إغاثة الأمة بكشف الغمة.. كيف تخرج الوحوش الكامنة في نفوس البشر

كتاب يوثق ما مرّ بمصر من كوارث في العصور الوسطى ويقدم قراءة سياسية لواقع الأنظمة وتفاعلاتها مع تلك الأزمات التي أوصلت البعض إلى أكل أبنائه.
السبت 2020/03/28
كوارث لا تدع للإنسان فرصة (لوحة مجاعة لبوهدان بافني)

يؤرخ تقي الدين أحمد بن علي المقريزي في كتابه “إغاثة الأمة بكشف الغمة” للمجاعة التي ضربت مصر في سنة 796 هجرية، وانطلاقا من هذا الحدث الذي عاشه، وأدى إلى وفاة ابنته، يتطرق إلى تاريخ المجاعات التي نزلت بمصر منذ أقدم العصور وحتى سنة 808 هجرية سنة تأليف الكتاب، مقدما رؤية تاريخية واجتماعية تعمقت في تركيبة المجتمع المصري، في العصور الوسطى، وقراءة سياسية لواقع الأنظمة وتفاعلاتها مع تلك الأزمات التي أوصلت البعض إلى أكل أبنائه.

القاهرة – استثناء من مؤلفات المؤرخين، يكتسب كتاب «إغاثة الأمة بكشف الغمة» للمؤرخ المصري تقي الدين أحمد بن علي المقريزي أهمية خاصة لأنه يوثق ما مرّ بمصر من كوارث عاصر إحداها، بحلول وباء ومجاعة استمرت من سنة 796 إلى 808 هجرية، وقد ربط آثارها ومنها جشع التجار وتردي أحوال المعيشة، بأسبابها الاقتصادية والسياسية.

وأمام فاجعة الموت يتحلّل المؤرخ من قيود وظيفته الرسمية، ويتحرّر لصالح الأمانة العلمية، ويبدي آراءه بصراحة في "غباوة أهل الدولة"، وانهماكهم في الملذات. ويتهمهم بسوء الإدارة؛ لأن "ما بالناس سوى سوء تدبير الزعماء والحكام، وغفلتهم عن النظر في مصالح العباد".

في كتاب "إغاثة الأمة بكشف الغمة" يبتعد المقريزي عن نهج مؤلفات تعالج قضايا التاريخ من وجهات نظر الحكام: "السلوك لمعرفة دول الملوك"، و"المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار". ويكتب التاريخ من أسفل، كما عاشه أبطاله الحقيقيون، وهم الشعب، في مواجهة كوارث لا تدع للإنسان فرصة إلا للبحث عن خلاص، بالفرار من الموت. وليس أقسى من أن تؤدي المجاعة إلى أكل الميتة، كما تُخرج الوحش الكامن في النفوس.

تاريخ المجاعات بمصر

"إغاثة الأمة بكشف الغمة" نشرته لجنة التأليف والترجمة والنشر برئاسة أحمد أمين، للمرة الأولى عام 1940. وحقق الكتاب كل من محمد مصطفى زيادة الأستاذ المساعد بكلية الآداب بجامعة فؤاد الأول (القاهرة حاليا) وجمال الدين محمد الشيال مدرس التاريخ بمدرسة العريش الابتدائية الأميرية.

اعتمد المحققان على ثلاث نسخ مخطوطة، ضمن مجموعة مؤلفات المقريزي، في القاهرة وإسطنبول ولندن، وقاما بمضاهاة هذه المخطوطات بثلاث نسخ أخرى «أقل قيمة»، منها اثنتان في إسطنبول ونسخة في المكتبة الأهلية بباريس. ونشرت دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، عام 2002، طبعته الثالثة، وعليها يعتمد هذا المقال.

في التصدير يذكر المحققان أن المقريزي (1365 ـ 1441 ميلادي) هو «المؤرخ المصري الوحيد» الذي عني ببحث الناحيتين الاقتصادية والاجتماعية، وهو يتناول تاريخ المجاعات بمصر، منذ أقدم العصور حتى سنة 808 هجرية حين ألف هذا الكتاب، وأنه بهذا النهج يشبه أستاذه عبدالرحمن بن خلدون (1332 ـ 1406 ميلادي) في «المقدمة»، «فكلاهما كتب في صميم النواحي الاقتصادية الاجتماعية».

في المجاعات يصبح الخبز أولا، ويزهد الناس في أي شيء حتى النفائس. ويعجب المقريزي لامرأة من «أرباب البيوتات» عرضت عقدا قيمته ألف دينار للبيع، وأرادت أن تستبدل به طحينا، وكل يعتذر إليها

وكان المقريزي تولى وظيفة الحسبة بالقاهرة في سنتي 801 و802 هجرية، وساعدته تلك التجربة «على معالجة موضوعات الكتاب في دقة العالم بخبايا الحياة الاقتصادية، وربما كانت وفاة ابنته الوحيدة سنة 806 هجرية في الطاعون الذي أعقب إحدى فترات تلك المجاعة الطويلة» أحد أسباب تأليفه هذا الكتاب.

يسجل المقريزي أن أمد البلاء في عصره طال، وحلّت فيه بالناس أنواع من العذاب، حتى ظن الكثيرون أن المحنة غير مسبوقة، ولن تزول؛ «وذلك لأنهم قوم لا يفقهون، وبأسباب الحوادث جاهلون»، فمن تدبر الكارثة «علم أن ما بالناس سوى سوء تدبير الزعماء والحكام»، وأن محنا ومصائب ماضية كانت أشد وأصعب، ولكنها صارت خبرا، وأما محنة الناس في زمانه فهي «مشاهدة»، والمسموع الماضي وإن كان كبيرا يهون موقعه من القلوب، «لأن القليل من المشاهدة أكثر من الكثير بالسماع». ومن أمثلة نوبات الغلاء بمصر ما جرى عام 87 هجري، في عهد عبدالله بن عبدالملك بن مروان، «فتشاءم به الناس، لأنه أول غلاء، وأول شدة رآها المسلمون بمصر». ثم وقع الغلاء في الدولة الإخشيدية عام 352 هجري، واستمر تسعة أعوام.

وعلى الرغم من صرامة الإجراءات عام 360 هجري، مع الطحانين وسماسرة الغلات، بعد مجيء المعز لدين الله الفاطمي، فإن البلاء اشتد، «وفشت الأمراض، وكثر الموتى حتى عجز الناس عن تكفين الأموات ودفنهم، فكان من مات يطرح في النيل». وفي العام التالي، 361 هجري، أخصبت الأرض، وحلّ الرخاء.

ولا تكون مواجهة سماسرة الأزمات وأغنياء الشدائد بالمواعظ الأخلاقية، وإنما بالحسم والردع من السلطة، ففي سنة 387 هجرية وقع الغلاء بسبب قصور مياه نهر النيل، «واشتد خوف الناس، وأخذت النساء من الأسواق». ثم تحسنت الأحوال واعتدلت الأسعار، حتى ارتفعت في سنة 395 هجرية، لتراجع منسوب النيل، «وضُرب عدة من الطحانين والخبازين بالسيوط، وشُهّروا من أجل ازدحام الناس على الخبز».

وتم تسعير القمح، وسكن الناس بوجود الخبز، وفي سنة 399 هجرية نقصت مياه النيل، واجتمع الناس بين القصرين، واستغاثوا بالحاكم بأمر الله، وسألوه ألا يهمل أمرهم، فركب حماره، وخرج من باب البحر، وقال «أنا ماض إلى جامع راشدة، فأقسم بالله لئن عدت فوجدت في الطريق موضعا يطؤه حماري مكشوفا من الغلة، لأضربن رقبة كل من يقال لي إن عنده شيئا منها، ولأحرقن داره، وأنهبن ماله».

 وفي آخر النهار لم يبق أحد وعنده غلة حتى حملها، وشوّنها في الطرقات، فرضي الناس، وامتلأت أعينهم، وشبعت نفوسهم. وخيّر الحاكم بأمر الله تجار الغلال بين البيع بالسعر الذي يقرره وفيه فائدة لهم، وبين الامتناع «فيختم على غلاتهم ولا يمكنهم من بيع شيء منها إلى حين دخول الغلة الجديدة. فاستجابوا لقوله وأطاعوا أمره، وانحلّ السعر، وارتفع الضرر».

الشدّة المستنصرية

كوارث لا تدع للإنسان فرصة إلا للبحث عن خلاص
كوارث لا تدع للإنسان فرصة إلا للبحث عن خلاص

ترتبط «الشدّة» في اللاوعي المصري بالخليفة الفاطمي المستنصر، وتلقائيا تستدعي الكلمة صفتها، فتصير «الشدة المستنصرية»، وكأنه لا شدة قبلها بمثل هذه الجسامة ولا بعدها. وكالعادة كان نقصان مياه النيل سببا يضاف إلى ارتباك الإدارة السياسية؛ لحداثة سن الخليفة المستنصر، وتحكّم أمه في شؤون دولة تمدّ سلطتها لتشمل فلسطين وبلاد الشام والحجاز وصقلية.

وفي تلك الشدة يقول المقريزي إن النيل قصر عام 447 هجري (1055 ميلادي)، «وصار الخبز طُرفة»، واستطاع الوزير أبومحمد الحسن بن علي اليازوري تدبير الأمر، حتى زوال الغلاء. فلما قتل هذا الوزير «لم تر الدولة صلاحا، ولا استقام لها أمر، وتناقضت عليها أمورها، ولم يستقر لها وزير تحمد طريقته ولا يرضى تدبيره». استمرت الشدة سبع سنين، منذ عام 457 هجري (1065 ميلادي)، وتزايد الغلاء، «وأعقبه الوباء، حتى تعطلت الأراضي من الزراعة، وشمل الخوف، وخيفت السبل برا وبحرا»، واجتمع على الشعب الأمرّان: الخوف والجوع.

يصف المقريزي مظاهر الشدة المستنصرية باختفاء القوت، «وأُكلَت الكلاب والقطط حتى قلّت الكلاب، فبيع كلب ليؤكل بخمسة دنانير. وتزايد الحال حتى أكل الناس بعضهم بعضا، وتحرّز الناس، فكانت طوائف تجلس بأعلى بيوتها ومعهم سَلَب وحبال فيها كلاليب، فإذا مرّ بهم أحد ألقوها عليه ونشلوه في أسرع وقت وشرحوا لحمه وأكلوه.

ثم آل الأمر إلى أن باع المستنصر كل ما في قصره من ذخائر وثياب وأثاث وسلاح وغيره؛ وصار يجلس على حصير، وتعطلت دواوينه، وذهب وقاره؛ وكانت نساء القصور تخرجن ناشرات شعورهن تصحن «الجوع! الجوع!»، تردن المسير إلى العراق، فتسقطن عند المصلّى، وتمتن جوعا. واحتاج المستنصر حتى باع حلية قبور آبائه؛ وجاءه الوزير يوما على بغلته فأكلتها العامة، فشنق طائفة منهم، فاجتمع عليهم الناس فأكلوهم».

في المجاعات يصبح الخبز أولا، ويزهد الناس في أي شيء حتى النفائس. ويعجب المقريزي لامرأة من «أرباب البيوتات» عرضت عقدا قيمته ألف دينار للبيع، وأرادت أن تستبدل به طحينا، وكل يعتذر إليها، «إلى أن رحمها بعض الناس»، وأعطت بعضا من الطحين إلى من يحميه من «النهابة في الطريق»، وعند باب زويلة تسلمت الطحين من الحُماة، وتكاثر عليها الناس ونهبوه، واستطاعت الاحتفاظ بملء يديها «لم يَنُبْها غيره».

وعجنته وصنعت منه قرصة، ووقفت على مكان مرتفع عند باب القصر، ورفعت القرصة فرآها الناس، ونادت بأعلى صوتها «يا أهل القاهرة! ادعوا لمولانا المستنصر الذي أسعد الله الناس بأيامه، وأعاد عليهم بركات حسن نظره حتى تقوّمت عليّ هذه القرصة بألف دينار». فبلغه ذلك وامتعض، وأحضر والي القاهرة وهدده بالقتل إذا لم يظهر الخبز في الأسواق، فخرج من عنده، وجمع تجار الغلة والخبازين والطحانين، واستدعى أحد المحتكرين، ووجه إليه اللوم، وأمر بضرب عنقه، «وتركه ملقى بين يديه»، واستدعى محتكرا آخر، وحمّله مسؤولية هلاك الناس، وأمر بضرب عنقه في الحال. واستدعى الثالث، فقال الحاضرون «أيها الأمير! في بعض ما جرى كفاية، ونحن نخرج الغلة، وندير الطواحين، ونعمر الأسواق بالخبز، ونرخص الأسعار على الناس». ثم أجرى الله النيل، وسكنت الفتن، وانكشفت الشدة.

حين يأكل الأب ابنه

لا تحظى الشدة الأيوبية بشهرة الشدة المستنصرية. يسجل المقريزي أن الغلاء وقع سنة 596 هجرية (1200 ميلادية) في سلطنة العادل أبي بكر بن أيوب، شقيق صلاح الدين. وكان السبب انخفاض منسوب النيل، إذ ألجأ الجوع الناس إلى ترك قراهم والمجيء إلى القاهرة، وصحب الجوع «وباء وفناء. وعدم القوت حتى أكل الناس صغار بني آدم من الجوع، فكان الأب يأكل ابنه مشويا ومطبوخا، والمرأة تأكل ولدها؛ فعوقب جماعة بسبب ذلك. ثم فشا الأمر وأعيا الحكام، فكان يوجد بين ثياب الرجل والمرأة كتف صغير أو فخذه أو شيء من لحمه، ويدخل بعضهم إلى جاره فيجد القدر على النار فينتظرها حتى تتهيأ، فإذا هي لحم طفل؛ وأكثر ما يوجد ذلك في أكابر البيوت.

 ووجدت لحوم الأطفال بالأسواق والطرقات مع الرجال والنساء مختفية، وغُرّق («حرق» في نسخة إسطنبول) في دون شهرين ثلاثون امرأة بسبب ذلك. ثم تزايد الأمر حتى صار غذاء الكثير من الناس لحوم بني آدم بحيث ألفوه، وقل منعهم منه لعدم القوت… وكان أهل القرى قد فنوا، حتى أن القرية التي كان فيها خمسمائة نفس لم يتأخر بها سوى اثنين أو ثلاثة… وكان الرجل بالريف في أسفل مصر وأعلاها يموت وبيده المحراث، فيخرج آخر للحرث فيصيبه ما أصاب الأول.

المقريزي يكتب التاريخ من أسفل، كما عاشه أبطاله الحقيقيون، وهم الشعب، في مواجهة كوارث لا تدع للإنسان فرصة إلا للبحث عن خلاص، بالفرار من الموت

واستمر النيل ثلاث سنين متوالية لم يطلع منه إلا القليل». فقسم السلطان العادل الفقراء على الأمراء وأرباب الثراء، فأفاضوا عليهم القوت، وكان الواحد من أهل الفاقة إذا امتلأ بطنه بالطعام بعد طول الطوى سقط ميتا». وقد وارى السلطان نحو مئتي ألف ميت. ولما جرى النيل لم يوجد فلاح يزرع، فتولى الجند وغلمانهم أمر الزراعة.

لا يفوت المقريزي أن يشير إلى أغنياء الوباء والمجاعة من أرباب الأموال، إذا أمسكوا الغلال ورفضوا بيعها؛ طمعا في شراء «أهل مصر ونفوسهم». فلما جاء الرخاء، لم ينتفعوا بها ورموها، والبعض «مات عقب ذلك شرّ ميتة، وبعضهم أجيح في ماله، إن ربك لبالمرصاد».

مع الدولة المملوكية، التي بدأت سنة 648 هجرية (1250 ميلادية)، تتسع زاوية نظر المقريزي إلى مجاعات خارجية. ففي عام 695 هجري جفّت بلاد برقة وهلك الزرع، واتجه نحو ثلاثين ألفا بعيالهم وأنعامهم إلى مصر، «فهلك معظمهم جوعا وعطشا»، ولم يصلْ إلا القلة. وفي فلسطين وبلاد الشام تأخر المطر، وفات أوان الزرع، وأقحطت مكة، «ونزحت سكان قرى الحجاز، وعدم القوت ببلاد اليمن واشتد بها الوباء؛ فباعوا أولادهم في شراء القوت، وفروا… فالتقوا بأهل مكة وضاقت بهم البلاد، ففنوا كلهم بالجوع إلا طائفة قليلة».

واشتدّ الأمر في مصر، فأمر «السلطان العادل كتبغا» بتوزيع الفقراء وذوي الحاجات على الأمراء ليطعموهم، فتراجع الفقر. وانتشر الوباء والأمراض، «وعظم الموتان»، وحفرت الآبار لموتى ضاقت بهم الطرقات والأسواق، وخلت القرى من الناس، «وكان أكثرهم يوجد ميتا في مزارع الفول لا يزال يأكل منه إذا وجده حتى يموت».

هكذا تقوم الثورات

يصنّف المقريزي أهل مصر إلى سبعة أقسام: الأول أهل الدولة، والثاني أهل اليسار من التجار، والثالث متوسطو الحال من التجار، والرابع الفلاحون سكان القرى، والخامس الفقراء «وهم جلّ الفقهاء وطلاب العلم»، والسادس أرباب الصنائع والأجراء أصحاب المهن، والسابع ذوو الحاجة والمسكنة. وبتوالي المحن هلك الكثيرون من القسم الرابع وهم أصحاب الفلاحة والحرث، وأما القسم الخامس ويضم أكثر الفقهاء وطلاب العلم، «فهم ما بين ميت أو مشتهي الموت، لسوء ما حل بهم».

وما حلّ بهؤلاء وبمصر، منذ عام 796 هجري، شهده المقريزي، ويرجعه إلى الجفاف وتعطّل الزراعة، واستمر بعد موت السلطان الظاهر برقوق عام 801 هجري (1399 ميلادي). وجاء الغوث عام 807 هجري بفيضان النيل.

لماذا تفاقم الأمر، «وعمّت البلية وطمّت»، وأماتت أكثر من نصف المصريين، في شدة استمرت حتى بدايات سنة 808 هجرية؟ يرى المقريزي أن لأزمة «سوء التدبير، وفساد الرأي» ثلاثة أسباب:

* الأول «وهو أصل هذا الفساد» ولاية المناصب من الوزارة والقضاء وولاة الأقاليم والحسبة بالرشوة، فينال «كل جاهل ومفسد وظالم وباغ» مهامّ تفوق مؤهلاته، ويمدّ يده إلى أموال الناس، ويكلفهم فوق طاقتهم، وتزداد المغارم وتتنوع المظالم، فيهجرون قراهم؛ لشدّة وطأة الولاة عليهم، «فاقتضى الحال من أجل ذلك ثورة أهل الريف وانتشار الزعار وقطاع الطريق، فخيفت السبل، وتعذر الوصول إلى البلاد إلا بركوب الخطر العظيم. وتزايدت غباوة أهل الدولة، وأعرضوا عن مصالح العباد، وانهمكوا في اللذات».

* الثاني: غلاء أسعار الأطيان، فيعجز الفلاحون عن الوفاء بسداد أجرة الفدان، «وتعطلت أكثر الأراضي من الزراعة. فقلّت الغلال»، وهلكت الدواب وتشرد الفلاحون في البلاد.

* الثالث: «رواج الفلوس»، وصار ما يشترى بدرهم هو ما كان يشترى بنصف درهم، وفي سنة 695 هجرية وُزنت بالميزان، «وكان هذا أول ما عرف بمصر من وزن الفلوس والمعاملة بها وزنا لا عددا». ويرى المقريزي أن الهوس بالنقود أشعل الغلاء، بسبب «سوء تدبير من الحكام».

16