إعلام ما بعد الثورة في تونس رهين أجندات سياسية ومالية

تعد تونس البلد العربي المتألق في فضاء حرية الصحافة، وتفيد منظمة مراسلون بلا حدود أن الوضع هناك ليس بالمُشرق، لأن الصحافيين مازالوا يتعرضون للمضايقات، لكن لا وجود لإجراءات تعسفية ضدهم، وباتت وسائل إعلام ما بعد الثورة بتونس مهددة بالأفول بسبب تحديات مالية، وقفت الحكومة منها موقف المتفرج في مرحلة الانتقال الديمقراطي.
الخميس 2016/10/20
معركة من أجل البقاء

تونس – قال فاهم بوكدّوس، المدير التنفيذي لنقابة الصحافيين التونسيين، وهي هيئة مستقلة، إن ما “بين مايو 2015 ومايو 2016 فقط، أحصينا طرد 160 صحافيا وتقنيا في وسائل إعلام خاصة تأسست بعد الثورة، وتأخّرا في صرف رواتب 300 آخرين”.

وحذر بوكدّوس من “خطر اندثار جيل كامل من وسائل الإعلام الجديدة التي وُلدت بعد الثورة وما سينجم عن ذلك من تشوّه تنوع المشهد الإعلامي في تونس(..) لأنه لا يمكن أن تحصل تجربة انتقالية ولا ديمقراطية دون تنوع المشارب الفكرية داخل الخطوط التحريرية لوسائل الإعلام".

وتعيش بعض التجارب الإعلامية الخاصة ظروفا صعبة بسبب الأزمات المالية.

ومنذ العاشر من شهر أكتوبر الحالي دخل صحفيو “راديو كلمة” الخاص في “اعتصام مفتوح” بمقر الراديو في العاصمة تونس، بعد أن أبلغتهم الإدارة في اليوم نفسه أنها ستسرّحهم لـ“صعوبات مالية”. ومنذ ذلك التاريخ توقف الراديو عن بث أي برامج مقتصرا على إذاعة الموسيقى فقط.

وتأسس “راديو كلمة” عام 2005 الذي كان أول إذاعة معارضة لنظام زين العابدين بن علي تبث من تونس عبر الإنترنت قبل أن تغلقه السلطات بالقوة. ووفق خبراء في الإعلام، فقد شهدت تونس بعد ثورة 14 يناير 2011 “طفرة” إعلامية لافتة، إذ نشأت المئات بين صحف ومجلات ومواقع إلكترونية، والعديد من التلفزيونات والإذاعات الخاصة، لكنها لم تعمّر كثيرا إذ بدأت في الإغلاق الواحدة تلو الأخرى، بعد أن أفلست وطردت المئات من الصحافيين والتقنيين.

وفي الأشهر الأخيرة، تصاعدت وتيرة الطرد الجماعي لصحافيين بوسائل إعلام خاصة، ففي 11 مايو 2016، سرحت جريدة “التونسية” 21 صحافيا وتقنيا بعد توقفها عن الصدور بسبب أزمة مالية حادة.

مؤسسو الإذاعات والتلفزيونات الخاصة التي ظهرت مؤخرا مرتبطون بشكل وثيق برؤوس أموال لها أجندات حزبية

وللسبب نفسه طردت في يوليو الماضي جريدة “الضمير” اليومية المحسوبة على حركة النهضة الإسلامية، نحو 20 صحافيا ثم تحولت إلى جريدة “أسبوعية” لضغط التكاليف.

وفي وقت سابق، أغلق تلفزيون “المتوسط” المحسوب على حركة النهضة، في حين تعيش محطة “تي أن أن” TNN، وهي أول تلفزيون إخباري خاص في تونس، أزمة مالية حادة.

ونقلت تقارير صحافية عن الأستاذ في معهد الصحافة وعلوم الإخبار صلاح الدين الدريدي، أن ظاهرة “الإغلاق المستمر” لوسائل الإعلام التونسية تعود إلى “عدم مراعاتها، عند بعثها، مقومات الديمومة” و”ضيق” سوق الإعلانات في تونس.

وتتهم الهيئة الوطنية لإصلاح الإعلام والاتصال (الهايكا) ( رسمية) التي أحدثتها السلطات بعد الثورة بـ“المحاباة السياسية والتسرع وغياب العمق والشمولية في التصورات (..) في مجال الانتقال الإعلامي”.

ويؤكد فاهم بوكدوس أن “باعثي كل الإذاعات والتلفزيونات الخاصة التي ظهرت في تونس بعد الثورة، باستثناء الإذاعات الجمعياتية والجهوية، مرتبطون بشكل وثيق برؤوس أموال وأحزاب لها أجندات حزبية”.

ويمنع القانون التونسي أعضاء الأحزاب السياسية من إدارة أو تملّك الإذاعات والتلفزيونات الخاصة.

وتعتبر وسائل الإعلام الخاصة في تونس التي أنشأتها شركات بعد الثورة “شركات تتخفّى وراءها أحزاب تريد استعمالها لخدمة أجنداتها السياسية والانتخابية”.

وشدد فاهم بوكدّوس على أن “الدولة مسؤولة خصوصا في هذه المرحلة الانتقالية على ضمان تنوع المشهد الإعلامي في تونس، مذكرا “بأن نقابة الصحافيين اقترحت منذ 2011 بعث صندوق مموّل من الدولة لدعم الصحافة الورقية والإلكترونية والإذاعات الجهوية والجمعياتية”.

وأضاف “اقترحنا أيضا على الحكومة إعفاء الإذاعات الجمعياتية والجهوية من الضرائب لمدة خمس سنوات ثم في مرحلة ثانية إعفاءها من دفع تكاليف الترددات الراديوية الباهظة”، و“طالبنا ببعث وكالة لتوزيع الإعلانات الحكومية على الصحافة الإلكترونية والمطبوعة”.

وتبلغ قيمة هذه الإعلانات 18 مليون دينار تونسي (حوالي 8 ملايين يورو)، “وهو مبلغ يكفي، إن تم توزيعه بشكل عادل، لضمان الديمومة الدنيا لوسائل الإعلام المطبوعة والإلكترونية وحمايتها من الاندثار”، وفق فاهم بوكدوس.

ولاحظ بوكدوس أن توزيع الإعلانات العمومية “مازال يدار حتى اليوم بنفس الطريقة الزبونية” التي كانت معتمدة في عهد بن علي، وأن أغلب وسائل الإعلام التي تحصل على الإعلانات العمومية اليوم نشأت قبل الثورة و“استفادت من الدعم السياسي والمالي” لنظام بن علي.

وتوقع بوكدوس أن “تغلق وكالات الإشهار المقرر إحداثها، الباب بشكل نهائي أمام التوزيع الزبائني والمصالحي للإشهار العمومي”.

وأفاد أن نقابة الصحافيين “طالبت بضبط توزيع الإعلانات العمومية بمعايير صارمة أهمها احترام الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للصحافيين، أي أن المؤسسة التي لا تحترم هذه الحقوق تحرم مباشرة من الإعلانات، وباحترام المؤسسات الإعلامية لأخلاقيات المهنة الصحافية”.

18