إعلان حالة الطوارئ والمشهد التونسي الملتبس

الثلاثاء 2015/07/07

يبدو المشهد السياسي في تونس في غاية الالتباس على الجميع. فلقد تحوّلت الأحداث إلى طلاسم يصعب تفكيكها للرأي العام رغم إغراق وسائل الإعلام في المتابعة والمواكبة، ورغم انتشار السياسيين والمحللين على مختلف الفضاءات الإعلامية بين مؤيّد للنظام الحاكم ومعارض له ومحايد. والالتباس لا يتجلى فقط عند عامة الشعب والإعلاميين، بل أيضا عند مؤسسات الحكم وخاصة الحكومة ورئاسة الجمهورية.

مظاهر هذا الالتباس عند التونسيين تتجلى في حالة السأم العام التي تعمّ الجميع. فرغم الصدمة الكبيرة التي خلفها اعتداء سوسة الإرهابي مؤخّرا، فإنّ عامة الناس عزّ عليهم فهم تأخّر إعلان حالة الطوارئ أسبوعا كاملا عن الاعتداء. ولذلك يعتقد التونسيون أن رئيس الجمهورية لم يصارحهم بالأسباب الحقيقية الكامنة وراء إعلان حالة الطوارئ، مما ترك الباب مشرّعا على الإشاعات. الخلاصة أن إعلان حالة الطوارئ لم يطمئن المواطنين بل زاد من توجّسهم وخوفهم. وهم يتساءلون؛ إذا لم تنجح حالة الطوارئ، وهي الورقة الحاسمة في يد السلطة، في صدّ الإرهاب والحؤول دون وقوع اعتداءات ما الذي سيقع عندها؟ وإلى متى ستظل معلنة؟ وهل أعدّت السلطات التونسية الخطة “ب” والخطة “ج” تحسّبا لما تقتضيه الطوارئ؟

ولكن الأخطر هي مظاهر الالتباس التي تبدو على جهازي السلطة التنفيذية، رئاسة الجمهورية والحكومة. فهما لم تظهرا إلى حد الآن ما يلزم من الرصانة والرجاحة اللتين تتطلبانهما، ولا التحكّم في إدارة شؤون البلاد، ولا القدرة على ضمان انسياب الشأن الاجتماعي. ولم تتمكنا من تنقية المناخ السياسي بما يمكن أن يهيئ لما تطمحان إليه من وحدة وطنية. ولم تنجحا في تحصيل ثقة التونسيين بسبب عجزهما عن طمأنتهم على واقعهم ومستقبلهم في ظل استمرار الوضع المتردّي نفسه الذي كان زمن “الترويكا” وربما أسوأ منه بقليل.

الانطباع الحاصل لدى الرأي العام في تونس هو أنّ إعلان حالة الطوارئ قرار لا يخلو من تسرّع وارتجال على الأقل في مستوى توقيت الإعلان. فرئيس الجمهورية كان قد أعلن عقب اعتداء باردو، وبمناسبة ذكرى عيد الاستقلال في 20 مارس الماضي، الحرب على الإرهاب. وكان الأحرى به أن يعلن حالة الطوارئ في نفس المناسبة. وكان سيحقق بذلك الانسجام اللازم بين إعلان الحرب وإعلان حالة الطوارئ. ولكنّ ذلك لم يحصل بل إنّ إعلان الحرب على الإرهاب لم يكن مصحوبا بأي ترتيبات ولا قرارات مصاحبة. وبعد ثلاثة أشهر ونصف من إعلان الحرب على الإرهاب يأتي إعلان حالة الطوارئ! فالإعلان الثاني أفقد الأوّل مصداقيته وفعاليته. وجعل الثقة في تبصّر الرئاسة والحكومة ضعيفة.

فلو أعلنت حالة الطوارئ بالتزامن مع إعلان الحرب على الإرهاب في مارس الماضي، مع اتخاذ قرارات ترتيبية ضرورية والعمل على تنقية المناخ الاجتماعي مع إشراك كل القوى السياسية لاسيما المعارضة منها في القرارات الكبرى، لكانت تونس قد تفادت اعتداء سوسة الإرهابي ولكانت قطعت دابر التهريب، الابن الربيب للإرهاب، ولكانت اليوم في مطلع يوليو ترفع حالة الطوارئ لا تعلنها.

من مظاهر التباس السلطة، أيضا، جملة وردت على لسان رئيس الجمهورية وهو يعلن حالة الطوارئ نهاية الأسبوع الماضي حين قال “لو حدثت عملية إرهابية أخرى مثل عملية سوسة فإن الدولة ستنهار”. لقد كانت هذه الجملة صادمة للتونسيين إذ لم يتصوروا أن دولتهم على هذا القدر من الهشاشة. وكانت تلك الجملة في المقابل مطمئنة للإرهابيين إذ بدا فيها رئيس الجمهورية في صورة المهزوم الذي لا حول له ولا طول إلا إعلان حالة الطوارئ. فبدا في إعلانه في موقف اليائس، لا في موقف المتحفّز المصمّم على دحر الإرهاب وإنقاذ تونس.

وقد سبق لرئيس الجمهورية أن صرّح إبّان العمليّة وفي الموقع الذي جدّت فيه أنّ تونس لا يمكنها مقاومة الإرهاب بمفردها، فهل يعني ذلك غمزا بطلب المساعدة العسكرية من الخارج؟ هذا الأمر المتداول في باب الإشاعة لو صحّ فإنه الكارثة الحقيقية على تونس. على كلّ حال، لم تكن هذه رسائل مطمئنة للتونسيين، بل جعلتهم يشككون في السلطة التي منحوها أصواتهم وثقتهم بعدما وعدتهم بالانتصار على الإرهاب.

ولكنّ التعاطي مع المسؤولية في ظل نجاح الاعتداءات الإرهابية في إصابة أهدافها مريب جدّا وفيه مغالطة. فاعتدائيْ باردو وسوسة كشفا عن تقصير أمني فظيع اعترفت به الحكومة. ولكن في كل مرّة تقع التضحية بالقيادات الأمنية الميدانية دون أي مساءلة سياسية. فمن عيّن هذه القيادات في مواقعها؟ ثم ما هي خطة حزب نداء تونس الحاكم في مواجهة الإرهاب؟ ألا يتحمل مسؤولية ما حدث باعتباره مسؤولا عن الإدارة والتعيينات ووضع السياسات والخيارات؟ أليس نجاح الإرهاب في تنفيذ عملياته نتيجة لتقصير الحزب الحاكم بسبب غرقه في مشاكل الداخلية وتخلّيه عن مسؤوليته الوطنية طيلة الأشهر الماضية؟

بقي لا بدّ من التساؤل إن كان إعلان حالة الطوارئ قرارا لدواع أمنية فحسب، أم لغايات اجتماعية سياسية أيضا بهدف مساعدة الحكومة في الملف الاجتماعي الشائك الذي علقت فيه ولا مخرج لها منه في الأفق. فحالة الطوارئ تنهي كل مظاهر الاحتجاج حتى المنظمة منها والتي تنفذها النقابات المهنية التابعة للاتحاد العام التونسي للشغل. هذه الإضرابات والاحتجاجات كانت وسيلة الضغط الرئيسية التي تعتمد عليها النقابات لتحقيق مطالبها أو لتحسين أوضاعها المهنية، وحق الإضراب مكفول دستورا. ولكن ما كفله الدستور سحبه إعلان حالة الطوارئ. وهو ما يعني إخلالا بموازين القوى لاسيما في المفاوضات الاجتماعية الدائرة بين الحكومة التونسية واتحاد الشغل للزيادة في الأجور بعنوان سنتي 2015 و2016. والنتيجة وقعت بسرعة إذ لم تتأخر الحكومة في التراجع عن اتفاقاتها مع الاتحاد، وأعلنت أنها غير قادرة على الزيادة في الأجور للسنة الجارية. واقترحت على الاتحاد تأجيل الزيادات إلى 2016 عوضا عن 2015.

كاتب وباحث سياسي من تونس

8