إعلان سياسي بين الخرطوم والجبهة الثورية يمهد للسلام

ضعف الحضور الدولي يثير هواجس المتمردين، والجبهة الثورية تطالب بأن يكون هناك تمويل عربي ودولي لإعادة إعمار مناطق النزاعات ليكون السلام قابلا للتطبيق.
الثلاثاء 2019/10/22
خطوة إلى الأمام

جوبا – وقعت السلطة الانتقالية السودانية والجبهة الثورية، في جوبا الاثنين، إعلانا سياسيا جديدا يتضمن وثيقة لتمديد تنفيذ وقف الأعمال العدائية من الطرفين، واتفق الطرفان على إرجاء المفاوضات المباشرة بينهما إلى فترة زمنية تتراوح بين أسبوعين وشهر، لإفساح المجال أمام المزيد من المشاورات وترتيب ملفات التفاوض.

وقال نائب رئيس مجلس السيادة بالسودان، رئيس الوفد الرسمي، محمد حمدان دقلو، إن الخرطوم “مستعدة لاتخاذ قرارات كبيرة لصالح الشعب، وشركاؤنا في التفاوض يملكون الإرادة والقدرة على تحقيق السلام”.

وحصلت “العرب” على نص الإعلان السياسي، وشملت بنوده التزام الحكومة بإيصال المساعدات من داخل وخارج السودان إلى المناطق المتأثرة بالنزاع، والتأكيد على تضمين اتفاقية السلام الشامل في الوثيقة الدستورية، وإصدار تفويض جديد من مجلس السلم والأمن الأفريقي لدعم عملية السلام، ومراجعة القرارات التي صدرت بشأن السدود وأراضي الولاية الشمالية.

ويستهدف الإعلان السياسي تقليص الفجوات التي ظهرت خلال جلسات المشاورات السابقة في جوبا، منذ منتصف أكتوبر الجاري، وما أفرزته اللقاءات الماضية من خلافات واسعة بين الحركات المسلحة في ما بينها، نتج عنها دخول الحركة الشعبية- قطاع الشمال، جناح عبدالعزيز الحلو، في مفاوضات مباشرة مع الحكومة من دون أن ينعكس الأمر ذاته على قيادة الجبهة الثورية التي رأت تأجيل المفاوضات.

محمد زكريا: ضرورة معالجة خلل التمثيل في السلطة الذي تعانيه الدولة
محمد زكريا: ضرورة معالجة خلل التمثيل في السلطة الذي تعانيه الدولة

وأكدت مصادر مطلعة قريبة من اجتماعات جوبا، لـ”العرب” أن الهدف من تأجيل المفاوضات الضغط على رئيس دولة جنوب السودان للتوصل مع رعاة إقليميين للسلام، لم تسمهم، بما يضمن اعتراف المجتمع الدولي بمخرجات أي اتفاقية للسلام الشامل، والتوافق حول منبر أساسي للتفاوض.

وبدا واضحا أن التمثيل الدولي الضعيف في الجلسات السابقة أثار حفيظة قادة الحركات المسلحة الذين بحثوا عن أكبر ضمانات لتنفيذ ما يتم التوصل إليه، كما أن قيادات الجبهة الثورية طالبت بأن يكون هناك “تمويل عربي ودولي لإعادة إعمار مناطق النزاعات ليكون السلام قابلا للتطبيق على أرض الواقع”. وكشفت المصادر ذاتها أن الخرطوم تعرضت لضغوط دفعتها إلى الاتجاه نحو تأجيل الاجتماعات، إذ طالبت قوى الحرية والتغيير بأن تكون حاضرة وممثلة لمفاوضات السلام، وتلقت الحكومة إشارات برغبة قوى شعبية في دارفور ومناطق النيلين في أن تكون حاضرة، ما يمهد لتوسيع دائرة الأطراف المشاركة في عملية التفاوض.

وأوضح رئيس الجبهة الثورية السودانية، الهادي إدريس يحيى، أن الإعلان السياسي، “خارطة طريق لعملية التفاوض المستقبلية، وجرى الاتفاق على أن تكون المشاورات قائمة وفقا للمناطق التي تحددت عبر مسار دارفور، ومنطقتي النيل الأزرق وجنوب كردفان، والشرق والشمال السودانيين”.

وأضاف لـ“العرب”، “بعد الانتهاء من التوافق حول هذه المسارات نبدأ في الدخول في مفاوضات أخرى حول المسائل القومية العامة وعلى رأسها المشاركة في الحكم والهوية والترتيبات الأمنية وغيرها”.

وأشار إلى أن مفاوضات جوبا توصلت إلى تحديد منهجية للتفاوض، تختلف من مسار إلى آخر، حسب طبيعة كل منطقة، مع الاتفاق على تقديم ما يمهد لنجاح التفاوض من خلال الاهتمام بالجانب الإنساني في مناطق النزاع.

واطلعت “العرب” على كواليس المشاورات، عبر اللجان المشتركة التي شكلتها الجبهة الثورية ووفد الحكومة قبل التوصل إلى الإعلان السياسي، ووعدت خلالها الحكومة بإلغاء العقوبات الصادرة ضد قادة الحركات المسلحة، وسحب النشرات التي عممها النظام السابق على الإنتربول للقبض على قادة الحركات وتسليمهم، وهو ما كان مقدمة للمزيد من التوافق حول الخطوات الإجرائية.

ولفت القيادي في الجبهة الثورية، محمد زكريا، إلى أهمية جميع الملفات، وفي مقدمتها ملف الترتيبات الأمنية، وإعادة النظر في هيكلة القوات السودانية الشرطية والعسكرية وكيفية دمج قوات الحركات المسلحة في القوات النظامية وجدولة قضايا نزع السلاح ووضعية القوات الأمنية خلال فترة المفاوضات والمرحلة الانتقالية.

وشدد في تصريح لـ”العرب” على أهمية ملف مشاركة الحركات المسلحة في السلطة والتمثيل في السلطة التشريعية والقضائية، ومعالجة خلل التمثيل في السلطة الذي تعانيه الدولة، بجانب ملف إعادة توزيع الثروات وعدم ربطه بنظام الحكم، ويكون حسب نسبة كل إقليم وتعداد سكانه وتقليل الفجوة في التنمية في المناطق المختلفة خاصة المناطق التي شهدت النزاع بتميزها إيجابيا.

فتح صفحة جديدة
فتح صفحة جديدة

ورغم سعي السلطة الانتقالية والجبهة الثورية نحو لملمة ملفات السلام والتعامل معها على حدة لعدم السماح بوجود ثغرات تعيق التوافق العام، فإن البعض يرى أن تلك الخطوات غير كافية للتوصل إلى سلام شامل، والوضع بحاجة إلى جهود أكبر على مستوى توحيد الحركات المسلحة، وتوافق جميع مكونات السلطة على ما يجري من مفاوضات في جوبا.

وذهبت الحركات المسلحة إلى مفاوضات السلام في ظل غياب أحد الفصائل والذي يتمثل في حركة جيش تحرير السودان، بزعامة عبدالواحد محمد نور، ووجود أكثر من غرفة لعملية التفاوض، بين الجبهة الثورية وجناح الحلو، ما يؤدي إلى إطالة أمد التفاوض الذي قد يتعرض لخلل حال تعرض الحكومة الانتقالية لهزات شعبية.

وثمن أبوالقاسم إبراهيم آدم، أستاذ العلوم السياسية بجامعة بحري في الخرطوم، التوقيع على الإعلان السياسي، مستدركا لـ”العرب”، “التركيز على بند واحد يرتبط بتمديد وقف العدائيات يبرهن على أن هناك خلافات بين أطراف التفاوض، والأمر سيكون بحاجة إلى تشاور آخر قد يزيد عن الشهر”.

وأشار إلى أن وفد الحكومة وجد نفسه غير قادر على التعامل مع جميع الملفات، مثل التي طرحها عبدالعزيز الحلو وتعلقت بسعيه نحو علمانية الدولة، ، وهو ما رفضته الحكومة.

وربما يعد قرار التأجيل خطوة في الطريق الصحيح لإفساح المجال أمام مشاركة جميع الأطراف داخل عملية التفاوض بما فيها من تسمى بـ”أصحاب المصلحة”، ويمثلون الدول الإقليمية الداعمة لبعض الحركات، ولديهم رؤى مختلفة عما تقدمه الحركات ذاتها.

2