إعلان تركيا التدخل في الموصل يدفع العبادي باتجاه إيران

السبت 2016/10/08

يجري الحديث بحماسة غير مسبوقة، عن معركة “تحرير” نينوى، ولا تنفك القنوات الرسمية العراقية، تتناول المعركة ضمن سياق متخيّل، يفترض أنها معركة سيادة وتحرير للأرض وبسط هيبة الدولة على ثاني أكبر مدنها، في حين تفتقد هذه “البروباغاندا” الرسمية، للبنى التحتية التي تدعمها، في “دولة” عراقية تشكل الطرف الأضعف ضمن الحدود الجغرافية لبلد تحكمه الأجهزة الرديفة، من ميليشيات عسكرية إلى قنوات مدنية ومؤسسية حزبية تتبع لإيران، تفرض سطوتها حتى على أجهزة الدولة الرسمية وتسيّرها إداريا وسياسيا، خصوصا بعد الفشل الأميركي في إعادة تأهيل قوة عسكرية مهنية وحيادية يُعتمد عليها.

لمثل هذا “الواقع الدولتي” الذي يعتري الكيانية الرسمية العراقية، أثره البالغ في أهم معركة ستشهدها البلاد ضد تنظيم “داعش”، في محافظة ذات بنية سكانية حساسة، تتنازعها المصالح والمطامح الجيوإستراتيجية للمحيط الإقليمي، وتشكل تلك المطامح عقدة صراعية يحاول الرسميون العراقيون، تجاهل حقيقة كونها الإشكالية الأساسية في مسألة نينوى، وليس سيطرة عناصر “داعش” الذين يُبدون ضعفا ملموسا في إمكانياتهم على الاحتفاظ بأراضي دولة خلافتهم، إن كان في معاركهم السابقة في محافظة الأنبار، أو مؤخرا في القيارة والشرقاط المحاذيتين للموصل، لتستمر الدعاية الحكومية في التركيز على الانتصارات العسكرية والتي باتت مسألة نافلة، وتجاهل التساؤل الأكثر أحقية للإجابة، كيف سيكون الحال في نينوى بعد “داعش”؟ وما هو دور الدولة العراقية فيها؟

السياق المتخيّل عن معركة التحرير والسيادة، رفعت الحكومة العراقية من شأنه، مع بروز مُعطى جديد، تمثل في القرار التركي بالتدخل عسكريا في العراق، والمشاركة في معركة الموصل، متجاهلة (أي الحكومة العراقية) لدولية الحرب على الإرهاب، والتي أُقرّت في العام 2015، حين دعا مجلس الأمن في القرار رقم 2249، جميع الدول الأعضاء التي تتوفر لديها القدرة، إلى القيام بعمليات ضد تنظيم “داعش” الذي يشكل خطرا على السلم والأمن الدوليين. فهذا القرار الذي يعطي الدول حق التدخل العسكري في مناطق سيطرة “داعش”، ويجعل مسألة الموافقة السيادية للدول التي يتواجد “داعش” على أراضيها من عدمه غير ذات أهمية، ما يشكل غطاء لتركيا تشرعن عبره تدخلها في العراق.

السياق المتخيل عن معركة التحرير والسيادة، رفعت الحكومة العراقية من شأنه، مع بروز معطى جديد، تمثل في القرار التركي بالتدخل عسكريا في العراق والمشاركة في معركة الموصل

التدخل التركي، الذي تصر عليه حكومة الرئيس رجب طيب أردوغان، تحت عنوان الحرب على الإرهاب، وما أضافته من مبررات مفادها “منع إحداث تغيير ديمغرافي” أضاف إلى المشهد المقبل لنينوى بعد داعش المزيد من الوضوح لسياق “المسألة الموصلية”، ويبدو أن حيدر العبادي الذي طالما بدا مجرد مدير شكلي للعلاقات بين المتصارعين، وتوسطهم ما استطاع، دفعه التدخل التركي ليكون واضحا في اصطفافه هذه المرة.

فحال الدولة العراقية، التي يمثلها حيدر العبادي وحكومته، دفع الأخير بعد الإعلان عن التدخل التركي إلى الانزياح باتجاه قوى إيران في العراق، والميل للدعاية التي يغطون فيها استماتتهم لدخول معركة الموصل عبر ميليشيات الحشد الشعبي، وتستند تلك الدعاية على مقولات وطنية، تتناقض مع حقيقة المشروع الذي يمثله الحشد الشعبي، والمرتبط بالأجندة الهيمنية الإيرانية على كامل البلاد، لا سيما المناطق الغربية والشمالية الحدودية مع سوريا. وشكّل إعلان تركيا تدخلها في المعركة، فرصة لاجترار مقولات السيادة الوطنية واعتبار الوجود العسكري التركي احتلالا لوحت ميليشيا الحشد والحكومة العراقية بحق مقاومته عسكريا، ومن ملامح هذا الانزياح أيضا الذي بدا طائفيا، اعتبار السيد العبادي، قوات “الحشد الوطني” السنيّة التي يجري تدريبها في معسكر “زليكان” في ناحية بعشيقة، وتساهم القوات التركية المتمركزة هناك في تدريبها، قوات غير قانونية وليست ذات شرعية، على عكس قوات “الحشد الشعبي” الشيعية، التي يعتبرها العبادي جزءا من القوات المسلحة ويردد دائما أنها تأتمر بأوامر القائد الأعلى للقوات المسلحة.

هنا يبرز العبادي وحكومته، كطرف مصطف مع طرف إقليمي ضد آخر، أي الطرف الإيراني ضد الطرف التركي، فما بات يمثله الطرفان من قوى إسناد وتدخل مباشر، لصالح أطراف طائفية محليّة، تتعامل معهما الحكومة العراقية، من موقع لا دولتي، جعل العبادي وحكومته، طرفا مندمجا إلى حد بعيد، مع ما تعتبره تركيا والأطراف السنيّة مشروعا هيمنيا إيرانيا، أدواته ميليشيا الحشد الشعبي ومؤسسة عسكرية خاضعة لهيمنة التحالف الوطني الشيعي الموالي لإيران.

هذا الواقع من شأنه جعل مشهد ما بعد معركة الموصل أكثر تعقيدا وتشابكا، ويفتح على كون تبعات “تحريرها” ستكون المسألة الرئيسية في محافظة نينوى، ولا تصور واضحا لدى أحد لفك عقدها، لا سيما مع غياب دولة عراقية ذات مشروع دولتي، واصطفاف هياكلها الحكومية الرسمية، مع مشروع ترى فيه أطراف إقليمية ومحلية “الأتراك والسنّة والأكراد ممثلين بمسعود بارزاني” تمددا إيرانيا سيُفرض تلقائيا مع سيطرة الحكومة المخترقة من قبل إيران، والحشد الشعبي بما يمثله من أداة هيمنة طائفية يخشاها كثيرون محليا وإقليميا ودوليا، لا سيما السكان المحليين والقوى السنّية الموصلية.

فبعد انكشاف واقع المدن “المحررة” بعد تحريرها، بالأخص تلك التي شهدت معارك وُصفت بـ”النظيفة”، لم يعد معيار النظافة هنا، والذي حُدّد بإبعاد الحشد الشعبي عن مسك الأرض وإناطة ذلك بالقوات العسكرية الحكومية وجهاز مكافحة الإرهاب، يلقى صدى تطمينيا لدى السكان المحليين، لكونه لم يمنع من سبغ المدن بعد “تحريرها” بهوية “المحررين” الطائفية، وإن كانوا قوات رسمية حكومية، وهذا ما سيدفع سنّة الموصل إلى القتال من أجل عدم حدوثه، وإن بتعميق الاصطفاف مع تركيا التي تعزف بعذوبة على هذا الوتر، باعتبارها سندا سياسيا وعسكريا لهم، مقابل إيران الساعية لإحداث تغيير ديمغرافي يطال سنّة المدينة.

من نافل القول، أن معركة الموصل هي منعطف تاريخي يشهده العراق، باتت ملامح ما بعدها تظهر قبل حدوثها، فما كان يشكله رئيس الحكومة حيدر العبادي، من حالة مشروعية لعراق ما بعد “داعش”، تمثل الحد الأدنى من دولة عراقية سعت أطراف دولية كالولايات المتحدة الأميركية للاعتماد عليها، في التأسيس لمشهد عراقي جديد، أصبح جزءا من اصطفاف إقليمي من شأنه تحويل نينوى إلى ساحة صراع قد لا يكون أقل وصف له بأنه تفتيت تقسيمي، مع فشل إستراتيجية إدارة أوباما وتصوراتها لمرحلة ما بعد “داعش”، حيث لم يعد يهم الأخيرة سوى غياب تنظيم “داعش” عن الموصل، لتعتبره نصرا جديدا في الحرب على الإرهاب.

كاتب عراقي

8