إعلان موسكو.. واشنطن لم تعد وحدها صانعة القرار العالمي

أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أنه يعمل مع نظيره التركي رجب طيب أردوغان على تنظيم مفاوضات سلام سورية دون الولايات المتحدة أو الأمم المتحدة. لكن واشنطن قللت من أهمية هذه التصريحات، رغم التقدم الذي أحرزه التحالف الروسي الإيراني، على مستوى العمليات العسكرية في سوريا، خصوصا بعد أن استقطب الأتراك إلى صفه؛ فيما لم تظهر بعد ملامح الحلف التقليدي، الخليجي الأميركي، والتي سيحدد مستقبله مدى قدرة الرئيس الأميركي القادم دونالد ترامب على تحويل أقواله إلى أفعال، خصوصا في ما يتعلق بتحجيم الدور الإيراني في المنطقة.
الخميس 2016/12/22
لا حاجة للأميركيين

واشنطن – بمجرد انتشار خبر اغتيال السفير الروسي في تركيا، أندريه كارلوف، دقت تحليلات كثيرة طبول حرب عالمية جديدة، مشبهة كارلوف بالأرشيدوق فرانز فرديناند، الذي تسبب اغتياله هو وزوجته الحامل، صوفي، في سراييفو في اندلاع الحرب العالمية الأولى سنة 1914.

وفعلا، يمكن أن يؤدي التنقل السريع عبر المشهد الجيواستراتيجي في منطقة الشرق الأوسط والتطورات على مستوى العالم إلى تقييم متشائم للوضع. لكن، لا يعني ذلك نشوب حرب عالمية ثالثة، على الأقل بالمعنى التقليدي للحروب، وبالشكل الذي سارت عليه الحربان العالميتان الأولى والثانية.

سوف لن تكون هناك حرب عالمية ثالثة. لكن، ذلك لا يلغي ضرورة قيام تحالفات ضمن معادلة دول الحلفاء ضد دول المحور. وهذه المعادلة من شأنها أن تؤثر على مسار الصراعات الدائرة وتحقق التوازن السياسي في ما يجري في الوقت الراهن، ضمن دائرة الفوضى المرشحة للارتفاع، وبما يحدد ملامح موازين القوى والنظام العالمي في المستقبل.

في الحرب العالمية الأولى (1914 - 1918) ضمت مجموعة دول الحلفاء: المملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وأيرلندا، فرنسا والإمبراطورية الروسية. وضمت مجموعة دول المحور: الإمبراطورية الألمانية والإمبراطورية النمساوية المجرية والدولة العثمانية ومملكة بلغاريا.

وتغيرت التركيبة قليلا في الحرب العالمية الثانية (1939 - 1945)، حيث ضم التحالف العسكري ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية واليابان. ثم انضمت دول أخرى مثل النمسا ورومانيا وبلغاريا والمجر. وفيما أنهت الحرب العالمية الأولى عهد الإمبراطوريات العظمى، انتهت الحرب العالمية الثانية بانتصار دول الحلفاء، وتقسيم دول المحور ونهاية النظام الفاشي والنازي.

وفي الوضع الراهن، بدأت ملامح التحالفات تظهر، على الأقل على مستوى التحالف الذي يجمع إيران وروسيا وتركيا، ودفعها إلى تقديم المصلحة على الخلافات. وكانت سوريا/الأسد هي نقطة الوصل بين الحلف الذي يطلق عليه المراقبون حلف الضرورة.

ينظر إلى ترامب على أنه أكثر حزما من أوباما لكن لا تزال هناك الجوانب الغامضة من أبرزها إعجابه ببوتين حليف الأسد

على الجهة المقابلة، يرى الخبراء الاستراتيجيون أن صورة التحالفات بين بقية الأطراف الإقليمية الفاعلة في الملف السوري، دول الخليج العربي والولايات المتحدة أساسا، لن تظهر ملامحها بشكل واضح إلا بعد أن يمسك الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب بزمام الأمور في البيت الأبيض وتتوضح سياسته تجاه الملف السوري.

وقال سامي الفرج، وهو مستشار أمني لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، لرويترز إن دول الخليج تحتاج إلى “إعادة تنظيم صفوفها وإلى أن تكون لها وقفة استراتيجية وأن تدرس كيف ستسعى لتحقيق أهدافها في الفترة المقبلة”؛ فيما يستحضر الخليجيون قولة للأمير تركي الفيصل، رئيس المخابرات السعودية سابقا، جاء فيها “ما تعلمناه من الانتخابات الأميركية هو انتظار الأفعال لا الأقوال”.

وتشعر دول الخليج بالغضب من نهج إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما المتراخي إزاء الحرب. لكن الرئيس المنتخب دونالد ترامب يمثل نقيضا مثيرا للاهتمام.

وينظر إلى ترامب على أنه أكثر حزما من أوباما وقد جاء اختياره للجنرال المتقاعد بالقوات البحرية جيمس ماتيس الذي لا يثق بإيران وزيرا للدفاع، ورجل صناعة النفط ركس تيلرسون لمنصب وزير الخارجية ليسعد دول الخليج. لكن لا يزال هناك الكثير من الجوانب الغامضة أبرزها تعبير ترامب عن إعجابه بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين حليف الأسد.

عقد صفقة

قال دبلوماسي غربي كبير إن المسؤولين السعوديين يتطلعون إلى أن يروا كيف سيترجم ترامب انتقاداته لإيران وإشادته ببوتين خلال حملته الانتخابية إلى سياسات، بينما وصف مسؤول بوزارة الخارجية في إحدى دول الخليج ترامب بأنه “رجل أعمال يمكننا أن نعقد صفقة معه”.

وأثارت سيطرة قوات النظام السوري على مدينة حلب، بمساعدة إيران وروسيا، قلق الدول العربية السنية. وتطمح إيران إلى تكوين “هلال شيعي” يمتد من أفغانستان إلى البحر المتوسط.

وقال سامي الفرج “القضية السورية لم تغلق بعد”. وستسعى دول الخليج إلى تشكيل إدارة انتقالية في سوريا؛ لكن يبدو أي تصور لأن يكون لدول الخليج تأثير على المفاوضات مستقبلا احتمالا بعيدا في ظل عزم الأسد وموسكو وطهران على تحقيق مكاسب من خلال استعادة أراض سيطر عليها مقاتلو المعارضة.

غياب الولايات المتحدة عن محادثات الإجلاء من شرق حلب كانت طريقة روسيا لإظهار أن موسكو -وليس واشنطن- هي من يتحكم في الأمور

لكن الاستياء العربي من تقاعس الغرب عن التحرك إزاء سوريا يبدو عميقا ومستمرا. وقال الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة، وزير خارجية البحرين، “الوضع كله في سوريا سببه الانفصال من جانب القوى العالمية حيال كيفية التعامل مع الأمر. لذا في ظل كل التغيرات في القيادة السياسية (بالغرب) نأمل في نوع من الالتزام الجديد تجاه سوريا”.

ولا يقتصر الاستياء على دول الخليج، بل أيضا يتجلى هذا الاستياء واضحا في الأروقة الأميركية. فالتقدم الروسي، جاء على حساب الدور التقليدي للأميركيين، في المنطقة. كما يلفت البعض من الاستراتيجيين النظر إلى أن الحلفاء الخليجيين لن يبقوا مكتوفي الأيدي تجاه السياسات الأميركية التي لا تناسبهم؛ وهناك تواصل كبير مع الروس، الذين يبحثون عن انتزاع الاعتراف الأميركي بأنهم قوة “عظمى” ندية، أي الاعتراف ضمنيا بنهاية نظام القطب الواحد بشكله الذي ظهر بعد سقوط الاتحاد السوفييتي.

تهميش واشنطن

كتب ديمتري ترينين، مدير معهد كارنيغي-موسكو، مشيرا في دراسة له إلى القوى العالمية “بالنسبة لروسيا، الدولة التي تقوم بدور عسكري وسياسي في الشرق الأوسط هي قوة عظمى بالتعريف. إنهم مهتمون بالإرهاب وبالروس الملتحقين بتنظيم داعش واستقرار البلد، لكن المهم هو الجيوبولتيك وعلاقات القوة على المستوى العالمي”.

ولا تتوقع مجموعة الشرق الاستشارية، وهي مجموعة بحثية في واشنطن، أن تأتي محاولات الأميركيين للتوصل إلى حل في سوريا بثمارها، لأن واشنطن لا تفعل أي شيء تقريبا لتجنب التورط. فقرار الرئيس باراك أوباما تقديم دعم محدود فقط للمعارضة المسلحة المعتدلة لم يترك لواشنطن سوى تأثير بسيط على الوضع في سوريا ولا سيما بعدما بدأت روسيا شن ضربات جوية ضد المعارضة التي تقاتل الرئيس بشار الأسد.

وقال دينيس روس، من معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، والذي عمل في السابق مستشارا بشأن إيران والشرق الأوسط لدى حكومات جمهورية وديمقراطية أميركية، إن الولايات المتحدة جعلت نفسها “غير ذات تأثير” على الوضع في سوريا.

وأضاف روس “لا تجد المعارضة مبررا يذكر للتجاوب معنا ومع الأسد. يعلم الروس والإيرانيون أننا لن نفعل شيئا لزيادة التكلفة عليهم جراء هجومهم على حلب ومدن سورية أخرى”. وتابع “تحركت روسيا لتجعل من نفسها وسيطا بعدما غيرت ميزان القوى على الأرض”.

وسعت الولايات المتحدة إلى التهوين من شأن غيابها عن محادثات بين روسيا وإيران وتركيا في موسكو بشأن الصراع السوري، والتي انتهت بـ"إعلان موسكو"، وقالت إن هذا ليس “تجاهلا” لها ولا يعكس تقلص النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط.

وأعلنت روسيا وتركيا وإيران، إثر هذا الاجتماع، أنها على استعداد للمساعدة في التوسط في اتفاق سلام سوري وتبنت إعلانا أوضح للمبادئ التي ينبغي أن يقوم عليها أي اتفاق.

وأقر مسؤول أميركي بأن غياب الولايات المتحدة عن محادثات الإجلاء من شرق حلب كانت طريقة روسيا لإظهار أن موسكو -وليس واشنطن- هي من يتحكم في الأمور. وقال المسؤول لرويترز مشترطا عدم الكشف عن اسمه “الواقع هو أننا وضعنا أنفسنا في موقف تبذل فيه روسيا جهودا لمحاولة العمل مع أي جهة أخرى حتى تتمكن من عزلنا”. وأضاف “تركنا خلافاتنا مع تركيا بشأن الأكراد ووجهات نظرنا بشأن شمال سوريا تخلق فجوات يستغلها الروس”.

7