إعلان النوايا: انتصار جعجع ومأزق عون

الأحد 2015/06/07
إعلان النوايا.. لحظة سياسية تعني أن عون يبحث عن طوق النجاة الأخير وأن جعجع انتصر أيا كان مصير الإعلان

كانت زيارة المرشح الرئاسي وزعيم حزب (القوات اللبنانية)، د. سمير جعجع، إلى غريمه المسيحي، زعيم (التيار الوطني الحر) ومرشح (حزب الله) للرئاسة، ميشال عون، حديث كل وسائل الإعلام في لبنان وحديث بعضها خارجه. وكان لافتا، رأي بعض غير المختصّين بالشأن اللبناني، فمنهم من ظنّ أن إعلان النوايا الذي توج الزيارة، انقلاب من جعجع على قوى 14 آذار، ومنهم من ظنها تملصا عونيا من التحالف مع (حزب الله).

إن ورقة إعلان النوايا هي بمثابة إطار تفاوضي من جهة، وقواعد لإدارة الخلافات والاختلافات من جهة أخرى، لا يمكن لجعجع أن ينشق عن ثورة الأرز لأنه عمادها، ومن الصعب على عون أن يتحرر من (حزب الله) لأنه تابعه.

بقراءة عامة لفحوى إعلان النوايا الناجم عن مبادرة القوات اللبنانية، يمكن تلخيصه بتنفيس احتقان الشارع المسيحي، تحرير المشهد السياسي من رواسب الحرب الأهلية وتراكماتها، تحديد القواسم المشتركة وإدارة الخلافات والاختلافات من خلالها، والأهم، الاتفاق والتنسيق على حضور المسيحيين في الدولة اللبنانية ودورهم ورفض تهميشهم.

أي أنه ليس من المنطقي، أن نصف إعلان النوايا مثال لتحالف قواتي – عوني، بل هو تدشين مرحلة تحولت فيها العلاقة القواتية – العونية من العداوة إلى التنافس، وهو توجه محمود لصالح المسيحيين ولصالح لبنان.

لبنان بلد عربي تميز بوجهه المسيحي، وبالعنصر الماروني على وجه الخصوص، ومن خلال سير الأحداث – على مدى عقود خلت – اتضح بما لا يدع مجالا للشك، أنه كلما ضعف مسيحيو لبنان اقترب وطنهم بكل طوائفه ومناطقه من الهاوية، كما أن المسيحيين في هذه المرحلة يواجهون تحديات وجودية، فالإرهاب الداعشي يريد إلغاءهم، والإرهاب الإيراني يريد ابتلاعهم، لذلك كان لا بد من تحرك يراعي المسؤولية التاريخية وطنيا وطائفيا بشد الصفوف، وأتت هذه المبادرة من د. سمير جعجع.

من ناحية عون، لم يكن أمامه مفر إلا قبول المبادرة، فقيام حزبه على عصبية طائفية وإقليمية تستهدف السنة والعرب، فاقم المخاطر على جمهوره، والرجل مسؤول عن تعطيل الموقع المسيحي الأول في العالم العربي، رئاسة لبنان، لمآرب شخصية، مما يرجّح الرأي الذي يقول، إن مبادرة القوات لو حصلت قبل ثلاث سنوات لما وجدت أذنا صاغية، هذا إن لم تكن هناك بالفعل مبادرة لم تجد القبول.

ليس من المنطقي، أن نصف إعلان النوايا مثال لتحالف قواتي – عوني، بل هو تدشين مرحلة تحولت فيها العلاقة القواتية – العونية من العداوة إلى التنافس، وهو توجه محمود لصالح المسيحيين ولصالح لبنان

إن الصراع التاريخي بين القوات وبين التيار العوني يعبر عن هويتين مختلفتين وعن مسارين متناقضين، فـ(القوات اللبنانية) تعبر عن لحظة أرادت حماية لبنان من أن يكون وطنا بديلا للفلسطينيين، وأرادت حمايته أيضا من أن يكون مزرعة ملحقة بالدولة البعثية في سوريا، لذلك فإن الظن بأن القوات وليدة تعصب يستهدف الإسلام ليس دقيقا بالمرة، القوات هي أكثر التيارات السياسية حرصا على الدولة وعلى لبنان كوطن نهائي بصيغة العيش المشترك، والشاهد على ذلك زمن الحرب نفسها، فالدولة لم تغب عن المناطق المحكومة من القوات، والقوات حاضرة – أيا كان زعيمها – لصد أيّ مشروع يلغي لبنان أو يبتلعه، وصادف أن أغلب المزاج المسيحي ينتمي إلى هذا النهج، وصادف – في المقابل – أن أغلب المزاج الإسلامي زمن الوصاية الفلسطينية ثم الوصاية السورية كان مكرها على التموضع في صفوف أخرى، وحين تحرر اللبنانيون من الوصاية السورية انخرط المسلمون والمسيحيون تحت راية لبنان، وقبل الوصاية الفلسطينية كان والد الاستقلال اللبناني مسلما سنيا اسمه رياض الصلح، بالشراكة مع رفيقه الماروني المسيحي بشارة الخوري.

على الضفة الأخرى، التيار العوني هو وليد لحظة مختلفة تماما، فاسمه السائد يشير إلى حالة مرتبطة بشخص لا بمبادئ، لذلك من يريد معرفة عون عليه ملاحظة تاريخه في الحرب الأهلية وما تلاها، كان همه بداية كرسي وزارة الدفاع، وحين ارتكب الرئيس أمين الجميل جريمة تاريخية، بتسليم السلطة إلى حكومة عسكرية يرأسها عون، ارتفع سقف طموح الجنرال إلى كرسي الرئاسة، وما زال لبنان ومسيحيوه يعانون من هذه اللعنة.

المطامح الشخصية الصرفة للزعيم جعلته مستعدا للتنقل بين الشرق والغرب، فتارة هو جندي صغير في جيش حافظ الأسد، وتارة أخرى يشن حرب التحرير على الجيش السوري، هو داعية إلى الدولة الفيدرالية مرة، وواعظ الدولة المركزية مرات، هو الصديق المخلص لإسرائيل حين احتلت بيروت، وهو حليف المقاومة الأول حين تمدّدت إيران بعد أن كان خصمها اللدود. اعتبر حكومته العسكرية ممثلة شرعية للبنان رغم خلوّها من المسلمين، وحين استقال وزراء (أمل) و(حزب الله) من حكومة الرئيس فؤاد السنيورة اعتبرها وزارة غير شرعية.

في عهد حكومته العسكرية تم تكميم الصحافة والإعلام، وتمت استباحة البطريركية المارونية، ومذكرات البطريرك صفير توثق أهوال تلك المرحلة. عون لا يبالي بأخذ جمهوره إلى التهلكة مقابل كرامة عناده وسلامته الشخصية.

إعلان النوايا يضم بنودا وطنية أكثر منها حزبية أو طائفية وغايته الأساسية سيادة الدولة اللبنانية

وفي المقابل فإن جعجع مستعد للتضحية في سبيل حماية جمهوره ونصرة قضيته. ولعل التعامل مع الوصاية السورية يكشف الفارق بين الشخصيتين، فرّ عون تاركا أسرته وجنوده، بينما قرر جعجع المقاومة كسياسي ثم كسجين رغم نصائح الرئيس إلياس الهراوي بمغادرة البلاد، ورغم عروض البعثيين بالحرية مقابل التبعية.

من خلال هذا السياق التاريخي، نجد ورقة إعلان المبادئ تمثل انتصارا صريحا لسيرة جعجع، وتمثل إحراجا واضحا لمواقف عون، فالقارئ لورقة إعلان النوايا سيدرك فورا أنها وضعت عون تحت الاختبار. فالبند الذي يتحدث عن “احترام قرارات الشرعية الدولية كافة والالتزام بمواثيق الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية” لا يضير جعجع الذي يطالب بتطبيق قرار الأمم المتحدة 1559 القاضي بحل الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية ونزع سلاحها، إنما يحرج عون الذي يغطي سلاح ميليشيا (حزب الله).

كما أن رصيد جعجع السياسي والوطني قائم على السعي لبسط الدولة اللبنانية لسلطتها على كل أراضيها، لكن تحالف عون – (حزب الله) يغطّي تفرد الحزب الإيراني ببعض المناطق بعيدا عن سلطة الدولة وأن تكون “المقاومة” دولة داخل لبنان وفوقها. وحين يطالب إعلان النوايا بالالتزام بمقررات الحوار الوطني اللبناني، فلا أحد يعطلها إلا حلف (حزب الله) – عون، كالموقف السلبي من المحكمة الدولية، والموقف المعادي من إعلان بعبدا الذي يحصر قوة الإكراه المشروع وقراري الحرب والسلم في يد الدولة، إضافة إلى تقريره الجيش قوة شرعية وحيدة في البلاد.

وحين يتحدث إعلان النوايا عن “العمل على تعزيز مؤسسات الدولة وتشجيع ثقافة الاحتكام إلى القانون والمؤسسات الشرعية لحلّ أيّ خلاف أو إشكال طارئ وعدم اللجوء إلى السلاح والعنف مهما تكن الهواجس والاحتقانات” يذكر على الفور بأحداث مايو 2008 حين احتل (حزب الله) بيروت وروّع الجبل بمساندة كاملة من الجنرال عون.

يؤكد إعلان النوايا، أن بُعد لبنان العربي هو الأساس، وسياسة عون – حزب الله ترى أن الارتباط بإيران هو الأصل، يؤمن إعلان النوايا بالمبادرة العربية للسلام وبحل الدولتين لكن إيران وحزبها (حلفاء عون) لهم رأي آخر، يريد إعلان النوايا سياسة خارجية صديقة للدول العربية والمجتمع الدولي، بينما مواقف عون – حزب الله معادية لمحيطها العربي والدولي باستثناء بشار الأسد وإيران.

يدعو إعلان النوايا إلى “الحرص على ضبط الأوضاع على طول الحدود اللبنانية السورية بالاتجاهين وعدم السماح بإقامة منطقة عازلة في لبنان وباستعمال لبنان مقرا أو منطلقا لتهريب السلاح والمسلحين ويبقى الحق في التضامن الإنساني والتعبير السياسي والإعلامي مكفولا تحت سقف الدستور والقانون والمصلحة الوطنية العليا” والمنتهك الرئيسي لذلك هو (حزب الله) بتأييد معلن من عون.

ورقة إعلان النوايا بمثابة إطار تفاوضي من جهة، وقواعد لإدارة الخلافات والاختلافات من جهة أخرى، لا يمكن لجعجع أن ينشق عن ثورة الأرز لأنه عمادها، ومن الصعب على عون أن يتحرر من (حزب الله) لأنه تابعه

من خلال حديث إعلان النوايا عن اتفاق الطائف، يتأكد لنا الانتصار التام لمنهج جعجع على خطاب عون، فالإعلان يقر صراحة التمسك باتفاق الطائف، وينتقد مساره التطبيقي المشوه خلال الوصاية السورية ويطالب بتصحيح ما اعتور التطبيق، وهذا تماما موقف مرجعية بكركي في عهد البطريرك صفير وموقف جعجع الأزلي منذ تولى قيادة القوات اللبنانية، بينما موقف عون الذي عبّر عنه صراحة في المنفى، أو عبّر عنه وكالة عبر أبواقه بالدعوة إلى مؤتمر تأسيسي يعتمد صيغة المثالثة بين السنة والمسيحيين والشيعة بدلا من صيغة المناصفة الإسلامية – المسيحية، أي نسف اتفاق الطائف.

والحقيقة، أن إعلان النوايا ضم بنودا وطنية أكثر منها حزبية أو طائفية، كحل ملف اللاجئين السوريين والفلسطينيين، وإعادة الاعتبار لمقام رئاسة الجمهورية، والعمل على قانون انتخابي يحقق المناصفة، وغير ذلك من النقاط الواردة بوضوح في برنامج سمير جعجع الانتخابي.

الغرض من تشريح إعلان النوايا ليس تمجيد سمير جعجع، أو التبشير بمستقبل مشرق لتداعيات الإعلان، بل التأكيد على أن عون لم ينجح في استدراج جعجع، بل إن جعجع هو من حاصر عون في الزاوية. فإعلان النوايا هو شهادة وطنية وسياسية لمسيرة جعجع وإدانة شاملة لمواقف عون وتقلباته ومصالحه.

إن هذا الإعلان مهدّد بالفشل، فربما تكون فرص موته أعلى وأكبر من فرص حياته، والسبب هنا ليس حلفاء جعجع أو قادة عون، إنما تقلبات الجنرال ومصالحه الشخصية، فعين الجنرال شاخصة إلى موقع رئاسة الجمهورية ملكا له، وقيادة الجيش لصهره، وزعامة المسيحيين لصهره الثاني، وحين يتأكد من تضارب المبادئ قبل تضارب المصالح سيدهس كل وعوده واتفاقياته تحت قدميه.

يتغاضى عن الحقائق من يظن أن إعلان النوايا سيجعل عون يسحب ترشحه الرئاسي لصالح جعجع أو العكس، ربما يمهد في أفضل الأحوال تفاؤلا إلى توافق على اسم ثالث بإرادة مسيحية صرفة، ويخطئ من ظن أن عون أدار ظهره لـ(حزب الله) وإيران أو أن جعجع تخلى عن حلم الدولة وأواصر العروبة، لكنها لحظة سياسية تعني أن عون يبحث عن طوق النجاة الأخير، وتعني أن جعجع انتصر بإعلان النوايا أيّا كان مصيره، فهو من سعى إلى وحدة المسيحيين، وهو من أكد حجمه الكبير أمام أصدقائه قبل خصومه، وهو الذي جرّ خصمه إلى مبادئه المناقضة لخطاب الخصم ومواقفه واضعا المتشدقين بالمصلحة اللبنانية والمسيحية تحت مقصلة الاختبار، والأيام حبلى بمفاجآت يشيب لها الولدان ويبكي عليها الحجر.

صحافي سعودي

4