إعلان الخلافة: التيارات الإسلامية والاختبار المر

الجمعة 2014/07/11
داعش "تسير منفردة" نحو خلافة مستحيلة وتضع التيارات الإسلامية في حرج

إعلان إبراهيم عواد البدري (أبو بكر البغدادي) خليفة للمسلمين في أول أيام رمضان 2014، عن طريق الناطق باسم الدولة الإسلامية أبو محمد العدناني، كان في عمقه وحقيقته إحراجا حقيقيا لتيارات الإسلام السياسي بمختلف تلاوينهاومشاربها.

كل التيارات الإسلامية التي تعتبر الخلافة الغاية الأبعد، وجدت نفسها أمام مأزق يقوم على خيارين أحلاهما مرّ: إما مبايعة البغدادي في خلافته والانسجام مع ما تدعو إليه منذ عقود، أو التناقض مع أس بنيتها العقائدية والأيديولوجية.

الخيار الأول، أي الاصطفاف جنب البغدادي، خليفة المسلمين الجديد، ومبايعته يضع التيارات الإسلامية في مواجهة الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي الحالي بكل ما يقتضيه من ارتباطات محلية وإقليمية ودولية. أما الخيار الثاني فيضعها في حرج أمام أنصارها ومريديها، تبعا لأنها (دون استثناء) كانت تسوّق لهم أن الهدف الأبعد والأقصى هو تحقيق الخلافة.

الواضح أن أغلب التيارات الإسلامية الكبرى (سنية أو شيعية) اختارت أن تحسم في خلافة البغدادي. وفضلت بعض الفرق والتنظيمات أن تمضي في مبايعة الخليفة الجديد (تنظيم أنصار الشريعة في تونس بايع ناطقه الرسمي الخليفة الجديد من على منبر جامع قيرواني).

استعراض المواقف الإسلامية المنددة بإعلان خلافة طالما كانت اشتهاء فكريا وأيديولوجيا، يكفي للتدليل على أن الإسلام السياسي قرّر أن يتخذ مسافة من الحدث.

الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الذي يرأسه يوسف القرضاوي، راسم الخطوط العريضة للمنهج الإخواني، أصدر بيانا ممهورا بإمضاء رئيسه وأمينه العام (علي محيي الدين القره داغي) اعتبر فيه أن “إعلان تنظيم الدولة الإسلامية عن ما أسموه بالخلافة الإسلامية ما هو إلا افتقار لفقه الواقع وأشبه بالانقضاض على ثورة الشعب التي يشارك فيها أهل السنة بكل قواهم…”. وواصل الاتحاد حسمه في “حدث الخلافة” باعتبار “ربط مفهوم الخلافة الإسلامية بتنظيم بعينه اشتهر بين الناس بالتشدد، والصورة الذهنية عنه سلبية حتى بين أبناء الأمة الإسلامية أنفسهم، لا يخدم المشروع الإسلامي أبدا”.

وكان الشيخ راشد الغنوشي، عضو مجلس أمناء الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين وزعيم حركة النهضة التونسية، منسجما مع تصوّر الاتحاد ورئيسه، إذ أدلى بدلوه في القضية قائلا “إن ما قيل عن إعلان لقيام دولة الخلافة عمل طائش يعطي رسائل خادعة للناس، وإيذانا باستمرار التقاتل الأعمى بين المسلمين، لأن الدول لا تنشأ بهذه الطريقة الساذجة”.

أما حزب التحرير، الذي تعده بعض القراءات أكثر التيارات الإسلامية غلوا، والذي يدعو في كل أدبياته إلى قيام الخلافة الإسلامية على منهاج النبوّة، أصدر بيانا عاصفا، ندد فيه بحركة البغدادي، حيث اعتبر رئيس المكتب الإعلامي للحزب ممدوح قطيشات أن إعلان زعيم الدولة الإسلامية الخلافة، هو بمثابة “لغو لا يقدم ولا يؤخر في واقع تنظيم الدولة بأنه حركة مسلحة قبل إعلان البيعة وبعد إعلان البيعة”.

جماعة وليدة تعلن الخلافة وطائفة واسعة من الجماعات الإسلامية ترفضها لأنها عجزت تاريخيا عن القيام بها

لا يبدو ضروريا هنا، استعراض مواقف الإسلام السياسي الشيعي من إعلان الخلافة تبعا لعمق الأخاديد الأيديولوجية والفكرية الفاصلة بين المدرستين، ولأن التيارات الشيعية تستعيض عن فكرة “الخلافة” بفكرة “الإمامة”، أي أن الخلاف بينها وإعلان البغدادي مبدئي ولا يتحمل مناورات التكتيك السياسي.

اللافتُ في الرفض الإسلامي الواسع للخلافة، أنه لم يكن مبدئيا، بل استند على أن خلافة داعش تعوزها شروط اللحظة المناسبة والفضاء المكاني وبعض المقتضيات الأخرى مثل موافقة “أهل الحل والعقد وأولي الأمر، من العلماء والأكفاء والمسؤولين وأصحاب القرار، والجماعات الإسلامية” حسب ما ورد في وثيقة الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، لكن الخلافة وعودتها مرة أخرى “أمر جلل، تتوق إليه أنفسنا جميعاً.. تفكر فيه كل عقولنا، وتهفو له كل أفئدتنا، ولكن له ضوابطه الشرعية، وله من الإعداد الكبير والعميق على كل المستويات” ودائما انطلاقا من بيان اتحاد يوسف القرضاوي.

القضية الأخطر هنا أن التيارات الإسلامية الرافضة لإعلان الخلافة، عللت رفضها بعدم توفر الشروط، أي أنها تحافظُ على ديدنها في اعتبار إقامة الخلافة الإسلامية هدفا أسمى، ولم تتوصل بعد إلى أن الخلافة في حد ذاتها، كمشروع أيديولوجي، ليست من جوهر الدين بل هي حصيلة اجتهادات بشرية تضافرت مع عوامل تاريخية وسياسية لتفرز نمطا سياسيا، مثل آنذاك حلا سياسيا مناسبا للحظة العربية الإسلامية. لكن التيارات الإسلامية (جماعة الإخوان وحزب التحرير، والتيار السروري، والتيارات السلفية، وتنظيم القاعدة ومشتقاته) كلها تواصل الدعوة إلى إقامة الخلافة، وهنا مثل إعلان البغدادي، زعيم تنظيم حديث النشأة والتكوين، إحراجا مضاعفا لها. إذ أن الدعوة التي لاقت هوى عند بعض التنظيمات الصغيرة خاصة القريبة من المعين القاعدي، وضعت تيارات وجماعات الإسلام السياسي أمام مفارقة مزدوجة.

إما أن تساند خلافة البغدادي وتحترق سياسيا محليا وإقليميا ودوليا، وتخسر كل ما كابدته طيلة عقود من أجل إثبات أن منطلقاتها الدينية لا تسحب منها صفة الطرف السياسي، وأنها مستعدة لخوض غمار العمل السياسي وفق مقولاته الحديثة (الديمقراطية والانتخاب والتداول السلمي على السلطة) وهي مقولات تتناقض جذريا مع استتباعات “مشروع الخلافة”، أو أنها تعارض وترفض مبايعة الخليفة البغدادي وتقع في حرج شديد أمام أنصارها والمتعاطفين معها ومع المشروع الإسلامي في معناه العام، إذ أنها ستبدو متنكرة لأحد أول مبادئها وأهدافها وغاياتها. نذكر هنا أن جماعة الإخوان المسلمين مثلا ومنذ نشأتها كانت تنظّر لمشروع الخلافة الإسلامية، بل عززت المفهوم بإضافات فكرية ذائعة الصيت من قبيل “الحاكمية” و”أستاذية العالم” وغيرها.

البعد الثاني للمفارقة، هي أن التيارات الإسلامية خاصة العريقة منها، وفي تعللها بعدم إمكان تحقق الخلافة “الآن وهنا” لعوامل ظرفية لم تمسّ مبدأ وجوهر رؤيتها للمشروع، لم تتوصل إلى تبديد “ضآلتها” أمام التنظيم الوليد “داعش” الذي لم يتجاوز عمره ست سنوات ومع ذلك تجرّأ على إعلان الخلافة الإسلامية، في حين عجزت عن ذلك جماعة الإخوان المسلمين التي ولدت من رحم الامتعاض على وفاة “الخلافة الإسلامية” في نسختها العثمانية، وهذا تماما ما تراه فئات واسعة من الشباب الإسلامي السلفي خاصة.

الظرف التاريخي الراهن أصبح يقوم على مقولات مغايرة، لا تحتمل استحضار مشروع سياسي من زمن آخر

إعلان الخلافة من داعش مثل اختبارا حقيقيا لإلباس الدين بالسياسة، وأثبت عقمه. جماعة وليدة تعلن الخلافة في عمل من قبيل المغامرة، وطائفة واسعة من الجماعات الإسلامية ترفضه لا لاختلافها معه، بل لأنها عجزت تاريخيا عن القيام به، وظلت تتخبط بين الجماعة الدينية والجسم السياسي.

ملاحظة أخرى ينبغي الإشارة إليها، ومفادها أن جماعة الإخوان المسلمين، تتحمل المسؤولية الفكرية والأيديولوجية في ولادة تنظيم داعش وسواه. فالمعلوم أن كل التيارات الإسلامية في العالم العربي الإسلامي نهلت من معين المدرسة الفكرية الإخوانية (وخاصة حسن البنا وسيد قطب) وتأثرت بها، ولاشك أن فحص أدبيات داعش ومنطوقها الفكري كفيل بتبين التأثيرات الأيديولوجية الإخوانية.

الخلافة اجتهاد بشري تحدد في سياق تاريخي معيّن، وأفرز نظاما سياسيا أدى وظيفته في ظرفه. الظرف التاريخي والسياسي الراهن أصبح يقوم على مقولات مغايرة، ويعتمد على ثوابت سياسية حديثة مثل الوطن والديمقراطية والانتخاب وغيرها من الأركان التي لا تحتمل استحضار مشروع سياسي من زمن آخر. ولذلك فإن إعلان البغدادي لن يتجاوز الفرقعة الإعلامية، وسيختفي كالفقاع، لأنه أقرب إلى النكوص الفكري والسياسي وستلفظه مقتضيات الزمن الحاضر.

13