إعلان حالة الطوارئ في تونس يخلق جدلا سياسيا حول الجدوى منه

الثلاثاء 2015/07/14
الأوضاع الأمنية تزداد خطورة

تونس- الهزات الأمنية لم تتوقف في تونس منذ ما يفوق أربع سنوات متتالية، فمنذ أن استغلت الخلايا الإرهابية النائمة حالة الفراغ الأمني بعد أحداث 14 يناير 2011 لتتوسع وتنتشر في البلاد، لم تنته العمليات الإرهابية التي تضرب من وقت لآخر، وصولا إلى أكبر مجزرة وقعت في تونس منذ الاستقلال، في جريمة راح ضحيتها 38 سائحا في أحد الفنادق بمدينة سوسة الساحلية.

هذه العمليات الإرهابية وضعت شعارات حراك يناير 2011 في مأزق خانق، فبعد أن تأسست منظومة سياسية جديدة ومنفتحة في البلاد، عاد السؤال الأمني إلى الطرح لمجابهة خطر التطرف المسلح الذي يتغذى من وضع إقليمي ودولي صعب، يمتاز بانعدام الأمن في الجارة ليبيا وبأزمة اقتصادية خانقة تزيد من نسبة الاحتقان الاجتماعي بشكل متزايد.

هذا الوضع المتأزم دفع إلى إعلان حالة الطوارئ في تونس، في محاولة لمجابهة الإرهاب بتجييش كافة طاقات المجتمع ومؤسساته، وهذا الطرح دافع عنه حزب الرئيس الحالي على لسان أمينه العام محسن مرزوق، مؤكدا أن إقرار حالة الطوارئ “قرار صائب”، لكن اليسار التونسي ممثلا في الجبهة الشعبية عبر عن رفضه لهذا الإجراء، وأكد أن “الهدف منه مجابهة الحراك الاجتماعي للمشروع الذي تقوده القوى الاجتماعية والنقابات”، حسب تعبير القيادي في الجبهة الشعبية زياد الأخضر.

حالة الطوارئ قرار صائب ولا يجب انتقاده

محسن مرزوق: حقوقي وجامعي تونسي يشغل منصب الأمين العام لحزب نداء تونس بعد استقالته من منصب مستشار لدى رئيس الدولة، وهو خريج جمعية الدراسات الدولية بتونس

"هؤلاء في ظل وضع أمني صعب تعيشه تونس يبحثون عن جنس الشيطان إن كان ذكرا أم أنثى”. بهذا التصريح بدأ الأمين العام لحزب نداء تونس ذي الأغلبية البرلمانية محسن مرزوق في الرد على منتقدي إعلان حالة الطوارئ من قبل رئيس الجمهورية في الأيام الماضية.

وقال مرزوق في تصريحات صحفية منتقدا الأحزاب والشخصيات التي عبرت عن رفضها لإعلان الطوارئ أن “حالة الطوارئ التي أعلنها الرئيس السابق لم يناقشها أحد وقبل بها الجميع، في حين أننا في حالة أمنية أشد خطرا والكل أصبح ينتقد الإجراء”.

مرزوق لم يستبعد تمديد حالة الطوارئ لشهرين أو ثلاثة، بعد انتهاء الشهر الأول، مؤكدا أن لرئيس الجمهورية معطيات وتقارير أمنية محلية ودولية دفعت به إلى اتخاذ هذا القرار بوصفه القائد الأعلى للقوات المسلحة. كما أكد محسن مرزوق أنه “في جميع دول العالم تتجند جميع شرائح المجتمع حول قيادتها، ولكن ما يحصل في تونس يبدو أمرا مختلفا”، مؤكدا أن إعلان الحرب هو إعلان حقيقي لأنها حرب حقيقية بأتم معنى كلمة”.

ونفى الأمين العام لحزب نداء تونس أن يكون الباجي قائد السبسي قد “أحبط” التونسيين حين أعلن أن “ضربة أخرى تتلقاها تونس مثل ضربة سوسة ستصيب الدولة بالانهيار”، وأكد أن ما كان يقصده الرئيس هو “وضع حجم الخطر في مستواه الحقيقي حتى يعرف الشعب ماذا ينتظر تونس من صعوبات”.

وأضاف أن “من يروج إلى أن الباجي قائد السبسي قد تسبب في تخوف وإحباط عام في البلاد مخطئ، فالرئيس سعى إلى أن يكون أقرب إلى حقيقة الواقع”. وأوضح محسن مرزوق أن رئيس الجمهورية قد تشاور مع رئيس مجلس نواب الشعب قبل اتخاذ قرار إعلان حالة الطوارئ، وقد تمت الموافقة على القرار، ويذكر أن محمد الناصر رئيس مجلس النواب هو ذاته رئيس حزب نداء تونس ذي الأغلبية البرلمانية.

وأكد مرزوق أن الباجي قائد السبسي سعى إلى أن يتشاور مع كل الأطراف السياسية والاجتماعية والاقتصادية في البلاد في سبيل تعبئة رأي عام واسع لقراره، معتبرا أن اللقاء الأخير الذي جمع بين رئيس الجمهورية وبين رئيس حركة النهضة تناول مسألة فرض حالة الطوارئ، وإحاطة الغنوشي علما بدقة الظروف وجدية التهديدات.

وقال مرزوق أن رئيس الجمهورية قام بالإعلان عن حالة الطوارئ “حرصا على حماية أسس الدولة الوطنية والمشروع الديمقراطي الذي يهدده النمط الداعشي الذي أخذ يتمدد في أكثر من منطقة”.

رئيس الجمهورية قام بإعلان حالة الطوارئ حرصا على حماية الدولة الوطنية والمشروع الديمقراطي الذي يهدده النمط الداعشي

وخلافا لما يروج عن تهديد إقرار حالة الطوارئ للحريات، أكد محسن مرزوق أن مجلس نواب الشعب حريص كل الحرص على ضمان ممارسة الحريات والتي هي حق مضمون دستوريا، وأنه “ليس هناك خوف على منظومة الحريات في تونس”، مشيرا إلى أنه “في حال زيغ أو انحراف لنهج ضمان الحريات، فإن المجلس سيجد الآليات الكفيلة لإيقاف أي انتهاكات إن حصلت وهي لن تحصل”.

وأكد الأمين العام لحزب نداء تونس على وجود مشاورات مع الأحزاب خاصة أحزاب الائتلاف الحاكم بتفعيل حالة الطوارئ، مؤكدا أن “تنسيقية أحزاب الائتلاف الحاكم داعمة لقرارات الحكومة كما أنها تمثل اليوم الحزام السياسي الذي يحتضن هذه القرارات ويدعمها”، مشيرا إلى وجود تنسيق بين الأحزاب حول هذه النقطة، معتبرا أن هذه الأحزاب “تشترك في الحد الأدنى من المبادئ والتي هي حب الوطن وحب الشعب وإعلاء مصلحة تونس فوق كل المصالح”.

واعتبر مرزوق أن قرار إعلان حالة الطوارئ “هو أمر منطقي بعد أحداث سوسة، خاصة أن الدولة وجدت نفسها في موقف صعب لذلك وجب عليها أن تقدم خطوة ضد الإرهاب”.

وقد أكد مراقبون أن إعلان حالة الطوارئ مسألة مفهومة ويمكن وضعها في سياق الحرص على الأمن، فتونس غير معتادة على مثل هذا النوع من الهجمات التي تستهدفها، وهذا ما يتطابق مع تصريحات محسن مرزوق وقيادات أخرى من الإئتلاف الحاكم.

قرار حالة الطوارئ اتخذ لقمع الاحتجاجات الشعبية

زياد الأخضر: الأمين العام لحزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد وقيادي في الجبهة الشعبية وهو نائب في البرلمان، درس بكلية العلوم وتحصل على الإجازة في علوم وتقنيات الجيولوجيا

"إعلان حالة الطوارئ غير مبرر خاصة بالصيغة الضبابية التي ورد بها وبالتبريرات التي سيقت”، بهذا التصريح بدأ القيادي في الجبهة الشعبية زياد الأخضر حديثه عن موقف الجبهة من الإعلان الأخير عن حالة الطوارئ التي أعلنها رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي.

وأضاف زياد الأخضر أن قرار وضع البلاد في حالة الطوارئ هو “تجاوز لمقتضيات دستور 2014، وفيه محاولة للهيمنة على الفضاء العام وغلقه ومصادرة جملة الحقوق والحريات”، معتبرا أن هذا الإعلان يمثل ضربا لسمعة البلاد وتأكيدا على ضعف الدولة وعجزها بما يشكل مزيدا من الإضرار بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي تمر بها تونس، خاصة منذ الهجمة الإرهابية التي استهدفت متحف باردو في آذار مارس الماضي.

وأعلن الأخضر في بيان صادر عن حزبه (حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد)، أنه يذكر بموقفه المبدئي الداعي إلى التصدي للإرهاب، واعتبار ذلك على رأس سلم الأولويات في إطار خطة وطنية شاملة لا تستثني أي إجراء دستوري، بما في ذلك إعلان حالة الطوارئ “على أن تكون محددة في الزمان والمكان والمهمات”.

وقال الأخضر إنه في الجبهة الشعبية (جبهة مكونة من أحزاب يسارية وعروبية) “يوجد استغراب من الربط بين الإعلان عن حالة الطوارئ وعملية سوسة الإرهابية، وذلك بعد مرور أكثر من أسبوع على حدوثها، وما رافق ذلك من تكتم على المعطيات وتضارب بينها”.

وأكد الأخضر على “رفض سياسة خلط الأوراق التي عمد إليها رئيس الدولة، وذلك عندما بالغ في تشبيه الاحتجاجات الاجتماعية بالعصيان المدني، وجعل من هذا التحدي الاجتماعي على رأس قائمة مبررات إعلان حالة الطوارئ، وما يحمل ذلك من سياسة تجريم للنضالات الاجتماعية”.

كما عبر نص البيان عن رفض حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد دعوة رئيس الدولة إخضاع ممارسة الحقوق والحريات إلى الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد، مستهجنا “الموقف الغريب من الملف الليبي” على حد تعبيره، “حيث ساوى رئيس الدولة بين الحكومة المدنية المنتخبة والمعترف بها وبين الميليشيات الإرهابية المسلحة التي تنشط في ليبيا مسببة تواصلا للتوتر والقتال”.

واعتبر زياد الأخضر أن الحكومة الحالية ورغم مجهودات المؤسستين العسكرية والأمنية وتضحياتهما “فهي لا تزال غير قادرة على مواجهة الإرهاب، وذلك بفعل هشاشة وهجانة الائتلاف الذي يسندها وخطورته، وخاصة مشاركة حركة النهضة في هذه الحكومة وهي الحركة التي تتحمل المسؤولية في انتشار الإرهاب في تونس”.

إعلان حالة الطوارئ غير مبرر خاصة بالصيغة الضبابية التي ورد بها وبالتبريرات التي سيقت، ونحن نعتقد أنه موجه لقمع الإضرابات

وأفاد القيادي في الجبهة الشعبية في تصريحاته حول إعلان حالة الطوارئ في تونس أن “المشكل ليس في قرار الإعلان عن حالة الطوارئ وإنما في خلفياته وتداعياته”، مضيفا أن “إقرار حالة الطوارئ في البلاد فيه تحويل وجهة المشكل الأساسية، ألا وهي الإرهاب، إلى محاولة تبرير القرار انطلاقا من الاحتجاجات الاجتماعية”.

بمعنى أن حالة الطوارئ قرار اتخذ أساسا للتخفيف من الضغط الاجتماعي الذي تقوم به الإضرابات والنقابات وليس متخذا للإرهاب.

هذا وتحدث الأخضر عن قانون 1978 الذي يعتبر الأساس القانوني لإعلان الطوارئ، مبينا أن هذا القانون “له تاريخ أسود في المساس بالحريات والحقوق الاجتماعية والاقتصادية وحق التعبير وحرية الإعلام”، وفي السياق ذاته قال الأخضر إنه وفي حال تم إقرار حالة الطوارئ من أجل تقوية حالة جهوزية الأمن وعموم الشعب ومن أجل التعبئة “فلا مشكل” فيه، لافتا النظر إلى أن الجبهة الشعبية سبق وأن نصحت الحكومة بتطبيقه، “لكنها اتخذته في وقت غير مناسب ولأغراض أخرى”. مشيرا إلى أن الهدف من هذا القرار هو إنهاء الاحتجاجات الشعبية المشروعة والإضرابات الشرعية بتعلة محـاربة الإرهاب.

الدولة التونسية تستنفر لمواجهة الإرهاب وسط تخوف من تهديد الحريات

تونس- أعلن رئيس الحكومة التونسية الحبيب الصيد أن بلاده فرضت حالة الطوارئ تحسبا من هجمات إرهابية جديدة، بعد هجوم دموي في 26 يونيو على فندق في سوسة (الوسط الشرقي لتونس) أسفر عن مقتل 38 سائحا أجنبيا وتبناه ما يسمى تنظيم الدولة الإسلامية المتطرف.

الحبيب الصيد: ما كنا لنعلن حالة الطوارئ، لولا يقيننا أننا نواجه مخططات إرهابية

وقال الصيد في خطاب ألقاه أمام البرلمان “ما كنا لنضطرّ إلى إعلان حالة الطوارئ، لولا يقيننا بأن بلادنا تواجه مخططات إرهابية جمّة، بهدف زعزعة أمنها واستقرارها، وأنّ عصابات الإرهاب والقتل والإجرام تخطط لعمليات نوعية أخرى، هدفها قتل أكثر ما يمكن، وضرب المعنويات، وشلّ دواليب الاقتصاد الوطني".

وأضاف الصيد أنه “على هذا الأساس كان لزاما على السلطة التنفيذية تحمل مسؤولياتها، بالتشاور مع السلطة التشريعية، لاتخاذ التدابير التي يحتّمها هذا الظرف الصعب”. ونفى الصيد أن يكون الهدف من فرض حالة الطوارئ هو التضييق على الحريات العامة، مثلما اعتبرت نقابات ومنظمات حقوقية.

وقال مؤكدا في هذا الإطار أن حكومته تحرص على احترام مبادئ الدستور وتكريس مضامينه “وأن لا مجال للمساس من الحريات، ولا سبيل لتعطيل المسار الديمقراطي التعددي”. وأعلن الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي بداية يوليو الجاري فرض حالة الطوارئ في تونس لمدة ثلاثين يوما، استنادا إلى أمر أصدره الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة في 26 يناير 1978.

وكانت تونس قد خضعت لحالة الطوارئ منذ الإطاحة يوم 14 يناير 2011 بنظام زين العابدين بن علي، وحتى مارس 2014. وأعلن رئيس الحكومة في مقابلة مع التلفزيون الرسمي أنه “سيقع التسريع” في بناء “جدار ترابي وراءه خندق” على جزء من الحدود بين تونس وجارتها الشرقية ليبيا الغارقة في الفوضى.

وأوضح رئيس الحكومة أن السلطات اتخذت قرارا بإقامة هذا الجدار وشرعت في بنائه منذ مقتل 21 سائحا أجنبيا في هجوم استهدف في 18 مارس الماضي متحف باردو الشهير وسط العاصمة تونس. وأضاف أن الجدار سيقام “خاصة في المنطقة الواقعة بين رأس الجدير والذهيبة”، حيث يوجد معبران حدوديان مع ليبيا.

وقال المقدم بلحسن الوسلاتي الناطق الرسمي باسم وزارة الدفاع أن الجيش شرع منذ 10 أبريل الماضي في بناء “جدار ترابي وخندق” على طول 186 كلم على الحدود مع ليبيا، متوقعا استكمال البناء “نهاية 2015”. ولفت إلى أنه تقرر في مرحلة أولى أن يكون طول الجدار 168 كلم، ثم 186 كلم في مرحلة ثانية.

وكانت وزارة الداخلية قد أعلنت أن الطالب سيف الدين الرزقي (23 عاما) الذي قتل 38 سائحا أجنبيا بينهم 30 بريطانيا في هجوم برشاش كلاشنيكوف على فندق “إمبريال مرحبا” في سوسة، تدرب على حمل السلاح في معسكر تابع لتنظيم “أنصار الشريعة” في ليبيا.

12