إعلان تجاري يحيي صحافة ميتة

مساحات الإعلان التجاري ما زالت حاضرة في صحافة ورقية تواجه تحديات حقيقية وتجد في الإعلان التجاري طوق نجاة وإنقاذا لا بد منه لصحافة ميتة أو تكاد أن تموت.
الثلاثاء 2018/06/12
انخفاض كمية المباع في أكشاك الصحف

لا شك أن علاقة الصحافة بالإعلان التجاري أو الإشهار علاقة طويلة وعضوية.

كلاهما يتغذى ويستفيد من الآخر ولا غنى لأحدهما عن الآخر.

تبحث الصحافة عن الإعلان التجاري وتفتح صفحاتها له بكل أريحية من أجل المزيد من الدخل المالي وسد النفقات وربما تلجأ إلى ذلك الحل اضطرارا في نوع الصحافة التي لا تريد ترويج كل شيء من أجل المال حتى ما لا تؤمن ولا تقتنع به وبأهدافه باتجاه الجمهور.

النزعة الاستهلاكية يعززها الإعلان التجاري وبإمكانه أن يروج أي شيء مما لا تريده الصحيفة لنفسها ولكنها تفتح صفحاتها لذلك.

مرة لفتت نظري مساحات إعلان واسعة في الصحافة العراقية لبذور زهرة عباد الشمس المقلاة، وتساءلت مع نفسي أي مردود سيعود لهذا التاجر وهو ينفق كل هذه الأموال عن بضاعة رخيصة الثمن وليست ذات قيمة والصحيفة متورطة في الترويج، ليهمس لي أحدهم إنها سياسة تبييض العملة والمضاربة بالدولار لشرائه من البنك الحكومي بغرض استيراد بذور زهرة عباد الشمس بينما يذهب جزء يسير لذلك الاستيراد والقسم الآخر ربما يتم تهريبه وغسيل الأموال به.

لن يشرّف الصحيفة أن تتورط في هذه الممارسات المشينة ولكنها تكون قد تورطت بسبب إغراء المال.

في الوثائق التي تتحدث عن تاريخ الإعلان التجاري، أنه في عام 1477 طبع التاجر والمترجم الإنكليزي وليام كاكستون أول إعلان موثق عالميا، من أجل الترويج التجاري لأحد الكتب، مع أن للإعلان التجاري بدايات غير موثقة.

طُبع الإعلان الأول للعرض العام؛ مع اللصق على الأبواب والحوائط بالشوارع، من أجل الترويج لأحد الكتب المطبوعة في مطبعة ويستمينستر للطباعة والنشر التي يملكها وليام كاكستون.

على صعيد التلفزة، تقول الوثائق إنه تم عرض أول إعلان تلفزيوني تجاري قبل أكثر من سبعين عاما على شاشات تلفزيون الولايات المتحدة، وكان الإعلان بغرض الترويج لشركة تصنيع وتسويق ساعات يدوية.

هي مجرد حقائق توثيقية للبدايات حتى وصلنا اليوم إلى إنفاق على الإعلان التجاري وصل إلى حوالي 511 مليار دولار في العام الماضي وحده، بينما يتوقع أن يرتفع للسنوات بين 2018 و2021 إلى إنفاق يتراوح ما بين 530 و600 مليار، ما يعني نموا خلال خمسة أعوام يفوق مئة مليار دولار.

لا شك أن النزعة الاستهلاكية والمجتمعات الأكثر استهلاكا لا يمكن أن تراها من دون إعلانات تجارية لا تنقطع أبدا في مقابل صحافة تلاحقها عوامل شتى من أهمها ارتفاع التكاليف والأجور ثم الانصراف المتنامي من الصحافة الورقية إلى الصحافة الإلكترونية مما يقلل عدد المشتركين وانخفاض كمية المباع في أكشاك الصحف.

انسحب ذلك على الإنفاق على الإعلانات التجارية الذي انخفض في الصحف الورقية بإنكلترا على سبيل المثال، بنسبة 11 بالمئة ليصل إلى 1.22 مليار جنيه إسترليني.

وبصرف النظر عن الانخفاض إلا أن مساحات الإعلان التجاري ما زالت حاضرة في صحافة ورقية تواجه تحديات حقيقية وتجد في الإعلان التجاري طوق نجاة وإنقاذا لا بد منه لصحافة ميتة أو تكاد أن تموت.

الطبعات الورقية تعيد إلى الواجهة تلك العلاقة الإشكالية نفسها، بأنها سوف تكون حاضرة مع استمرار التقاليد السائدة في تلقي الإعلان التجاري وتوفر جمهور يفضل أن يحتفظ بالإعلان ويتابعه باهتمام من خلال الصحافة المطبوعة وتفضيله على أيّ وسائط أخرى.

وفي نفس الوقت فإن هذا النشاط الإعلاني وبصرف النظر عن غايته يضيف جوانب حيوية إلى الصحيفة وإلى الجهات المعلنة في كونه فنا قائما على الابتكار والتجديد والمهارة والتفنن في طريقة العرض فضلا عن درجة الإقناع التي يتوفر عليها.

18