إعلام ما بعد الرقمية

الأربعاء 2013/10/09

تزامن وصف الروائي الألماني غونتر غراس لمواقع التواصل الاجتماعي بـ»الهراء» والمطالبة بالابتعاد عنها مع تصريح الروائي الأميركي الأشهر على قائمة الكتب اليوم جوناثان فرانزين بتأثير تويتر على الحس الإبداعي العميق للكتابة.

الكاتبان يمثلان بطريقة أو بأخرى جانبا من المطبخ الإعلامي المشغول بإعداد وجبات متسارعة ومتنافسة بتصاعد مطرد بين الرقمي والورقي، مع إنهما يمثلان جيلين مختلفين تماما، وهذا ما يمنح كلامهما أهمية أن يكون في المتن وليس في الهامش.

فغراس «86 عاما» الحاصل على جائزة نوبل للآداب يصف نفسه بـ»الديناصور» في نأيه عن فيسبوك عندما يقول «إن الفكرة التي تخضع للاتصال بصورة مستمرة، والتي ربما تتعرض للمراقبة، هي فكرة بغيضة» رافضا أن يكون جزءا منها.

بينما يحذر جوناثان فرانزين «53 عاما» الجيل المعاصر من إضاعة وقته في المزيد من التغريدات عبر موقع التواصل الاجتماعي تويتر، بدلا من تطوير أدواتهم في الكتابة.

هذا الكاتب الذي يوصف بأنه من بين أهم الروائيين المعاصرين، بعد أن وضعت أعماله في لائحة الأكثر قراءة، وصف الكتابة بأنها ليست مؤسسة طائفية جماعية كي تجمع حولها الآخرين، بقدر ما هي جهد خيالي شخصي.

ويلتقي الكاتبان في وصف «الصداقة الرقمية» بـ»اللاصداقة»!، فغراس يرى أن من لديه 500 صديق على فيسبوك، لا يوجد لديه أي أصدقاء، لأن التجارب الافتراضية الظاهرية على الإنترنت لن تكون بديلا عن التجارب المباشرة.

وفرانزين يحذر الكتاب الشباب الذين يجهدون أنفسهم على زيادة تغريداتهم على الشبكة الاجتماعية قبل النظر في مخطوطاتهم للنشر، لأنهم يعتقدون أن لا أحد من الناشرين سينظر في مخطوطاتهم قبل أن يكون لديهم 250 من المتابعين على تويتر.

ويعتقد أن التكنولوجيا تركت عواقب غير مقصودة على الكتابة الإبداعية عبر وسائل الإعلام الرقمية خلال العقدين الماضيين.

سيبقى هذا الكلام إبداعيا مؤثرا ومقبولا عندما يتعلق بالنص الشعري والروائي مثلا، لكن الإعلام المعاصر لم يعد يقبله، وهو يتحرك بمسافة تبتعد يوما بعد يوم عنه.

فغراس لا يزال يكتب نصوص مؤلفاته بخط يده ثم يعيد طباعتها على الآلة الكاتبة القديمة، وليس هناك جهاز كومبيوتر في غرفة مكتبه، ولايملك هاتفاً محمولا. أما فرانزين فيعترف باستخدامه التكنولوجيا في الكتابة دون أن يسمح لها بإرغامه على إدمانها، لأنها بالنسبة إليه لا تملك الكثير لتفعله حيال تطوير حسه الإبداعي.

والكلام السابق سيجد له معادلا تنظيريا مقبولا عند الكاتب البريطاني سايمون جنكينز، عندما وضع تصوراً لمرحلة ما بعد الرقمية دون أن يلغي قيم القراءة التقليدية وطقوس زيارة المتاحف ودور العرض والمكتبات.

فيرى أن العصر ما بعد الرقمي سيكون بمثابة معادل تاريخي لأزمنة الراديو والتلفزيون والفاكس والصحيفة الورقية وبعدها الإلكترونية، دون أن يقلل من مستقبل قيم القراءة الشائعة والاستماع والمشاهدة الحية للحفلات الموسيقية والغنائية.

ويصف جنكينز الحاصل على وسام تقدير في مجال الصحافة، تلاشي الصحف الورقية لحساب الإلكترونية بالأمر المثير للسخرية، مطالبا بعدم الوقوع في خطأ إلغاء القديم من أجل التجربة الحية التي يبثها العصر الرقمي.

وكلام جنكينز سيكون بمثابة إجابة عن «تهكم» غراس وفرانزين، عندما ينظر بعين يقظة إلى تصاعد جمهور المتاحف والصالات الفنية في تعويض عن نسب القراءة المتواضعة في المهرجانات الأدبية وانحسار القراءات الشعرية والصحف الورقية، لأن أحد أسباب هذه العودة يعود إلى الملل والفرار من شاشة الكمبيوتر والتلفزيون مساء إلى أجواء طبيعية وفي عطلات نهاية الأسبوع.

كذلك يبدو أن العصر ما بعد الرقمي، لن يجعل من شبكة الإنترنت مقصدا في حد ذاتها ولكنها ستكون خارطة طريق إليه.

فكما يقول «كلما ازدهرت فرص التعامل الجماعي كلما خف الشعور بالوحدة، وهذا لا يقدمه الجلوس الدائم أمام شاشة الكمبيوتر، فالرسائل النصية الهاتفية تمثل نافذة على العالم وليست باباً».

وجنكينز ليس من أعداء التكنولوجيا، لأن الإنترنت تعد أكبر مكافأة مبتكرة في حياة الإنسان، إلا أن العودة إلى الكياسة تبدو مبهجة.

ولأنه لن يقبل –أسوة بمن يختلفون مع النوبلي غراس والمبدع فرانزين- بالقول إن الإنترنت ستدفع بأدمغتنا إلى الهرولة، بل هو يخسرنا فرصة القدرة على قراءة جمل طويلة أو التعامل مع المعلومات المعقدة للغاية، والكثير من التحديق في الشاشات يكون سيئا للعينين وللظهر.

18