إغراءات الشهرة تدفع الشباب المغامر للمخاطرة بحياته

شباب يبحث عن المغامرات المجهولة ويقبل على ممارسة الأنشطة الرياضية الخطرة في ظاهرة تختلف دوافعها وتتباين من شخص إلى آخر.
الأحد 2018/04/22
ماذا بعد بلوغ القمة

القاهرة - خلافا للرياضات المألوفة والشائعة، تبدو فكرة تسلق الجبال والقفز من الأماكن المرتفعة، وركوب الدراجات قصد السفر لمسافات طويلة، والسباحة في الأنهار الخطرة والغطس في البحار العميقة، والسفر إلى أماكن نائية، وغيرها من صور المغامرات الخطيرة، ظاهرة غريبة وموضة تسللت إلى تفكير الكثير من الشباب العرب دون تفسير واضح.

وتنوعت اختيارات الشباب العربي لهذه الأنشطة بحثا عن المغامرة المجهولة بالرغم من أن الكثيرين يعتبرونها تقليدا لأنماط ترفيهية، لديها جذورها في الثقافة الغربية وليس في الثقافة العربية.

قبل سنوات قليلة لم يكن الإقبال على هذا النوع من المغامرات يشكل اهتماما بارزا لدى الشباب العربي، غير أنه اليوم بات لافتا للانتباه، ما يثير العديد من التساؤلات حول الدوافع التي تقف وراء تعريض الشباب حياته للخطر، للوصول إلى أعلى القمم أو تحطيم الأرقام القياسية. فهل هي مجرد رغبة في التجربة أم رغبة في التحدّي أم محاولة للهروب من الفشل أم سعي لتعويض نقص ما في الحياة؟

قد يكوّن التطور الحاصل في العالم وانفتاح الشباب على الكثير من الأنماط المعيشية والتجارب في دول أخرى وكذلك التعرف على ثقافات مختلفة إلى جانب الرغبة في التغيير والتطور، دوافع للبعض من شباب المنطقة العربية نحو التقليد الأعمى للنماذج التي تجتذبه بغاية الوصول إلى شهرة عالمية أو محلية دون مراعاة النتائج.

وتغطي وسائل الإعلام يوميا أخبارا تتحدث عن إنجازات شبابية من هذا النوع وحصول بعضهم على جوائز إقليمية أو دولية وأحيانا عن حوادث ومغامرات انتهت بمآسي منها الموت، ما يكشف الانتشار المتزايد لظاهرة المغامرات الخطيرة، لتشمل فئات متنوعة ومختلفة من المغامرين الشباب نساء ورجالا وأسوياء ومعوقين وأثرياء وفقراء يتنافس جميعهم على الوصول إلى الشهرة العالمية.

 

لم يعد تداول أخبار الشباب العربي الذي يقدم على مغامرات خطرة ظاهرة غريبة، إذ انتشرت هذه الفكرة لتشمل غالبية المجتمعات العربية. ويفسر علماء النفس بعض حالات المغامرين بالتقليد الأعمى لأنماط غربية أو بالبحث عن التميز. كما يؤكدون أنه عندما تتحول بعض الرياضات إلى تحدّ ومغامرة محفوفة بالمخاطر فإن الإقبال على ممارستها يصبح أقرب إلى حالة مرضية

هوس المغامرة

تعدّ الصيدلانية منال رستم من أشهر السيدات المغامرات في العالم العربي حيث كانت تعمل في دولة الإمارات العربية ثم تركت وظيفتها المرموقة اجتماعيا وماديا وتفرغت لمغامرات تسلق الجبال. اختارت أن تترك عملا مربحا للبحث عن ممولين لرحلاتها ومغامراتها بهدف صعود قمم الجبال.

تقول رستم “لم أتسلق الجبال لمجرّد ممارسة هواية أحبها أو بحثا عن الشهرة، لكن لإشباع شغفي الكبير بالمغامرة، وبكل ما هو صعب وغريب ولكي أفتح الباب أيضا لكل الفتيات والنساء الراغبات في السير على طريق المغامرة”.

وإذا تركت منال رستم عملها واقتحمت مجال مغامرات تسلق الجبال لفتح الباب أمام بنات جنسها، فإن الأمر يبدو محيّرا حينما يقدم عثمان الحلي طبيب المخ والأعصاب العراقي على نفس التجربة، تاركا عمله ومنصبه الرفيع في أوروبا لعدة شهور للتفرغ لرحلة تسلق جبال الهملايا وبلوغ قمة إفرست.

يقول الحلي “حققت هدفي العلمي في النجاح كطبيب حاصل على شهادة الدكتوراه في جراحة المخ والأعصاب في لندن، لكنني شعرت برغبة ملحة في تسلق المرتفعات الخطيرة تمهيدا لتحقيق نجاح من نوع آخر يكون مختلفا ويتوج بوضع علم بلادي فوق أعلى قمة على الأرض”.

ويرى الطبيب العراقي أن هذا الإنجاز ليس إلا تعبيرا عن مشاعر الانتماء وحب الوطن، فيما يحكم آخرون على تجربته بأنها بعيدة عن الوطنية، وليست إلا إشباعا لرغبة شخصية في الخلود والمجد.

وتكشف تجربة المغامر الشاب ناصر عبدالجليل من المغرب في تسلق الجبال والتجوال بين الدول مشيا، عن تشابه الشغف الشبابي بهذا النوع من المغامرات، بل وتشابه سيناريوهاته، ما يعكس تأثير التقليد والمحاكاة في انتشار ظاهرة الإقبال على المغامرة الخطيرة عبر المجتمعات العربية على اختلاف مواقعها الجغرافية. وعلى الرغم من وضعه الوظيفي المستقر بحكم عمله كمصرفي، اختار ناصر المشقة في عدد ساعات التدريب الطويلة التي يقضيها ليتقن كيفية تسلق الجبال بالإضافة إلى التكلفة المادية الباهظة للرحلة والتي تصل إلى 45 ألف يورو بحسب كلامه، لإشباع رغبته الدفينة في أن يكون الأول بين مواطنيه في صعود قمم الجبال.

ويؤكد ناصر، أن التميز والتفوق على مواطنيه قد يكون أهمّ ما يحفزه على المغامرة حتى لو دفع مقابله ثمنا باهظا، لكن هل تكون الصفقة رابحة إذا خسر عمله، الذي يعتبر بدوره خدمة للمجتمع والوطن، من أجل بلوغ التميز والتفوق في مغامرة محفوفة بالمخاطر؟

يعتقد بعض المغامرين أن تسلق الجبال يمكن أن يكون حلا بديلا للتغلب على ظروف معقدة يتعرض لها الشخص في حياته اليومية فيهرب منها إلى الجبال والمرتفعات علّه يتعلم من التجربة المزيد من الصبر والقوة لمجابهة ضغوط ومشكلات الحياة أملا في أن تنقله المغامرة إلى حياة أفضل.

وتستمر ظاهرة ممارسة الرياضات الخطرة والإقبال على المغامرات في التوغل لدى المجتمعات العربية، وكان بطل أحدث مغامرات صعود الجبال الشاب الأردني جراح الحوامدة الذي وصل مؤخرا إلى قمة إفرست بعد سلسلة طويلة من المحاولات والمغامرات الخطيرة التي أكسبته الشجاعة والخبرة في التسلق.

ويشير الحوامدة إلى أنه يشعر بسعادة بددت كل متاعبه وأزماته النفسية والصحية، مؤكدا أنه أقدم على هذه التجربة للتخلص منها، وقد نجح في أن يكون أول متسلق عربي لجبل إفرست بطرف سفلي اصطناعي.

ويوضح الحوامدة “تعرضت للكثير من المخاطر وكان من الممكن أن أهلك بسبب قسوة الطبيعة في المناطق الجبلية وفي جبل إفرست تحديدا، لكنني قلت في قرارة نفسي أني لا أملك شيئا أخاف عليه حيث إنه لن تكون لحياتي قيمة دون تحقيق إنجاز يعيد لي ثقتي في نفسي مهما كانت كلفته”. لكن نجاحه في هذه المهمة الصعبة جعله سعيدا، وأكسبه الثقة في النفس والرغبة في الحياة من جديد.

الإقبال على المغامرة بين بلوغ المجد والهرب من الواقع والمرض النفسي
الإقبال على المغامرة بين بلوغ المجد والهرب من الواقع والمرض النفسي

رسالة إلى المجتمع

لجأ الشاب المصري ذو الاحتياجات الخاصة مازن حمزة إلى ممارسة تسلق الجبال والمرتفعات بحثا عن النجاح وإثبات الذات بعد أن قضى سنوات من عمره عاجزا عن تحقيق أحلامه بسبب ظروفه البدنية.

يقول حمزة لـ”العرب” لقد “تعبت من معاناة ظروف قاسية منذ سن مبكرة، ودفعت ثمنا غاليا عندما حرمت من الحصول على تطعيم شلل الأطفال، وشاء القدر أن أصبح معوقا، وهو ما أثّر في حياتي كلها وجعلني أعجز عن تحقيق أحلامي رغم أن والديّ لم يقصرا في واجباتهما معي، ولكنني لم أتمكن من الاندماج في المجتمع ومن تجاوز الكثير من المشكلات في علاقاتي مع الناس بسبب إعاقتي”.

ويضيف “لجأت إلى الرياضة ومارست السباحة ثم راودتني فكرة تسلق المرتفعات. كان دافعي أن أنقل رسالة عن معاناتي ومعاناة المعوقين من ذوي الاحتياجات الخاصة إلى المجتمع الذي أعيش فيه بل إلى العالم كله، لذلك اخترت تسلق هرم خوفو بالجيزة في مصر باعتباره مكانا يكتظ بالزوار المواطنين والسياح الأجانب كي تصل رسالتي إلى أكبر عدد ممكن من الناس”.

مازن حمزة الذي يستعين بمرافق أثناء تنقله أحيانا، لجأ إلى تسلق المرتفعات لكي يعبر عن معاناته من خلال كلمات دونها على اللافتة التي رفعها فوق قمة هرم خوفو. ولفت بهذا المشهد الأنظار إليه وهو ما ساهم في نجاح تجاربه التالية عندما تسلق جبالا عالية في مصر والمغرب.

وتطرح حالة حمزة تساؤلات كثيرة، من بينها إلى أيّ مدى تعود هذه المغامرات بالفائدة المرجوة على الشباب؟ هل تمثل عنصرا إيجابيا في حياتهم بما يتجاوز متعة الشهرة ولفت الأنظار؟ أم تتحول إلى عبء مادي جديد يثقل كاهلهم؟

مغامرات تسلق الجبال غالبا ما تقترن بأشخاص من بيئات اجتماعية مرفهة تختلف عن تلك التي ينتمي إليها بعض المغامرين في المجتمعات العربية، وهذا لا ينفي وجود أشخاص من طبقات مرفهة ماديا ينفقون من أموالهم الخاصة على مثل هذه المغامرات.

لكن الكثير من المغامرين الشبان اليوم قد يضطرون إلى الاقتراض أو البحث عن رعاية مالية للمساهمة في التكاليف الباهظة لرحلاتهم، ما يعني أنهم يتكبدون ضغوطا اقتصادية إضافية من أجل تحقيق أحلامهم المحفوفة بالمخاطر. يتذكر مازن، الصدفة التي مكنته أن يصبح متسلقا شهيرا للجبال، ويقول “منذ سنوات شاركت في مسابقة ‘حقق حلمك’ للفوز برعاية إحدى الشركات، وكنت من بين العشرة الفائزين لتحقيق أحلامهم وكان حلمي صعود جبال الألب السويسرية”.

وفاز مازن بعد حصول حلمه على 800 ألف صوت عبر التصويت الإلكتروني، ما يعني أنه يمثل حالة تحظى بقبول شبابي وجماهيري كبير يعكس نمط التفكير والمزاج الجماعي الذي بات يميل نحو الأعمال ذات الطابع الاستعراضي على شاكلة تلك المغامرات.

نجاح مازن في مغامرة صعود جبال الألب ومواجهة مخاطر مميتة بسبب الظروف الجوية السيئة، لم يسهما في حل مشاكله الشخصية والمادية بل زاداها تعقيدا، وربما نجد من ينتقد حلمه ويرى أنه كان عليه أن يختار حلما ذا تأثير مباشر على حياته اليومية والعملية، لكنه اتبع عِشقه للتحدّي والرغبة في الخروج عن المألوف.

عندما يخرج المغامر الشاب من إطار التحدي وإثبات الذات إلى إطار المغامرة القاتلة، فكأنه يقوم بفعل يقدم فيه على الانتحار ، وهنا نكون أمام مريض باضطرابات نفسية

يكره مازن مشاعر الضعف ويتجه دوما نحو ما يمنحه مظاهر القوة والتمرد، يقول “أعشق التحدي ومواجهة الصعاب لذلك أجد نفسي مرتاحا في ممارسة هذه الرياضة المثيرة، وأحرص على الاستمرار فيها لأحقق حلم حياتي الأكبر في الوصول إلى قمة جبل إفرست وتحقيق رقم جديد، بعد نجاحي في الحصول على لقب أول مصري معوق يتسلق جبل سانت كاترين، وأبذل قصارى جهدي وأتحمل لأجل ذلك صعوبات الجمع والتنسيق بين دوام عملي كموظف حكومي ومواعيد تدريباتي وسفري”.

ويشير حمزة إلى أنه اقترض أموالا وجمع هبات من أصدقائه لتوفير نفقات رحلته لصعود جبل توبقال بالمغرب، ثاني أعلى قمة في أفريقيا، بعد صعود جبال الألب. وهو يعتبر أن تحقيق هذا الإنجاز يعد خطوة نحو تحقيق الحلم الأكبر في تحطيم الرقم القياسي لبلوغ قمة إفرست”.

وأثارت تجربة مازن حمزة جدلا واسعا في مواقع التواصل الاجتماعي بعد أن اختلف روادها حول قيمة وجدية المغامرة التي أقدم عليها، إذ يرى بعضهم أن حلم حمزة يمثل دافعا للأسوياء قبل المعوقين نحو ضرورة إيجاد حلم في حياتهم والتمسك به حتى تحقيقه، وإن بدا رمزيا لا يقدم مكسبا ماديا، بينما يعتقد آخرون أن أحلامه معنوية ورمزية، ولها أبعاد وعواقب خطيرة، لم تقدم ما يخدم حياته الخاصة وقضية أمثاله من الشباب المعوقين.

وتساءل معارضون للفكرة قائلين “إذا كانت هناك مصلحة شخصية للمغامر حمزة، فما الفائدة التي تعود على غيره من الشباب بعد إقدام أحدهم على صعود قمة جبل ليكون هذا الاحتفاء باعتباره إنجازا كبيرا يجذب الأضواء إليه”.

 بينما يرى غيرهم أن الاهتمام بمثل هذه المغامرات يرجع إلى اعتبارها وسيلة للتنفيس عن الذات وشغل الرأي العام بالشباب خاصة في المجتمعات العربية.

ويرى محللون أن معاناة الشباب في العموم من قسوة الحياة إلى جانب فقدانهم الرعاية من الأهل والمجتمع تنمي لديهم الإحساس بالضياع مع عدم اهتمام المسؤولين وأصحاب القرار في الدولة بهم بالشكل المفروض والمطلوب، وقد يدفعهم ذلك إلى مغامرة غير محسوبة العواقب وهي في الحقيقة أشبه بمهمة انتحارية.

المخاطرة بالحياة اضطراب نفسي

أمام ظاهرة غريبة تحتاج إلى تفسير علمي، يقول علماء النفس، إن إقبال بعض الشبان على ممارسة هذه الأنشطة الرياضية الخطرة قد تكون له دوافع مختلفة، تتباين من شخص إلى آخر، من بينها الإصابة بالاكتئاب والرغبة في الانعزال عن الناس أو حب الشهرة والأضواء والرغبة في لفت الأنظار أو السعي لتحقيق إنجاز غير متاح للكثيرين من أجل أن يثبت الشاب لنفسه أنه الأفضل أو الأقوى ومن أجل الهروب من مشكلاته أو التعويض عن الفشل في مجالات أخرى.

في الكثير من الحالات يكون البحث عن بطولة مطلقة فوق قمة بعيدة لا يستطيع الناس الوصول إليها محفزا قويا من أجل الإحساس بالمجد والخلود.

وأشار يسري عبدالمحسن أستاذ الطب النفسي بجامعة القاهرة في حديثه لـ”العرب” إلى أن تسلق الجبال ليس الرياضة الخطيرة الوحيدة التي تجتذب الشباب، وأن هناك أنواعا عديدة من الأنشطة الخطيرة التي يمارسونها من باب التحدي وإثبات الذات أو اكتساب مظهر الجرأة والافتخار بها أمام الآخرين. وأضاف أستاذ الطب النفسي أن مثل هذه الشخصيات تتمتع بسمات خاصة منها العناد والجرأة وحب المغامرة والتحدي والبحث عن الصعاب، وهي سمات تنشأ منذ الصغر وتكبر مع الشخص وتتجلى بوضوح في سن المراهقة.

ومن وجهة نظر علم النفس تعتبر هذه الحالة عادية، فالبحث عن التميز والاختلاف وحب التنافس أمور عادية بين الناس، بل إنها مطلوبة.  لكن عندما يخرج المغامر الشاب من إطار التحدي وإثبات الذات إلى إطار المغامرة القاتلة، فكأنه يقوم بفعل يقدم فيه على الانتحار، وهنا نكون أمام مريض باضطرابات نفسية أو اكتئاب أو حالة من حالات تدمير الذات.

19