المحطات العربية تحذف الكثير من المشاهد، أما في لبنان فلا رقابة مشددة على البرامج لكن هناك برامج لا يجب أن يشاهدها الأطفال تحديدا، وهنا تجدر الإشارة إلى دور الأهل في اختيار نوعية البرامج التي يشاهدها أطفالهم وضرورة إرشادهم بطريقة هادئة وحضارية”.

وطالب ميقاتي بأن تتم معالجة هذا الموضوع خارج وصاية المؤسسات الدينية، ويشير إلى أن “المؤسسات الدينية ليست لها علاقة ولا يجب أن تتدخل ويجب أن نترك الأمر للمؤسسات المدنية ووزارة الإعلام”. ويشير من ناحية أخرى إلى أن “التحفظ على البرامج الساخرة ليس على المحتوى فقط بل على المس بشخصيات سياسية أو دينية. الإيحاءات الجنسية، وإن كانت بشكل معقول وليست سفيهة، يمكن أن توصل فكرة من خلال نص معين ولكن يجب أن تكون لائقة، لأنه حين تكون هناك إساءة مباشرة لسياسي أو رجل دين أو شخص معين، فإن هذا يثير الكثير من الغضب”.

ويضيف “أنا ضد البرامج الهابطة والمبتذلة لأن بعضها لا يضيف شيئا. يمكن استخدام الإيحاءات في إطار حوار ذكي ونص لائق، كبرامج ‘الوان مان شو’ والبرامج المسائية الأجنبية التي تعرض جملة من المواضيع والمواقف التي قد تتضمن إيحاءات جنسية ولكن بشكل راق. أنا مع تأخير وقت عرض هذه البرامج ومع الرقابة التي يجب أن تكون مدروسة، وهذا ليس كبْتا للحريات بل هو منع بقصد عدم الإساءة لها”.

ورأى رئيس المجلس الوطني للإعلام في لبنان عبدالهادي محفوظ أن “هناك حرصا على الحريات الإعلامية وخصوصا في مجال الإعلام المرئي المشمول بالقانون 382/94 والمادة التي تنص على أن الإعلام المرئي هو إعلام حر. ولا خوف على الحرية الإعلامية لأننا نعتبر أن هذه الحرية هي ميزة لبنان في محيطه وهي ثروته أيضا”.

الانفتاح وحرية المرأة وحقها في اختيار شريكها هي عناوين تتم بلورتها في إطار يصور من يقبل بها بالشكل الذي يقترحه البرنامج والذي يقوم على الاستعراض العلني لرغبات والشهوات بوصفه ممثلا لهذه القيم

ووفق محفوظ، فإن تدخلات رجال الدين “لا تؤثر في مجال الإعلام المرئي إلا إيجابيا لأن هناك نصوصا يتم الاحتكام إليها وهي تنص على الشفافية، ودقة المعلومة، والأمانة، وعلى عدم المساس بالمشاعر العامة، ومراعاة الآداب. هذه العناوين العامة تشكل القيم الإعلامية التي تمثل صلب قانون المرئي والمسموع والتي يجب أن تلتزم بها المؤسسات الإعلامية المرئية، خصوصا أنها تستخدم الهواء السيادي وهو مرفق عام ويتابعها كل الناس، لذا لا بد من احترام هذه القيم”.

ويشدد محفوط على أن “معالجة أي مخالفة في مجال الإعلام المرئي والمسموع لا تتم إلا انطلاقا من القوانين ووفق دفتر الشروط، ولكن الحرية الإعلامية لا تعني الشطط والمبالغة والإثارات السياسية والإباحية. صحيح أن الاعتراض جاء من بعض رجال الدين ومن إحدى الهيئات التي تضم كل الطوائف اللبنانية، ولكن هناك اعتراضات جدية جاءت من المجتمع المدني وخصوصا من النساء”.

تسليع المرأة

يؤكد رئيس المجلس الوطني للإعلام في لبنان أيضا أنه “طلب منا بناء على توصية اللجنة البرلمانية الإعلامية ووزير الإعلام تقديم اقتراح بالتدبير الذي يجب اتخاذه حول هذه المسألة، وكانت اللجنة البرلمانية ميالة إلى اتخاذ قرار بإيقاف هذا البرنامج لأسبوع، ولكننا تشبثنا باعتماد أطر مختلفة فطلبنا نسخة من البرنامج. بعد المشاهدة الدقيقة تبيّن لنا أن الحلقة تضمنت تلاعبا بالكلام خلال الحوار الذي قدمه المقدم فؤاد يمين لا يمكن اعتباره إلا إيحاءات جنسية مباشرة. يمكنني أن أسوق العديد من الأمثلة فقد لعب المذيع على لفظة ‘تكنيك’ قائلا لإحدى الفتيات بحب ‘تكنيكك’، ‘طلع قصير كتير’، ‘قعدي على الفرام’ وكلام من هذا النوع. المفارقة أن هذا البرنامج قدم نفسه بوصفه برنامجا نسائيا يهدف إلى محاربة الثقافة الذكورية. لا شك أن هناك ثقافة ذكورية في مجتمعاتنا ولكن احترام النساء ودعوة المرأة إلى المشاركة في الحياة العامة وحضها على اتخاذ القرارات، لا تكون عبر ذلك الشكل المهين الذي يحولها إلى سلعة. وهذا ما اعترضنا عليه فحسب، ولحماية الحرية الإعلامية، لم نذهب إلى وقف البرنامج بل نبّهنا فقط إلى أنه لا يجب أن تبث هذه البرامج عند الساعة الثامنة والنصف بل بعد العاشرة والنصف ليلا. كما أن الإعلان عنها لا ينبغي أن يتم في ساعات النهار بل بعد الساعة التاسعة والنصف. طالبنا بإعادة النظر في المضمون للتأكيد على أن هناك في المجتمع نماذج نسائية من عاملات وأساتذة جامعات تستحق الإضاءة على نشاطاتهن وإجراء مقابلات معهن. ليس بالضرورة أن يكون احترام المرأة أو تقديرها بأن تسترجل بالمعنى الذكوري، وأن يكون نموذج الحرية المفترض هو أن تختار هي الرجل. لا تكمن المشكلة في حرية اختيار المرأة للرجل ولكن في كيفية التعبير عن هذا الأمر. ما حصل في إحدى الحلقات حين طلبت إحدى المشاركات من الرجل أن يتعرى، لا يعكس نموذجا يعبر عن الحرية، بل هو خدش للحياء العام وضرب لنموذج الرجل كذلك”.

أزمة الإعلام المرئي

ينبّه محفوظ إلى أن “الهدف من هذه البرامج التي تعتمد الإثارة السياسية أو الطائفية أو الجنسية هو محاولة كسب جمهور جديد، ولكن التجربة أثبتت من خلال برنامج ‘لول’ الذي كان يعتمد على النكات السخيفة أن هذا الخيار غير قادر على معالجة مشكلة الإعلام المرئي الذي يعاني من مشكلات مالية كبيرة. الإعلام المرئي يعتمد بشكل أساسي على أمرين هما قطاع الإعلان والصناعة الدرامية. لقد تراجعت صناعة الدراما بشكل كبير في لبنان حتى أنه يمكن القول إن مردودها لا يذكر، كما أن سوق الإعلانات التلفزيونية الذي كان يدر في العام 2000 دخلا يبلغ الـ200 مليون دولار، بات وفق إحصاءات العام الماضي لا ينتج أكثر من 40 مليون دولار. المشكلة الكبيرة في هذا القطاع لا تحل من خلال اللجوء إلى مثل هذا النوع من البرامج. هذا ما نعترض عليه ولكننا في الآن نفسه حريصون على ألا تتحول المؤسسات المرئية إلى كنائس وجوامع”.

ويبقى أن نقول في نهاية المطاف إن أزمة الإعلام المرئي هي أزمة بنيوية ولا تتعلق بما يمكن أن يثيره أي برنامج من مشكلات أو اعتراضات، لأن هذه الأزمة قامت أساسا على المحاصصة الطائفية. ومن الطبيعي أن تعمد هذه القنوات إلى مخاطبة الجهة التي تمثلها بشكل خاص، وأن تعكس هواجسها وأزماتها. ولا يمكن الحديث إزاء هذا الواقع عن خطاب إعلامي يتوجه إلى الجمهور اللبناني عامة، بل عن خطاب ينطلق من خصوصية معينة ويحاول الدفاع عنها وجر الطرف الآخر إلى القبول بها.

البرامج الفكاهية والترفيهية ومنها برنامج “نقشت” لا تخرج عن هذا الإطار بل تحاول الانطلاق من خصوصية معينة تطرح من خلالها موضوع صورة المرأة كما ينظر إليها خطاب اجتماعي وسياسي معين، واستخدامها بشكل خفي في إدانة الأطراف الأخرى. الانفتاح وحرية المرأة وحقها في اختيار شريكها هي عناوين تتم بلورتها في إطار يصور من يقبل بها بالشكل الذي يقترحه البرنامج والذي يقوم على الاستعراض العلني لرغبات والشهوات بوصفه ممثلا لهذه القيم، وشخصا مقبولا في المجتمع الذي يعكس هذه القيم ويتبناها، وهو مجتمع ينمو داخل المجتمعات التقليدية الطائفية ويقترح اختراقها عبر التناقض التام معها. المفارقة أن رفض الطائفية ووصاية الطوائف على الحياة العامة لا يعني أبدا القبول بنشوء طائفة جديدة تستعيد تطرف الطوائف في تعاملها مع القضايا العامة وتعيد إنتاجه بشكل يدمج الحريات وصورة المرأة بالإيحاءات الجنسية.

هذا النزوع يعتدي على الحريات وعلى المرأة وحتى على الجنس لأنه يدرجها في إطار علاقات السوق وقيمه وهي قيم لا شك أنها غير إنسانية ولا تعترف بالأخلاق أساسا، فكيف يمكن اعتبار التسليع ونظام العرض والطلب اللذين يقوم على أساسهما برنامج “نقشت” مدخلا لطرح قضية الحرية بما أنها تقوم على أسس قيمية تمثل النقيض المباشر لهما؟

كاتب لبناني

6